سياسة / أمن / ملفات خاصة 24-01-2026, 16:17 | --
+A -A

معضلة العمال الكردستاني


بعد سوريا.. الدبابات التركية تستعد لاقتحام العراق.. فيدان: سنجار تجاوزت "كل الخطوط الحمراء"

بغداد اليوم – متابعة

حوّلت سنجار خلال السنوات الأخيرة من قضاء منكوب بالإبادة الإيزيدية إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في معادلة الأمن الإقليمي شمالي العراق، حيث تتقاطع فيها خرائط نفوذ محلية وإقليمية مع حضور حزب العمال الكردستاني، وتمركز قوات اتحادية وقوى مرتبطة بالحشد وقوات من إقليم كوردستان، إلى جانب وجود عسكري تركي آخذ في التوسع. في قلب هذا المشهد جاءت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، التي قال فيها إنّ ما يجري في الموصل وسنجار "تجاوز كل الخطوط"، وإنّ إنهاء وجود حزب العمال الكردستاني في الموصل "بات مسألة وقت بعد الملف السوري، سياسياً أو عسكرياً"، لتضع سنجار مجدداً على صفيح ساخن.

الخبير في الشؤون الاستراتيجية جاسم الغرابي، أكد أنّ هذه التصريحات تمثل "مؤشراً واضحاً على انتقال السياسة التركية من مرحلة التحذير الدبلوماسي إلى مرحلة رسم معادلات ردع جديدة في شمال العراق".

وقال الغرابي، لـ"بغداد اليوم"، إنّ "ربط فيدان إنهاء وجود حزب العمال الكردستاني في الموصل بما بعد الملف السوري يحمل دلالات استراتيجية مهمة، أبرزها أنّ أنقرة تعتبر الساحتين السورية والعراقية ملفاً أمنياً واحداً مترابطاً، وأنّ حسم أحدهما سيفتح الباب تلقائياً لإعادة ترتيب الآخر، سواء عبر المسارات السياسية أو من خلال الخيارات العسكرية".

وبيّن أنّ "سنجار باتت تمثل، من وجهة النظر التركية، نقطة حساسة تجاوزت كونها قضية محلية عراقية، لتصبح عقدة أمن قومي بسبب ما تصفه أنقرة بوجود بنية تنظيمية وعسكرية لحزب العمال الكردستاني، وهذا الوجود يشكّل تهديداً مباشراً لأمنها وحدودها الجنوبية".

وأضاف أنّ "حديث فيدان عن أنّ إنهاء وجود حزب العمال بات مسألة وقت، يعكس ثقة تركية متزايدة بميزان القوى الحالي، سواء على مستوى التنسيق الإقليمي أو في ظل المتغيرات الميدانية في سوريا، وأنقرة قد تفضّل في المرحلة الأولى الضغط السياسي والدبلوماسي بالتنسيق مع بغداد وأربيل، قبل اللجوء إلى أي تصعيد عسكري مباشر"، لافتاً إلى أنّ "المرحلة المقبلة ستشهد تصاعداً في الخطاب السياسي التركي تجاه الموصل وسنجار، يقابله اختبار حقيقي لقدرة الحكومة العراقية على إدارة هذا الملف الحساس، بما يوازن بين السيادة الوطنية، وتعقيدات الواقع المحلي، وضغوط الإقليم المتزايدة".


تواجد تركي متراكم في الشمال العراقي

خلف هذه التصريحات يقف واقع ميداني معقّد؛ فتركيا لا تلوّح فقط من خلف الحدود، بل تمتلك اليوم شبكة واسعة من القواعد العسكرية والنقاط المتقدمة داخل أراضي إقليم كوردستان وشمال العراق، بعضها أقيم منذ التسعينيات، فيما توسّعت بشكل غير مسبوق بعد عام 2018. تقديرات مراكز أبحاث دولية تشير إلى أنّ أنقرة أنشأت عشرات القواعد ونقاط المراقبة، تمتد على شريط حدودي يتراوح عمقه بين 10 و20 كيلومتراً، مع وجود قاعدة بعشيقة شمال الموصل كنقطة متقدمة لوجستية واستخبارية.

