مقالات الكتاب 20-01-2026, 15:21 | --
+A -A


من استفتاء 2017 كردستان إلى اليوم

فينوس بابان - أخصائية علاقات دولية

الخوف من الأكراد بوصفه صراعًا على مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط

لا يمكن فهم ما يتعرض له الأكراد اليوم في سوريا من ضغوط سياسية وأمنية متصاعدة باعتباره حدثًا منفصلًا أو نتاجًا لتطورات ظرفية. فالمشهد الراهن هو امتداد لمسار إقليمي أعمق، تحكمه مخاوف بنيوية من تحوّل الأكراد إلى قوة سياسية منظمة تمتلك مشروعًا واضحًا لبناء كيان مستقر وحديث وقابل للاستمرار.

تعود جذور هذا القلق بوضوح إلى عام 2017، مع إعلان استفتاء إقليم كردستان بقيادة السيد مسعود بارزاني. لم يكن ذلك الاستفتاء مجرد ممارسة ديمقراطية داخلية، بل شكل لحظة مفصلية كشفت حدود القبول الإقليمي والدولي بالطموح الكردي. فقد أظهر أن الإشكالية لم تكن في التوقيت أو الإجراءات، بل في جوهر الفكرة ذاتها، قيام كيان كردي يتمتع بالشرعية والإرادة الشعبية.

ومنذ تلك اللحظة، تحوّل التعاطي مع أي تجربة كردية ناجحة من المراقبة إلى الاحتواء، ثم إلى محاولات الإضعاف، وصولًا إلى الاستهداف المباشر وغير المباشر، كلما اقترب الأكراد من بناء مؤسسات مستقرة تشبه الدولة.

سوريا اليوم: إعادة إنتاج الخوف نفسه

في هذا السياق، تمثل الساحة السورية اليوم حلقة جديدة من تصفية الحساب المؤجل مع المشروع الكردي. فكل تجربة إدارية أو سياسية كردية تسعى إلى التنظيم والاستقرار وبناء مؤسسات فاعلة تواجه بخطاب جاهز يتحدث عن "الانفصال" و"تهديد وحدة الدول."

غير أن الواقع يشير إلى أن المشكلة لا تكمن في وحدة الدول بقدر ما تكمن في الخوف من نموذج بديل يثبت أن الاستقرار يمكن أن يتحقق دون القمع، وأن الدولة يمكن أن تبني دون إنكار حقوق الشعوب أو إقصائها.

تحول مفهوم القوة من السلاح إلى الرؤية

في خضم هذه البيئة الإقليمية المضطربة، قدّم إقليم كردستان نموذجًا مختلفًا لمعنى القوة السياسية. فلم تعد القوة الكردية تقاس فقط بالقدرة العسكرية أو الجسدية، بل بقوة الفكرة، وجودة الإدارة، ووضوح الرؤية المستقبلية.

ويبرز في هذا الإطار الدور الذي أداه رئيس حكومة إقليم كردستان، في ترسيخ هذا التحول. فقد عكست سياساته انتقال المشروع الكردي من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة بناء نموذج حوكمة حديث يقوم على الإصلاح والتكنولوجيا والتنمية المستدامة.

مؤشرات عملية على مشروع دولة حديثة

شهد إقليم كردستان خلال السنوات الأخيرة تحولات ملموسة تعكس هذا التوجه.

في قطاع الطاقة، مثل مشروع "روناكي" خطوة استراتيجية نحو تعزيز أمن الكهرباء وتحسين جودة الحياة، في منطقة تعاني فيها معظم دول الشرق الأوسط من أزمات بنيوية في هذا القطاع.

وفي القطاع المالي والمصرفي، شكل مشروع "هه ژماری" نقلة نوعية باتجاه الشفافية والتنظيم المالي، وأسس لاقتصاد أكثر مؤسسية يعتمد الحلول الرقمية الحديثة.

إضافة إلى ذلك، برز تطور واضح في مجالات التحول الرقمي، والإصلاح الإداري، والسياسات البيئية، والاستقرار الأمني، ما عزز موقع الإقليم كنقطة توازن نسبي في محيط إقليمي شديد الاضطراب.

هذه التحولات لا تمثل إنجازات تقنية فحسب، بل تؤشر إلى أن المشروع الكردي لم يعد مشروع بقاء مؤقت، بل مشروع دولة حديثة يسعى إلى الاندماج الإيجابي في النظام الإقليمي والدولي.

وحدة الصف الكردي ومسؤولية اللحظة

في مقابل هذه التحولات، تبرز مسؤولية القوى السياسية الكردية كافة، ولا سيما الأحزاب المعارضة، بما فيها تلك التي تحظى بدعم خارجي. إن تحويل عملية تشكيل حكومة إقليم كردستان إلى ساحة تجاذب إقليمي يشكل خطرًا مباشرًا على مجمل المكتسبات السياسية الكردية.

فالتجارب الإقليمية أثبتت أن الدعم الخارجي لا يُمنح بدافع الهوية، بل بدافع المصالح. وعليه، فإن تماسك البيت الكردي والعمل ضمن مشروع سياسي جامع يبقى الضمانة الأساسية لحماية الاستقرار وتعزيز موقع كردستان في معادلات المنطقة.

من كردستان إلى العالم: خطاب الاستقرار والكرامة الإنسانية

ومن هنا، من إقليم كردستان، لا يُطرح هذا الخطاب بوصفه نداءً قوميًا ضيقًا، بل رسالة سياسية وإنسانية شاملة.

فالتغيير السياسي الحقيقي في الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل خارطته المستقبلية، لا يبدأ من إجهاض التجارب الناجحة، بل من دعمها والبناء عليها.

إلى دول المنطقة، تكمن الرسالة في أن الاستقرار لا يُصنع بمحاصرة النماذج التي تحمي الإنسان، بل بدعمها.

وإلى المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني، فإن دعم إقليم كردستان لا يعني الانحياز لهوية قومية، بل الوقوف إلى جانب قيم عالمية مشتركة، ككرامة الإنسان والتعايش الأمن والسلام المستدام.

أما إلى الرأي العام العالمي، فهذه ليست قضية تخص الأكراد وحدهم، بل اختبار القدرة للمجتمع الدولي على دعم نماذج حكم تسعى إلى وضع الإنسان في قلب السياسة، لا على هامشها.

إن هذا الخطاب لا يدعو إلى الصراع، ولا يسعى إلى فرض رواية أحادية، بل يعكس قناعة راسخة بأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من احترام الإنسان، وأن التجارب التي تُبنى على الكرامة والتعدد والتعايش تستحق أن تُحمى لا أن تُقوض.

ومن هذا المنطلق، يبدأ التغيير من كردستان… لا لأنها كردية، بل لأنها إنسانية.

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14