أمن / ملفات خاصة 24-01-2026, 12:17 | --
+A -A

سجون الظل


"عتاة الإرهاب" في معتقلات "سرية" لا يعرف أحد عنها شيئاً! هل نحن أمام "غوانتانامو" عراقي؟

بغداد اليوم - بغداد

"العناصر الإرهابية سيتم وضعها في مراكز احتجاز خاصة بالإرهاب، محصنة بشكل كبير، بعيداً عن السجون الحالية"، هذا الكلام للنائب العراقي ياسر وتوت خلال حوار مع "بغداد اليوم"، يتحدّث عن واحد من أكثر الملفات حساسية في البلاد هذه الأيام، وهو ملف نقل الموقوفين (الدواعش) من السجون في سوريا إلى داخل العراق. الجملة التي تبدو، في ظاهرها، جزءاً من خطاب يهدف إلى طمأنة الرأي العام، تفتح في العمق باباً واسعاً من الأسئلة حول طبيعة هذه المراكز، ومكان وجودها، وتوقيت الحديث عنها، وما إذا كانت منشآت جديدة بالفعل، أم أنّها بنية قائمة منذ سنوات ولم تكن حاضرة في وعي المجتمع والإعلام.


خلفية الملف: من سجون "قسد" إلى "القوائم السوداء" في العراق

للوصول إلى مغزى هذا التصريح، لا بد من العودة إلى المسار الذي سبق الإعلان عن نقل العناصر الإرهابية. فطوال سنوات ما بعد سقوط تنظيم "داعش" عسكرياً، كانت آلاف العناصر محتجزة في سجون تقع ضمن مناطق سيطرة قوات "قسد" في شمال شرق سوريا، إلى جانب عشرات الآلاف من النساء والأطفال في مخيمات مثل الهول وغيرها.

هذه السجون كانت تُوصف دائماً بأنّها "قابلة للانفجار في أي لحظة"، لأسباب تتعلق بضعف البنية الأمنية، وتوتر الأوضاع الميدانية، ووجود تنظيم يمتلك خبرة سابقة في تنفيذ عمليات هروب جماعية وتنظيم تمردات داخل المعتقلات. ومع تغيّر موازين القوى في الشمال الشرقي السوري، ودخول الجيش السوري على خط السيطرة على مناطق ومرافق كانت تخضع لـ"قسد"، أصبح ملف السجون والمعتقلين جزءاً من تفاهمات أوسع تتداخل فيها حسابات دمشق والتحالف الدولي والقوى الإقليمية، إضافة إلى الدول التي يحمل الموقوفون جنسياتها.

في هذه اللحظة، برز خيار نقل قسم كبير من هذه "القوائم السوداء" إلى العراق، ليس فقط لأنّ جزءاً من هؤلاء عراقيون أصلاً، بل أيضاً لأنّ بغداد معنية مباشرة بما ارتكبوه من جرائم على أراضيها، ولأن تركهم في بيئة شديدة الهشاشة أمنياً يحمل مخاطر يصعب احتواؤها لاحقاً.


أزمة السجون في العراق: طاقة محدودة وضغط متراكم

حين يقول نائب عراقي إنّ هذه العناصر "ستُوضع في مراكز احتجاز خاصة بعيداً عن السجون الحالية"، فإنّ خلفية المشهد الداخلي تساعد على فهم الجزء الظاهر من المعادلة. فالسجون العراقية المعروفة تعاني منذ سنوات من الاكتظاظ، وملف المدانين والموقوفين بقضايا الإرهاب يستحوذ على نسبة كبيرة من طاقتها الاستيعابية.

تقارير حقوقية ورسمية سابقة تحدّثت عن نسب إشغال مرتفعة في السجون المركزية، وعن حاجة مستمرة إلى توسيع البنية الحبسية أو تخفيف الضغط عبر إجراءات قانونية، من قضايا العفو إلى مراجعة مدد التوقيف. ومع كل هذا الضغط، يبرز السؤال العملي البسيط: كيف يمكن إضافة آلاف الموقوفين الجدد إلى منظومة تعاني أصلاً من الاختناق؟

من هذه الزاوية، يصبح الحديث عن "مراكز خاصة" خطوة منطقية على الورق: فصل عناصر "شديدة الخطورة" في منشآت منفصلة، وتجنّب مزيد من الضغط على السجون المزدحمة، وخلق بيئة أكثر إحكاماً لمتابعة ملف التحقيق والمحاكمة. لكن ما يبدو منطقياً في الحسابات التقنية يفتح، في الحسابات السياسية والحقوقية، باباً على مستوى آخر تماماً.


