بغداد اليوم – بغداد
بين لحظة وأخرى، تتحوّل الخريطة السورية من هدنة هشّة إلى اشتباكات مفتوحة، ومن خطوط تماس مجمّدة إلى جبهات جديدة تشتعل، كما يحصل حاليًّا في أحياء حلب ذات الغالبية الكردية، حيث يدور قتال عنيف بين قوات الحكومة السورية وتشكيلات مسلّحة للسيطرة على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، مع نزوح عشرات الآلاف وإخلاء أحياء كاملة تحت وقع القصف والاشتباكات. هذه الصورة لا تبقى حبيسة الحدود السورية، بل تتحرّك أمواجها نحو العراق الذي يقف، جغرافيًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، عند النقطة الأكثر حساسية في كل ما يتعلّق بما يجري شمالًا وغربًا وشرقًا.
الخبير في الشؤون الاستراتيجية جاسم الغرابي يقرع الجرس مبكرًا، في حديثه لـ"بغداد اليوم"، وهو يحذّر من تحويل الصراع المسلّح في سوريا إلى عامل اهتزاز داخلي جديد في العراق، قائلًا إنّه "يجب الحذر من انعكاسات خطيرة محتملة للصراع المسلّح الدائر في سوريا على الأمن والاستقرار الداخلي في العراق، فتداعيات الأحداث في الجارة الشمالية قد تتجاوز الحدود لتؤثر بشكل مباشر على الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العراق"، قبل أن يشرح أنّ "الصراع المستمر في سوريا لا يقتصر تأثيره على الحدود السورية فحسب، بل يمتد ليشمل دول الجوار، وعلى رأسها العراق، الذي يشترك مع سوريا بحدود طويلة ومجتمعات مترابطة عرقيًّا وطائفيًّا، خاصة أنّ تدفّق اللاجئين والنازحين، وتهريب الأسلحة، وانتشار الجماعات المسلّحة من أهم القنوات التي يمكن أن تؤدّي إلى توترات أمنية في الداخل العراقي". الغرابي يذكّر أيضًا بأنّ "التجارب السابقة أظهرت أنّ أي تصاعد في العنف أو انهيار أمني في سوريا يرتدّ بسرعة على المدن الحدودية العراقية، كما أنّ التدخّلات الإقليمية والدولية في الصراع السوري تزيد من تعقيد المشهد، ممّا يجعل العراق عرضة للضغوط المتداخلة"، لينتهي إلى خلاصة واضحة مفادها أنّ "الوضع لم يعد يسمح بالمناورات السياسية أو الاستخفاف بما يجري على الحدود، ويجب تبنّي خطط استباقية للتعامل مع أي تصعيد محتمل، فالصراع في سوريا لن يبقى بعيدًا عن العراق، وكل الخيارات الواقعية يجب أن تُوضَع على الطاولة".
الحدود العراقية السورية.. من خط جغرافي إلى جبهة ضغوط متحرّكة
منذ عام 2003 تحوّلت الحدود العراقية السورية إلى ما يشبه منطقة عازلة مضطربة أكثر منها خطّ فصل واضح؛ فقد استُخدمت في مراحل متعاقبة معبرًا للمقاتلين والتهريب والسلاح، ثم ساحة لصعود تنظيم داعش وسقوطه، ثم ساحة تنافس بين جماعات متخاصمة ورعاة إقليميين ودوليين. ومع انهيار النظام السابق في بغداد، ثم تفكّك البنية الأمنية السورية في سنوات الحرب الأولى، صار الخط الصحراوي الطويل بين البلدين امتدادًا طبيعيًّا لكل أزمة في أحدهما، ينعكس مباشرة في الآخر، من هجمات التنظيمات المتطرّفة إلى شبكات الاقتصاد غير الشرعي.