هذا التوسع جرى غالباً عبر تفاهمات غير معلنة مع سلطات الإقليم، بعيداً عن موافقة برلمانية اتحادية واضحة، ما أثار انتقادات سياسية متكررة داخل بغداد تتهم أنقرة بـ"فرض أمر واقع عسكري" تحت عنوان ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني.


من "منظمة محظورة" على الورق إلى معطى ميداني معقّد

على مستوى النصوص الرسمية، قطع العراق خطوة مهمة عام 2024 حين قرر مجلس الأمن الوطني إدراج حزب العمال الكردستاني ضمن "المنظمات المحظورة" داخل البلاد، في قرار رحّبت به تركيا وعدّته تحوّلاً في مقاربة بغداد للملف الأمني المشترك.

هذا القرار جاء بالتوازي مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى بغداد وتوقيع أكثر من 20 مذكرة تفاهم شملت الملف الأمني ومشروع طريق التنمية والمياه، ثم توقيع مذكرة أمنية وعسكرية مفصّلة في أنقرة لاحقاً، ركّزت على "التعاون في مكافحة حزب العمال الكردستاني وفروعه" وتطوير مراكز تدريب ومعلومات مشتركة.

لكن تحوّل الحزب إلى "منظمة محظورة" في الخطاب الرسمي لا يعني أنّ وجوده الميداني انتهى. فحتى بعد إعلان قيادته وقف الكفاح المسلّح وبدء مسار حل مع أنقرة، ما تزال "عناصر حزب العمال" حاضرة في مناطق مثل سنجار ومخمور وقنديل، بحسب تصريحات رسمية عراقية، مع مطالبة بغداد العلنية بتجريد هذه العناصر من السلاح ضمن تفاهم أوسع مع تركيا.


سنجار: عقدة جغرافية وأمنية تتجاوز حدود القضاء

سنجار ليست نقطة عابرة على خريطة شمال العراق. فهي موطن الذاكرة الإيزيدية التي تعرضت لإبادة مروّعة على يد تنظيم داعش عام 2014، كما تحولت بعد ذلك إلى ساحة تداخل بين قوى عديدة: الجيش العراقي، قوات الإقليم، فصائل من الحشد الشعبي، وقوى محلية إيزيدية ذات صلات مباشرة أو غير مباشرة بحزب العمال.

بعد الانسحاب الكارثي للقوات المحلية أمام هجوم داعش، برزت "وحدات مقاومة سنجار – YBŞ" بوصفها قوة إيزيدية مسلّحة تلقت تدريباً ودعماً من حزب العمال الكردستاني، قبل أن يجري إدماج جزء منها شكلياً في صفوف الحشد الشعبي ضمن ما يعرف بـ"اللواء 80".

عام 2020، وقّعت بغداد وأربيل "اتفاق سنجار" برعاية أممية، ونصّ بشكل صريح على إنهاء وجود حزب العمال الكردستاني وأي تشكيلات مسلّحة غير رسمية في القضاء ومحيطه، وأن تتولى القوات الاتحادية، بالتنسيق مع الإقليم، إدارة الملف الأمني، بما يفتح الباب لعودة عشرات آلاف النازحين الإيزيديين. لكن بعد خمسة أعوام تقريباً، ما تزال معظم بنود الاتفاق حبيسة الورق، فيما يستمر التزاحم بين القوى المسلحة المحلية والخارجية، وتبقى سنجار "نقطة التقاء" لصراعات تمتد من قنديل إلى الساحل السوري.


من يتعامل مع حزب العمال اليوم داخل العراق؟

رسمياً، تعلن الحكومة العراقية أنّ حزب العمال "محظور"، وتطالب بخروج مقاتليه من الأراضي العراقية. لكن على مستوى الواقع، تتوزع شبكات الحزب بين جبال قنديل ومناطق حدودية في دهوك وأربيل، إضافة إلى نقاط حساسة مثل سنجار ومخمور، مع وجود قوى محلية تحمل أجندات متداخلة، بينها فصائل من الحشد الشعبي وقوى إيزيدية ترى أنّ سلاحها مرتبط مباشرة بأمن مجتمع تعرّض سابقاً للإبادة.

