كتب د. سعيد محمد ابو رحمه
يعيش الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من إعادة التشكيل الجيوسياسي، تتسم بارتباك التحالفات، وتبدّل الأولويات، وصعود أدوار إقليمية ودولية جديدة. في قلب هذا التحول، تُعيد الولايات المتحدة تموضعها بسياسة تقوم على الحسم السريع والضاغط، بدلاً من الانخراط الطويل في إدارة الصراعات. هذه السياسة الجديدة تترك آثارًا واضحة على مسارات الدول، من الخليج إلى الشام، ومن إيران إلى فلسطين.
لم تعد خارطة الشرق الأوسط تُرسم فقط على الورق، بل تُنحت ميدانيًا عبر قرارات حاسمة، حروب قصيرة، تفاهمات تطبيعية، وتحولات داخلية عميقة وتراجع أدوار تقليدية حيث تقوّضت الدولة المركزية لصالح فواعل محلية وإقليمية.
وصعود القوى المتوسطة مثل السعودية، تركيا، الإمارات، حيث باتت تملك أدوات تأثير فعّالة في ملفات إقليمية عدة.
بالإضافة لعودة موسكو وبكين بحذر، في محاولة لإيجاد موطئ قدم، لكن بقدرة محدودة على تغيير موازين القوى فعليًا.
منذ إدارة ترامب بدأت واشنطن تتجه نحو الحسم السريع بدل الاستنزاف الطويل ( سياسة الصفقة)
والتي تمثلت في اغتيال سليماني حيث شكل بداية هذا التحول، كرسالة مفادها أن واشنطن ستضرب دون تحذير إذا ما تجاوز الخصوم الخطوط الحمراء.
والعملية العسكرية في فنزويلا فهي استمرار لنمط جديد، أي عدم ترك الأنظمة المناوئة تتمدد إقليميًا أو تقمع داخليًا بلا ثمن وإدارة ملف غزة من خلال دعم أمريكي حاسم لإسرائيل في الحرب، ثم طرح خطة سلام مشروطة، مع ضغط مباشر على الفلسطينيين لتسليم السلاح.
هذه السياسة تستند إلى مقاربة استراتيجية جديدة، فلا وقت للحلول الرمادية، إما اندماج في النظام الدولي بشروطه، أو حسم عسكري واقتصادي وإعلامي.
إن لسياسة الحسم الأمريكي أثر على خريطة القوى الإقليمية، فإيران في الزاوية تعاني من احتجاجات داخلية، وانكماش اقتصادي، وتآكل نفوذها الإقليمي.
والرسائل الأمريكية والإسرائيلية الموجهة عبر حسم ملفات غزة وسوريا تعني أن زمن التمدد الحر انتهى.
والسعودية تتحول من لاعب نفطي إلى لاعب سياسي إقليمي، تلعب على التوازن بين واشنطن وبكين، ولكنها تتماهى مع الرؤية الأمريكية لحل النزاعات عبر الحسم والتدخل المباشر إذا لزم الأمر. أما تركيا تعيد تموضعها في ملفات ليبيا وسوريا، وتحاول الإمساك بالعصا من الوسط في الملف الفلسطيني الإسرائيلي.
بينما إسرائيل تجد في السياسة الأمريكية الجديدة مساحة لتعزيز رؤيتها الأمنية. وتسعى لتطبيق خطة أمنية على المدى الطويل من خلال سياسة الانتشار خارج نطاق النيل والفرات، وهذا ما لاحظناه من خلال النشاط الإسرائيلي القديم الجديد في افريقيا.
والقضية الفلسطينية كما العادة، ليست غائبة بل مستهدفة،
الولايات المتحدة في هذه الخارطة الجديدة لا تسعى لتصفية القضية الفلسطينية، بقدر ما تحاول إعادة تعريفها ضمن واقع سياسي أمني جديد، يخدم إسرائيل حيث تجد في السياسة الأمريكية الجديدة مساحة لتعزيز رؤيتها الأمنية.
إن خارطة الشرق الأوسط الجديد ترسمها اليوم القوة والوضوح لا الغموض والمراوغة، والولايات المتحدة لم تعد تحاول إدارة الفوضى، بل إنهاؤها بطريقة جراحية عبر إسقاط أنظمة، أو تصفية قيادات، أو فرض خطط دون مفاوضات طويلة.
وفي قلب هذه الخارطة، تبقى فلسطين شعبًا وقضية أمام اختبار صعب: هل تنجح في إعادة التموضع ضمن المشهد الجديد، أم تُفرض عليها حلول من خارج حدودها، تحت ضغط الحسم الأميركي والتحالفات الأمنية الناشئة؟
بغداد اليوم - كردستان كشف عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفا محمد، اليوم الاثنين ( 6 نيسان 2026 )، عن بدء وفد اقتصادي من إقليم كردستان مفاوضاته الرسمية اليوم في العاصمة بغداد مع وزيرة المالية الاتحادية طيف سامي، لحسم الملفات المتعلقة بالنفط والجمارك