مراكز خاصة أم سجون مجهولة؟ سؤال عن الزمن لا عن الجغرافيا فقط

الفكرة الجوهرية التي يطرحها هذا التصريح لا تتعلق فقط بموقع هذه المراكز على الخريطة، بل بتوقيت الاعتراف بوجودها. فالمجتمع يسمع اليوم، عبر جملة واحدة في حديث سياسي، عن "مراكز احتجاز خاصة بالإرهاب، محصنة وبعيدة عن السجون الحالية"، في حين أنّ إنشاء بنية بهذا الحجم لا يمكن أن يكون قراراً وليد أيام أو أسابيع.

تشي طبيعة الملف، وحجم الأعداد المتوقعة، وحاجة هذه المراكز إلى منشآت جاهزة وكوادر مدرّبة وإجراءات أمنية خاصة، بأنّ الحديث يدور على الأرجح عن منظومة احتجاز كانت موجودة أصلاً داخل البنية الأمنية، ويُعاد الآن تقديمها بوصفها خياراً جاهزاً لاستقبال "القوائم السوداء" القادمة من وراء الحدود.

هذا الاستنتاج يفتح الباب أمام تساؤلات متتابعة:

-منذ متى تعمل هذه المراكز؟

-تحت أي جهة رسمية تُدار، وأي قانون يحدد صلاحياتها؟

-ما طبيعة العلاقة بينها وبين القضاء العراقي ووزارة العدل؟

-هل كانت تضمّ موقوفين في السنوات الماضية؟ ومن يملك أرقاماً دقيقة عن من دخل إليها ومن خرج منها؟

الأسئلة هنا لا تنطلق من افتراضات مسبقة، بل من حقيقة أنّ وجود بنية حبسية خارج الصورة النمطية المعروفة للسجون يخلق بالضرورة فراغاً في معرفة الرأي العام بما يجري في واحدة من أكثر حلقات الدولة حساسية، وهي حلقة سلب الحرية والتحقيق والمحاكمة.


بين ضرورات الأمن القومي وشفافية الدولة: خط رفيع لا يحتمل الغموض

لا أحد يجادل في خطورة العناصر التي يجري نقلها من السجون السورية، ولا في أنّ بقاءهم في بيئة مضطربة أمنياً قد يخلق فرصاً لهروب جماعي أو إعادة تشكيل شبكات أكثر تشتتاً ومرونة. الدولة، في هذا السياق، تتحرك تحت ضغط أمني حقيقي، وتحاول إغلاق ثغرة يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد مباشر داخل العراق وعلى مستوى الإقليم.

في الوقت نفسه، إدارة هذا الملف عبر "مراكز احتجاز خاصة" لا يعرف المجتمع عنها سوى ما يرشح من عبارات عامة، تحوّل قضية الأمن القومي إلى اختبار لقدرة الدولة على المصارحة والوضوح. فكلما اتسعت المساحة المجهولة في هذا النوع من الملفات، ضعفت الثقة في أنّ الإجراءات المتخذة تسير ضمن إطار قانوني واضح، وتحت رقابة مؤسساتية يمكن محاسبتها.

القلق هنا لا يتعلق فقط بحقوق الموقوفين، رغم أهميتها، بل يتصل أيضاً بحقوق الضحايا وأهالي المفقودين الذين ينتظرون منذ سنوات معرفة من يقف خلف الجرائم، ومن أصدر الأوامر، وأين تقع المقابر الجماعية، وما إذا كانت التحقيقات ستقود إلى كشف كامل للسلسلة، أم ستبقى المعطيات محصورة داخل غرف مغلقة في مراكز احتجاز لا تُعرَف تفاصيلها.