تقارير ميدانية حديثة تشير إلى أنّ وحدات حماية سنجار المرتبطة بالحزب ترفض حتى الآن تسليم سلاحها بالكامل، رغم الحديث عن حلّ التنظيم الأم واستكمال مسار التسوية مع أنقرة، وتؤكد أنّ أي انسحاب غير منضبط سيعيد فتح الباب أمام فراغ أمني جديد في القضاء. في المقابل، تتهم أطراف كردية هذه الوحدات بتلقي دعم من قوى عراقية نافذة، واستخدام شعار حماية الإيزيديين لتبرير استمرار ارتباطها ببنية حزب العمال.


هل تذهب أنقرة إلى اقتحام بري لسنجار؟

تهديدات هاكان فيدان بإنهاء وجود حزب العمال في الموصل وسنجار "بعد الملف السوري" تأتي في لحظة تعتبرها أنقرة مؤاتية: انهيار البنية العسكرية للإدارة الكردية السابقة في شمال سوريا، تقارب سياسي وأمني مع بغداد، واتفاقات متعددة المستويات تربط ملف الأمن بمشاريع استراتيجية مثل طريق التنمية.

مع ذلك، تبدو سيناريوهات التحرك التركي مفتوحة ومتدرجة:

تصعيد الضغط السياسي والاقتصادي: عبر استخدام ورقة الاتفاقات الاقتصادية والمائية والأمنية مع بغداد للضغط باتجاه تنفيذ فعلي لاتفاق سنجار، وتجريد القوى المرتبطة بحزب العمال من السلاح، وإخراجها من القضاء من دون تدخل عسكري مباشر.
استمرار سياسة "القضم البطيء": من خلال الضربات الجوية والمسيرات التي تستهدف قيادات وعناصر مرتبطة بالحزب في سنجار ومحيطها، وهي سياسة انتهجتها أنقرة خلال السنوات الماضية وأصابت أحياناً صحفيين ومدنيين، ما يرفع كلفة بقاء هذه المجموعات في المنطقة من دون أن يفتح جبهة برية واسعة.
خيار العملية البرية المحدودة: وهو السيناريو الأكثر حساسية، إذ يعني إدخال القوات التركية في تماس مباشر مع قوات اتحادية وفصائل محلية ضمن منطقة تعيش هشاشة إنسانية وأمنية، مع وجود نازحين وملف إيزيدي لم يلتئم جرحه بعد. نجاح هذا السيناريو أو فشله سيكون محكوماً بموقف بغداد وأربيل، وبما إذا كان سيتم ترتيب "تفاهم مسبق" يسمح لأنقرة بهامش ميداني مقابل التزامات سياسية واقتصادية أوسع.

اختبار لقدرة بغداد على إدارة التوازنات

تهديدات فيدان لا يمكن قراءتها بوصفها خطاباً تركياً داخلياً فقط، بل هي رسالة مباشرة إلى بغداد وأربيل في آن واحد. فأنقرة تقول عملياً إنّ ملف حزب العمال في سنجار لم يعد قابلاً للتأجيل بعد التغييرات في سوريا، وإنّها مستعدة لاعتبار "إنهاء الوجود" مسألة وقت، سواء على الطاولة أو على الأرض.

في المقابل، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام معادلة معقدة: فهي من جهة وقعت على اتفاقات أمنية واقتصادية واسعة مع تركيا، واعتبرت حزب العمال "منظمة محظورة"، ومن جهة أخرى تدرك أنّ أي عملية عسكرية واسعة في سنجار قد تعيد فتح جراح الإيزيديين، وتفاقم الجدل الداخلي حول السيادة، وتزيد التوتر مع قوى سياسية تمتلك حضوراً في الميدان.

في النهاية، تبدو سنجار اليوم على صفيح ساخن جديد؛ نقطة تقاطع بين مشروع تركي لإغلاق "الممر الكردي" الممتد من قنديل إلى سوريا، ومحاولة عراقية متعثرة لاستعادة سيطرة دولة منهكة، ومجتمع إيزيدي ما يزال ينتظر ضمانات حقيقية للعودة والعدالة. بين هذه الخطوط المتشابكة، سيتحدد ما إذا كانت تهديدات فيدان ستبقى في مستوى الرسائل، أم ستتحول إلى واقع ميداني يرسم خرائط جديدة في شمال العراق.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14