اقتصاد / سياسة / ملفات خاصة 20-01-2026, 16:51 | --
+A -A


ما هي رسالة ترامب وسافايا بعد توسط صدام حسين اجتماعهما؟

بغداد اليوم – بغداد

في إحدى صباحات التسعينيات الثقيلة، كانت امرأة عراقية تستيقظ على هاجس واحد: ماذا تبيع اليوم كي تطعم أولادها؟ راتب زوجها، الموظف الحكومي، تقلّص بفعل انهيار العملة إلى ما يساوي تقريباً دولاراً واحداً في الشهر. مبلغ لا يكفي لشراء كيس حليب أو علبة دواء.

تجمع ما تبقّى من "حاجيات العمر": بطانية احتفظت بها من جهاز زواجها، مفرش طاولة مطرّز، ساعة حائط قديمة، أدوات مطبخ كانت تُحمَل بالمحبّة لا للاستهلاك، وتفرشها على الأرض في سوق مكتظ ببائعي الأشياء المستعملة. تقف هناك، لا كتاجرة محترفة، بل كأم تحاول أن تترجم كرامتها إلى رغيف خبز.

في زاوية أخرى من المدينة، أب يحمل شهادة جامعية، أو فنان، أو صحفي، أو أستاذ مدرسة، يفترش الأرض هو الآخر ليبيع الخضار أو البيض أو سجائر مفردة. كثيرون تركوا مقاعد التدريس والمنابر الثقافية، واصطفّوا في طوابير "العوائل المنكوبة بالحصار". فرص العمل تكاد تكون معدومة، الدواء شحيح، والبطاقة التموينية هي خيط الحياة الوحيد الذي يتدلّى من عنق دولة محاصرة، يوزَّع بقدر لا يشبع ولا يُبقي صحةً سليمة.

تلك القصص لم تكن مبالغات درامية، بل جزءاً من صورة أوسع ربطت بين نظام العقوبات الشامل الذي فُرض على العراق بعد غزو الكويت عام 1990 وبين الانهيار المروّع لمداخيل الأسر، وتراجع الخدمات الأساسية، وارتفاع نسب سوء التغذية، وتدهور النظام الصحي. ورغم الجدل حول الأرقام الدقيقة لضحايا الحصار من الأطفال، إلّا أنّ أغلب الشهادات والتقارير الأممية تتّفق على حقيقة واحدة: العقوبات حوّلت العراقيين إلى مجتمع يبيع أثاثه الشخصي كي يبقى على قيد الحياة، وحوّلت اقتصاد بلد كامل إلى مختبر لسياسة "التجويع المنضبط" باسم القانون الدولي.

اليوم، بعد أكثر من عقدين على سقوط نظام صدام حسين، يعود شبح تلك السنوات إلى الواجهة من لقطة واحدة: ورقة نقدية عراقية قديمة من فئة 5 دنانير، تحمل صورة صدام، ظهرت على طاولة دونالد ترامب خلال لقائه مبعوثه الخاص إلى العراق، مارك سافايا. صورة نشرها سافايا نفسه وهو يكتب أنّه "يوم رائع مع الأعظم"، لتنفجر الأسئلة في الفضاء العراقي: ماذا تفعل عملة زمن الحصار على مكتب الرجل الذي يلوّح بعقوبات جديدة؟


من صورة غامضة إلى ذاكرة موجعة

نشر سافايا خلال الساعات الماضية، صورة تجمعه بالرئيس الأمريكي في أحد منتجعات ترامب، وعلى الطاولة أمامهما ظهرت بوضوح ورقة نقدية عراقية قديمة من فئة 5 دنانير تعود إلى حقبة ما قبل 2003. هذه الورقة التي كان يمكن أن تمرّ كتفصيل ديكوري في مكتب سياسي يحبّ جمع التذكارات، تحوّلت فوراً إلى مادة حسّاسة في بلد تُختصر ذاكرته الجمعية بكلمتين: "الحصار الاقتصادي".

لم يُقدَّم تفسير رسمي لوضع هذه العملة على الطاولة، ولم يُوضَّح ما إذا كانت جزءاً من "تذكارات حرب" أو "هدية رمزية" أو إشارة سياسية مقصودة. لكن الفراغ في التفسير ملأته مواقع التواصل الاجتماعي: آلاف التعليقات ربطت بين العملة وبين ذكريات الطوابير على الزيت والسكر، وبين تصريحات سافايا الأخيرة عن "عقوبات قادمة على جهات وشبكات خبيثة" في العراق، وبين خوف متصاعد من أن يتحوّل البلد مرة أخرى إلى ساحة تجارب لسياسة الضغط الاقتصادي.