ثمن الغموض: كيف تُكتب صفحة جديدة في تاريخ السجون العراقية؟

التجربة العراقية مع السجون تركت في الذاكرة العامة طبقات متراكمة من الحذر والريبة. من السجون الرسمية المعلنة إلى المراكز غير المعروفة التي رافقت فترات الصراع السابقة، ظلّ سؤال "أين يُحتجز الناس؟" مقروناً دائماً بسؤال آخر: "من يراقب ما يجري هناك؟".

اليوم، مع انتقال ملف موقوفي داعش من سوريا إلى العراق، يتكرّر السؤال بصيغة جديدة. الإعلان عن "مراكز احتجاز خاصة بالإرهاب" يمكن أن يكون خطوة باتجاه تنظيم أكثر انضباطاً للملف، إذا جرى ربط هذه المراكز علناً بالهياكل الرسمية، وتحديد الجهة المسؤولة عنها، وإيضاح شكل الرقابة القضائية والبرلمانية والحقوقية عليها، ونشر أرقام دورية عن أعداد الموقوفين ومسار ملفاتهم.

وفي المقابل، يمكن أن يتحول إلى عنوان لمرحلة أخرى من الغموض، إذا بقيت هذه المراكز خارج الضبط العلني، واكتفى الرأي العام بسماع اسمها من خلال تصريحات مبهمة، من دون أن يعرف إن كانت جزءاً من منظومة إصلاحية واضحة، أم امتداداً لنمط "الأماكن المغلقة" التي لا تُعرَف عنها سوى شذرات من معلومات.

بين "القوائم السوداء" وحق المجتمع في المعرفة

في رواية النائب ياسر وتوت تبدو الصورة مكتملة من الداخل. يقول إنّ "متطلبات الأمن القومي للعراق دفعت الدولة إلى المضي باستراتيجية نقل عتاة الإرهاب من السجون التي كانت تحت سيطرة قوات قسد في سوريا، كونهم يمثلون قنابل موقوتة ويمثلون خطراً ليس على العراق فحسب، بل على المنطقة والعالم، خاصة وأن جزءاً كبيراً منهم من حملة الجنسية العراقية"، وإنّ وصول هؤلاء إلى العراق "صاحبه تشكيل فريق أمني متكامل للتحقيق معهم ومطابقة بياناتهم مع ما لدى المؤسسات الأمنية من أسماء مطلوبة ومذكرات قبض، لضمان كشف العديد من العناصر الإرهابية". ويؤكد أيضاً أنّ "العناصر سيتم وضعها في مراكز احتجاز خاصة بالإرهاب، محصنة بشكل كبير، بعيداً عن السجون الحالية، ما يمثل رسالة طمأنة للرأي العام"، وأنّ التحقيق معهم "سيمكن من كشف خفايا مرحلة سقوط المدن بعد حزيران 2014، بما في ذلك أسماء المتورطين ومواقع المقابر الجماعية، وكل ما يتعلق بالجرائم التي ارتكبت في تلك الفترة".

هذه الرواية ترسم إطاراً واضحاً لِما تريده الدولة من عملية نقل "القوائم السوداء" إلى الداخل العراقي: تحصين الأمن القومي، إغلاق ثغرات الحدود، إعادة فتح ملفات قديمة عن سقوط المدن والمقابر الجماعية، وتخصيص بنية حبسية مشددة تبتعد عن السجون المكتظة. غير أنّ وضوح الهدف من الداخل لا يلغي حاجة المجتمع إلى وضوح مماثل في الشكل الذي ستُدار به هذه المراكز الجديدة، وفي الطريقة التي ستندمج بها ضمن منظومة القانون والرقابة والمؤسسات المعلنة. فالانتقال من سجون "قسد" إلى مراكز احتجاز خاصة داخل العراق لا يغيّر مكان الموقوفين فقط، بل يحدد أيضاً شكل العلاقة بين الدولة ومواطنيها في أخطر ملفات ما بعد داعش، وبين أمن يُراد له أن يكون محصّناً وقانون يُفترض أن يبقى مرجعاً أعلى في كل ما يتعلق بحرية الإنسان ومسؤوليته.

تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14