في السنوات الأخيرة حاول العراق أن يضع حدودًا حرفيّة ورمزية لهذا الانفتاح غير المضبوط، عبر بناء جدار خرساني يمتدّ على مئات الكيلومترات مع سوريا، ونشر وحدات عسكرية إضافية على طول الخطّ الحدودي، في مسعى لتحويل الصحراء من فجوة مفتوحة إلى ممرّ مراقَب ولو جزئيًّا. لكنّ الحدّ من حركة المقاتلين والمتسلّلين لا يلغي حقيقة أنّ ما يجري في المدن السورية، من حلب إلى دير الزور والحسكة، ينعكس في المزاج داخل العراق؛ لأنّ المشهد الأخير لا يُرسَم فقط بالخرائط العسكرية، بل أيضًا بموازين القوى التي تتعامل مع العراق وسوريا بوصفهما فضاءً واحدًا للمقايضة والضغط.
السجون السوداء في الشمال الشرقي.. قلق عراقي مضاعف
إلى جانب القلق من خطوط النار المفتوحة، يبرز عامل آخر يزيد من حدّة المخاوف العراقية ممّا يجري في سوريا، ويتمثّل في ملفّ السجون التي تضمّ آلاف الموقوفين المنتمين إلى تنظيم داعش في مناطق الشمال الشرقي. عضو الإطار التنسيقي عدي عبد الهادي يضع هذا الملفّ في صلب المخاطر، حين يحدّد في حديثه لـ"بغداد اليوم" "أبرز عوامل القلق العراقي من الأحداث الجارية في مدينة حلب السورية"، مشيرًا إلى ما وصفه بأنّه "السجون الخمسة السوداء" التي تضمّ أكثر من 5 آلاف إرهابي ينتمون إلى 26 دولة، بعضهم متورّط بارتكاب مجازر بشعة داخل العراق.
ويقول عبد الهادي إنّ "سوريا بلد جار وتواجه تحديات متعددة، وبيننا حدود مشتركة تزيد على 600 كيلومتر، وبالتالي فإنّ أي اضطرابات أمنية تمثل مثار قلق بالنسبة للعراق، لا سيما مع وجود عشرات التنظيمات المتطرفة التي تنشط في جغرافيا معقّدة داخل هذا البلد"، قبل أن يضيف أنّ "هناك جهات تمتلك نفوذًا على خمسة سجون كبيرة تضمّ أكثر من 5 آلاف عنصر من عصابات داعش الإرهابية ينتمون إلى 26 جنسية مختلفة، بعضهم يُعدّ من عتاة الإرهاب، ومنهم من يحمل الجنسية العراقية ومتورّط بمجازر بشعة في عدد من المدن قبل أن يتم إيداعهم في تلك السجون".
عبد الهادي يحذّر من أنّ "الاضطرابات الجارية في حلب سيكون لها ارتدادات حتمًا، وقلقنا الأساسي يتمثل في احتمال استغلال تلك الظروف لتهريب هؤلاء الإرهابيين، ما سيشكّل تهديدًا مباشرًا للعراق والمناطق الحدودية بشكل خاص"، مبيّنًا أنّ "هذه السجون لا تمثّل خطرًا على العراق وحده، بل على الشرق الأوسط والعالم بأسره، لأنّ المتضرّر سيكون عواصم كثيرة"، داعيًا إلى "وضع خطة دولية لمواجهة الإرهاب، وأن تتعامل كل دولة مع الإرهابيين من حاملي جنسيتها وفق القوانين المعتمدة، وحسم ملفّ التنظيمات المتطرفة في سوريا بشكل عام". ويختم بالقول إنّ "الإرهاب لا جغرافيا له، وانتقاله من بلد إلى آخر أثبتته التجارب السابقة، ولهذا تبقى هذه السجون مصدرًا دائمًا للقلق بالنسبة للعراق".