بالنسبة لجيلٍ عاش التسعينيات، لم تكن الورقة النقدية مجرّد صورة حاكم سابق، بل رمزاً لقيمة راتب كان يذوب شهراً بعد شهر، وعملة فقدت قيمتها حتى صار موظفون يقبضون رواتبهم بأكياس من الدنانير لا تشتري سوى بضع كيلوات من الطعام. لذلك لم يقرأ كثيرون الصورة بوصفها مشهداً بروتوكولياً، بل كاستدعاء قاسٍ لزمن مات فيه الأطفال بسبب نقص الدواء، وبيع فيه الأساتذة كتبهم الشخصية على الأرصفة.


سافايا.. مبعوث العقوبات وملف "الشبكات الخبيثة"

تأتي صورة الدينار القديم في لحظة سياسية ومالية بالغة الحساسية. فمارك سافايا، رجل الأعمال الأمريكي من أصول عراقية، الذي عيّنه ترامب مبعوثاً خاصاً إلى العراق، لم يأتِ إلى بغداد بوصفه مجرّد وجه دبلوماسي جديد، بل بوصفه حامل ملف مزدوج: إعادة هندسة العلاقة السياسية، وتشديد الرقابة على المال العراقي.

خلال الأيام الماضية، تحدّث سافايا عن عقد سلسلة لقاءات مع وزارة الخزانة الأمريكية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، للاتفاق على مراجعة شاملة لسجلات دفع ومعاملات مالية مرتبطة بمؤسسات وشركات وأفراد عراقيين يُشتبه في تورّطهم بعمليات تهريب، وغسل أموال، وعقود وهمية تموّل أنشطة إرهابية أو شبكات نفوذ غير مشروعة. وأكد أنّ النقاشات شملت "الخطوات المقبلة المتعلقة بعقوبات مرتقبة تستهدف جهات وشبكات خبيثة تقوّض نزاهة النظام المالي وسلطة الدولة في العراق"، من دون الإفصاح عن الأسماء.

في تصريحات أخرى، شدّد سافايا على أنّ إدارة ترامب "لن تتسامح مع بقاء اقتصاد العراق رهينة لشبكات تهريب وتمويل تابعة لأطراف خارجة على القانون في الداخل والخارج"، وأنّ واشنطن مستعدّة لاستخدام "أدوات الخزانة" بقدر ما تستخدم "أدوات البنتاغون" لإعادة ضبط ميزان القوى داخل البلد.

بهذا المعنى، لم تعد عقوبات الغد الموعودة محصورة بفصائل مسلّحة أو أسماء سياسية فقط، بل امتدّت لغتها إلى "المصارف، والشركات، والواجهات الاقتصادية، وشبكات غسل الأموال"، أي إلى قلب البنية التي تتحرّك فوقها الدولة والمجتمع معاً.


من الحصار الشامل إلى العقوبات المركّزة: تغيّرت الأداة، فهل تغيّر الهدف؟

في التسعينيات، كان المشهد واضحاً وقاسياً في الوقت نفسه: قرارات صادرة عن مجلس الأمن، بدفع أمريكي وبريطاني، تفرض حصاراً شاملاً على صادرات النفط العراقية وتقيّد الاستيراد وتخنق تعاملات الدولة مع النظام المالي العالمي. برنامج "النفط مقابل الغذاء" ظهر لاحقاً كآلية شبه وحيدة لتدفّق الموارد، تحت إشراف الأمم المتحدة، لكنها موارد بالكاد تكفي لإبقاء عجلة الدولة تدور على "سرعة بطيئة" وبثمن اجتماعي باهظ.

بعد 2003، تبدّلت الصورة. لم تعد واشنطن تحتاج إلى حصار دولة كاملة. جرى الانتقال إلى نمط جديد من العقوبات يقوم على استهداف الأفراد والكيانات والمؤسسات بعينها: قادة فصائل، رجال أعمال، شركات متهمة بتمويل حلفاء إيران أو تنظيمات متطرفة، ومصارف يُشتبه في تورّطها بعمليات تهريب الدولار. دخول "قانون ماغنيتسكي العالمي" زاد من نطاق الاستهداف، بعد أن أصبح بالإمكان معاقبة مسؤولين وسياسيين على خلفية قضايا فساد أو انتهاك حقوق إنسان، لا على أساس "خطر أمني" فقط.