بهذا المعنى لا يعود القلق العراقي مجرّد مخاوف نظرية من موجات نزوح أو تهريب، بل يتحوّل إلى هاجس ملموس مرتبط بإمكانية خروج بضع مئات أو آلاف من أخطر عناصر التنظيم من قبضة السجون إذا اختلّ ميزان السيطرة في مناطق معيّنة، وهو سيناريو يعرف العراقيون جيدًا ثمنه من تجارب سابقة بدأت من هروب محدود وانتهت بمدن كاملة سقطت تحت راية داعش.
الصراع في الشمال الشرقي.. معابر وحدود ومخاوف عبور جديدة
في قلب هذه الصورة يأتي معبر سيمالكا – فيشخابور بوصفه نقطة التقاء حسّاسة بين إقليم كردستان العراق والمناطق الخاضعة لسلطة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا. هذا المعبر مرّ في الأعوام الماضية بدورات إغلاق وفتح وفق مزاج السياسة أكثر من منطق التجارة أو الحاجة الإنسانية، ضمن علاقة معقّدة بين أربيل والقوى الكردية السورية تحمل في طيّاتها تنافسًا قديمًا وحساسيّات متشابكة.
خطورة هذه الرواية لا تتوقف عند بعدها السوري الداخلي؛ فمعبر سيمالكا منفذ يتحرّك من خلاله البشر والبضائع والرسائل السياسية. أي توتّر عند المعبر، سواء على شكل حشود أو اشتباكات أو إغلاقات متبادلة، ينعكس سريعًا على أمن إقليم كردستان واستقراره الاقتصادي، وعلى إدارة ملفّ اللاجئين السوريين الموجودين أصلًا بأعداد كبيرة داخل الأراضي العراقية. وهنا يصبح كل تحشيد قرب المعبر أكثر من استعراض إعلامي؛ يتحوّل إلى نقطة اختبار إضافية لقدرة العراق على منع استخدام أراضيه وحدوده في رهانات الأطراف المتصارعة في سوريا.
شبح داعش وعودة الفوضى.. تهديد عابر للحدود
في خلفية المشهد كلّه يطلّ تنظيم داعش بوصفه الخطر الذي لم يُطوَ بالكامل. التقارير العسكرية والأمنية تحدّثت في الفترة الأخيرة عن تصاعد نسبي في نشاط خلاياه بين سوريا والعراق، خاصة في مناطق البادية وعلى أطراف الحدود. ومن الناحية الميدانية، يرى خبراء مكافحة الإرهاب أنّ انشغال القوى السورية المتصارعة ببعضها، كما يحصل في حلب ومناطق أخرى، يفتح ثغرات على أطراف الجبهات لصالح خلايا التنظيم التي تتحرّك في مساحات الفراغ، سواء في العمق السوري أو قرب الحدود العراقية.
ورغم أنّ بغداد نجحت خلال الأعوام الماضية في تحويل داعش من تهديد وجودي إلى تحدٍّ أمني يمكن احتواؤه، فإنّ تدهور الأوضاع في سوريا، مع وجود "السجون الخمسة السوداء" التي تحدّث عنها عدي عبد الهادي، يهدّد بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع ضغوط اقتصادية واجتماعية داخلية، تجعل بعض المناطق الهشّة أكثر قابلية للاختراق أو الاستغلال من جديد.
على المستوى الأوسع يتقاطع هذا كله مع إعادة تشكيل وجود القوات الأجنبية في الإقليم، والتحوّل من صيغة تحالف دولي واسع إلى صيغ شراكة ثنائية وعمليات محدودة ضد التنظيم في الشمال الشرقي. بهذا تصبح السجون والمعابر والحدود وخطوط النار أجزاء من لوحة واحدة يتحرّك فيها العراق لاعبًا ومتلقّيًا في آن واحد، من دون أن يمتلك دائمًا القدرة الكاملة على ضبط الإيقاع.