في الأعوام الأخيرة، تحوّلت الخزانة الأمريكية إلى لاعب مباشر في تفاصيل السوق العراقية. مُنِع أكثر من عشرين مصرفاً خاصاً من الوصول إلى الدولار بحجة ضعف الامتثال أو الاشتباه بتهريب العملة، وأُدرجت شركات طيران واستثمار وخدمات على قوائم العقوبات بتهمة العمل ضمن شبكات تمويل إيرانية أو فصائلية، فظهر ما يشبه "حصاراً جزئياً متحركاً": ليس على الدولة ككل، بل على أعصابها المالية الحساسة.

ومع أنّ هذه السياسة تُقدَّم على أنّها محاولة لتحسين الامتثال المصرفي وحماية النظام المالي من الاستغلال، إلّا أنّ أثرها على المواطن العادي يبقى قريباً جداً من أثر الحصار القديم، وإن بأدوات مختلفة: اضطراب في سعر الصرف، تأخير في التحويلات، ارتفاع في كلفة الاستيراد، وتوسّع في "اقتصاد الظل" الذي يبيع الدولار في الأزقة الخلفية بعيداً عن نافذة البنك المركزي.


حين يلتقي دينار صدام مع خطاب "الجهات الخبيثة"

في هذا السياق المتوتر، يصعب على الرأي العام العراقي أن ينظر إلى دينار صدام على طاولة ترامب كقطعة "نوستالجيا" بريئة. كل عنصر في الصورة يحمل طبقة من المعنى:

الرئيس الأمريكي هو من يملك اليوم قرار تشديد العقوبات أو تخفيفها عبر وزارة الخزانة وأوامر تنفيذية يمكن أن توسّع أو تضيق الخناق على مصارف وشركات وشخصيات عراقية خلال أيام.

المبعوث الذي يقف إلى جانبه هو من يتحدّث منذ أسابيع عن مراجعة "سجلات الدفع المشبوهة" و"شبكات خبيثة" ستطالها العقوبات المقبلة، من دون أن يذكر أسماء، مكتفياً بتعميم يزيد قلق كل من يقترب من دائرة الشبهة.

والعملة المعروضة أمامهما تعود إلى حقبة كان فيها قرار الحصار الاقتصادي يعني أن تتحوّل حياة العراقيين إلى بحث يومي عن كيس طحين وعلبة دواء.
من هنا تتكوّن قراءتان أساسيتان للصورة في المخيال العراقي:

1. قراءة "الهيمنة": دينار صدام أمام ترامب هو تذكير صامت بأنّ العملة التي كانت ذات يوم رمزاً لسيادة دولة، يمكن أن تتحوّل إلى تذكار على مكتب رجل في بلد آخر يقرّر مصيرها، ومصير عملتها الجديدة، بقرار من وزارة الخزانة. رسالة مفادها أنّ "مصيركم المالي كان وما يزال يُكتب في مكاتب خارج بغداد".

2. قراءة "التهديد المغلّف": تزامن الصورة مع الحديث عن "عقوبات على جهات خبيثة" يجعل كثيرين يرون فيها إيحاء بأنّ من لا يلتزم بقواعد اللعبة الجديدة يمكن أن يجد نفسه في وضع شبيه بما حدث في التسعينيات، وإن بصيغة مستهدفة: ليس حصاراً أممياً شاملاً، بل خنقاً متدرّجاً لشبكات المال والنفوذ التي تتحكم بالدولة.

وبين هاتين القراءتين، يضيف الشارع العراقي طبقة ثالثة: طبقة الألم. إذ جرى ربط الصورة سريعاً بعبارة "موت مليون طفل" التي التصقت في الوعي العام بسنوات الحصار، بصرف النظر عن دقة الأرقام. المهم هنا ليس الرقم بحدّ ذاته، بل الشعور بأنّ العالم كان يعرف الكلفة الإنسانية للصراع السياسي، ومع ذلك مضى فيه حتى النهاية.


عقوبات "خبيثة" أم إعادة ضبط لمعادلة السلطة؟

التسريبات والتصريحات المتواترة تشير إلى حزمة عقوبات أمريكية جديدة يُفترض أن تطال سياسيين نافذين، قوى حزبية، ومصارف وشركات يُشتبه بأنّها تشكّل "ممرّات" لتمويل حلفاء إيران في المنطقة أو لتنظيمات مصنّفة على قوائم الإرهاب. هذه الحزمة، بحسب ما نُقل عن مسؤولين عراقيين وأمريكيين، جرى التلويح بها عبر قنوات دبلوماسية، وربطها بمسار تشكيل الحكومة المقبلة وسلوك القوى المتحالفة مع طهران على الأرض.