العراق بين إدارة الأزمة ومنع استيرادها.. ما الذي يجب فعله الآن؟
تحذيرات جاسم الغرابي وقلق عدي عبد الهادي يفتحان الباب على سؤال مباشر: ماذا يستطيع العراق أن يفعل، وهو يراقب من الشرق تصاعد التوتّر في حلب، ومن الشمال تحشيدًا عند المعابر، ومن عمق البادية سجونًا مغلقة على آلاف من عناصر داعش يمكن أن تتحوّل في لحظة انفلات إلى قوّة هاربة بلا سقف؟
الخطوة الأولى تبدو في تحويل الحدود من خطّ مراقَب عسكريًّا فقط إلى منظومة أمنية واجتماعية متكاملة، عبر الجمع بين الجدار الخرساني والدوريات العسكرية وبين سياسات واضحة للتعامل مع موجات النزوح المحتملة، بحيث لا تتحوّل المخيّمات ومناطق اللجوء إلى بيئات مهمّشة تنتج احتقانًا جديدًا في الداخل العراقي. العراق يستضيف أصلًا مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، معظمهم في إقليم كردستان، وأي موجة نزوح جديدة ستحتاج إلى تنسيق عراقي ودولي سريع حتى لا ينفجر الضغط في وجه المحافظات المستقبِلة.
الخطوة الثانية تتعلّق بضبط ملفّ المعابر، وفي مقدّمتها معبر القائم في الغرب ومعبر سيمالكا في الشمال. العراق لا يستطيع أن يغلق الباب أمام الحركة الإنسانية والتجارية، لكنّه قادر على أن يفرض قواعد واضحة تمنع استغلال المعابر في تلميع موازين القوى داخل سوريا أو في نقل السلاح والرجال إلى ساحات صراع جديدة. وهذا يتطلّب تنسيقًا حقيقيًّا بين بغداد وأربيل، يضع أمن الحدود فوق حسابات التنافس السياسي والحزبي داخل الإقليم.
الخطوة الثالثة ترتبط بالبعد السياسي والأمني الداخلي؛ فالعراق أصبح خلال السنوات الماضية نقطة ضغط مركزية في الأزمات الإقليمية، وأي انقسام حادّ بين القوى العراقية حول كيفية التعامل مع الملف السوري أو مع الوجود الأجنبي سيحوّل البلاد إلى ساحة مساومات إضافية بدل أن يكون عامل توازن. لذلك تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة عراقية موحّدة، على الأقل في خطوطها العريضة، تضع أمن الحدود ومنع عودة داعش وتحييد العراق عن الصراعات السورية الداخلية في مرتبة أعلى من الاصطفافات الإقليمية والعناوين الأيديولوجية.
في النهاية يذكّر مسار الأعوام الماضية بأنّ أخطر ما يمكن أن يفعله العراق مع الأزمات السورية هو أن يكتفي بدور المتفرّج القَلِق أو المتلقّي السلبي لتداعياتها. الصراع المسلّح الجاري اليوم في سوريا يحمل بذور موجة جديدة من الاضطراب، وإذا لم تُترجَم تحذيرات الخبراء، ومنهم جاسم الغرابي، ومعها إنذارات السياسيين، ومنهم عدي عبد الهادي، إلى سياسات استباقية واضحة، فإنّ الحدود قد تعود مرّة أخرى إلى ما كانت عليه في أكثر اللحظات قتامة، عندما كان كل تصعيد في سوريا يعني انفجارًا صغيرًا أو كبيرًا في الداخل العراقي، ومعه جولة جديدة من استنزاف لم يعد البلد قادرًا على تحمّلها.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - ترجمة أفادت شبكة فوكس نيوز، اليوم الأربعاء ( 25 أذار 2026 )، بأن الولايات المتحدة ستواصل تنفيذ ضرباتها العسكرية داخل العراق ضد ما تصفه بـ”الفصائل المرتبطة بإيران”، رغم التوترات الأخيرة مع الحكومة العراقية. ونقلت الشبكة عن رئيس هيئة الأركان