بهذا، تبدو العقوبات المقبلة حلقة في سلسلة أطول:

-منع مصارف من الوصول إلى الدولار بحجة تهريب العملة وغسل الأموال.

-إدراج شركات نقل واستثمار وعقود حكومية على لوائح العقوبات بتهمة تمويل فصائل مسلّحة أو الالتفاف على السقوف المفروضة على إيران.

-الانتقال اليوم إلى طبقة أوسع: مراجعة "سجلات الدفع المشبوهة" المرتبطة بمؤسسات الدولة والقطاع الخاص على حدّ سواء، مع التلويح بعقوبات شخصية تطال مسؤولين وسياسيين ورجال أعمال.

الهدف المعلن، وفق الخطاب الأمريكي، هو "حماية نزاهة النظام المالي العراقي، ومنع استخدامه كجسر لتمويل الإرهاب أو شبكات النفوذ الخارجة على القانون". لكنّ الهدف غير المعلن، كما يراه كثير من المراقبين، هو إعادة رسم خريطة القوة داخل العراق عبر ضرب الموارد المالية للفصائل والقوى الأقرب إلى طهران، ودفع الطبقة السياسية إلى إعادة حساباتها في تشكيل الحكومة المقبلة وتوزيع المواقع الحساسة داخل الدولة.

في هذه اللعبة، يتحوّل المواطن مرة أخرى إلى "رهينة" بين مطرقة واشنطن وسندان الفصائل: أي تشدد إضافي في التحويلات والعقوبات يعني مزيداً من الضغط على السوق، وفي المقابل أي إصرار من القوى المتضرّرة على الالتفاف على القيود يعني توسيع اقتصاد الظلّ وترحيل الكلفة إلى سعر الصرف والبطالة وغلاء الأسعار.


هل يعود الحصار فعلاً؟

السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم، وهم يتأملون صورة دينار صدام على طاولة ترامب، هو: هل نحن أمام عودة فعلية للحصار الشامل؟ الجواب المباشر، وفق المعطيات الحالية، هو أنّ العراق لا يواجه، حتى الآن، سيناريو حصار أممي شامل كالذي عاشه في التسعينيات. لا توجد قرارات في مجلس الأمن لإعادة تجميد صادرات النفط، ولا حديث معلن عن عزل كامل للدولة عن النظام المالي العالمي.

لكن بالمقابل، يظهر في الأفق شيء لا يقلّ خطورة على المدى الطويل: سياسة عقوبات مركّزة على "الشرايين المالية" يمكن أن تنتقل بالتدريج من مصارف وفصائل محددة إلى بنية أوسع، إذا استمرّ الصراع على شكل الدولة وموقع العراق بين واشنطن وطهران بلا أفق تسوية.

في هذه الأجواء، تصبح الصورة أكثر من لقطة بروتوكولية:

-هي تذكير بأنّ من يملك الدولار يستطيع أن يستحضر شبح الحصار متى شاء، حتى لو غيّر اسمه إلى "عقوبات على جهات خبيثة".

-وهي أيضاً اختبار لقدرة الطبقة السياسية العراقية على أن تقول، بوضوح، إنّ حماية النظام المالي ومنع تهريب الأموال لا يعني تحويل البلد إلى ساحة مقايضة بين نفوذ الفصائل ومزاج البيت الأبيض.

بين المرأة التي باعت غطاء سريرها في التسعينيات لتشتري الطعام، وبين الدينار القديم الذي جلس اليوم على طاولة ترامب، تمتدّ قصة بلدٍ لم يخرج بعد من ظلّ الحصار رغم تغيّر الوجوه والأدوات. الفرق الوحيد أنّ العراقيين صاروا اليوم يرون الصورة مباشرة على هواتفهم، ويشعرون أنّ قرار ما إذا كانوا سيبيعون أثاثهم مرّة أخرى، يُطبخ في لقاء مغلق، على طاولة صغيرة، بين رجلين، وإلى جوارهما ورقة نقدية تحمل وجه ماضٍ لم يمت بعد.

تقرير: محرّر الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

برنت بين 95 و130 دولارًا.. سيتي ترسم سيناريوهين لأسعار النفط العالمية

بغداد اليوم - متابعة توقعت مجموعة سيتي المصرفية، اليوم الجمعة (3 نيسان 2026)، أن يبلغ متوسط سعر خام برنت خلال الربع الثاني من العام الجاري نحو 95 دولارًا للبرميل في السيناريو الأساسي، مع إمكانية ارتفاعه إلى 130 دولارًا للبرميل في السيناريو الصعودي.

اليوم, 09:16