بغداد اليوم - بغداد
في لحظة إقليمية ملبدة، عادت فيها لغة إسقاط الأنظمة إلى الواجهة بعد الضربة العسكرية الأمريكية على فنزويلا وما رافقها من حديث عن "اختطاف" الرئيس نيكولاس مادورو، اختارت تنسيقية المقاومة في العراق أن تصدر واحدا من أكثر بياناتها وضوحا من حيث اللغة، وحساسية من حيث التوقيت. بيان يبدأ من دم قاسم سليماني وعبد المهدي المهندس، وينتهي عند "قداسة" السلاح، ويمر في منتصف الطريق عبر الحكومة العراقية المقبلة، وملف حصر السلاح، وحدود العلاقة مع "الأجنبي" أيا كان شكله السياسي أو الأمني أو الاقتصادي.
منذ اللحظة الأولى، كان واضحا أن ما جرى نشره على أنه بيان سياسي "عادي" للمقاومة في ذكرى الاغتيال، ليس مجرد استذكار سنوي، بل ورقة موقف شاملة جرى تمريرها بهدوء إلى قوى سياسية فاعلة قبل أن تظهر إلى العلن. مصدر مقرب من الفصائل العراقية يؤكد أن "بيان تنسيقية المقاومة وصل إلى جهات سياسية مهمة في البلاد قبل الإعلان عنه بأيام، بوصفه موقفا واضحا يحدد توجهاتها للمرحلة المقبلة"، مضيفا أن جميع الحوارات التي أجرتها الفصائل "بمختلف عناوينها، حملت الأطر ذاتها والنقاط المعتمدة في البيان"، ما يعني أن ما كتب لم يكن رد فعل انفعاليا، بل خلاصة مسار تفاوض داخلي طويل حول شكل المرحلة المقبلة.
من يوقِّع البيان؟ وحدة الخط رغم اختلاف التكتيكات
أحد أهم تفاصيل البيان لا يكمن في لغته فقط، بل في توقيعه؛ فتنسيقية المقاومة تعلن نفسها هنا ممثلة بكتائب سيد الشهداء، كتائب كربلاء، أنصار الله الأوفياء، حركة النجباء، عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله. هذه ليست قائمة عابرة، بل تجميع لأكثر الفصائل تنظيما وتسليحا، وبعضها سبق أن أعلن تعليق عملياته أو تخفيف حضوره العلني. ظهور هذه الأسماء في بيان واحد، بهذه اللغة، يرسل رسالة مزدوجة: أولا، إن "خط المقاومة" ما زال متماسكا رغم تباين التكتيكات بين مشاركة في الحكومة وتجميد لبعض الجبهات؛ وثانيا، إن القوى التي ظهرت في الفترة الماضية وكأنها تبتعد عن التنسيقية أو تراجع خطابها، تعود اليوم لتقف تحت المظلة ذاتها حين يتعلق الأمر بجوهر الملف: السلاح والوجود الأمريكي.
أجندة للحكومة المقبلة تحت عنوان "الوفاء للدماء"
في متن البيان، تصاغ أجندة كاملة للحكومة العراقية المقبلة تحت عنوان "الوفاء للدماء الطاهرة". الحديث عن الخدمات ومحاربة الفساد يبدو للوهلة الأولى جزءا من لغة سياسية مألوفة، لكن وضع "إقرار قانون الخدمة والتقاعد للحشد الشعبي" في صدر المطالب يكشف أن الفصائل لا تتعامل مع الحشد كجسم ميداني مؤقت، بل كجزء ثابت من معمار الدولة المقبلة، ينبغي تكريسه بنص قانوني يضمن حقوق المقاتلين ويحمي المؤسسة من أي محاولات تقليص أو تفكيك لاحقة. هنا، يتحول ملف الحشد من بند أمني مثير للجدل إلى استحقاق تشريعي تطالب الحكومة المقبلة بحمله كاختبار جدي على صدقية خطابها تجاه "المضحين وحماة الأرض والعرض".
لكن العقدة المركزية في البيان تأتي في الفقرة الثالثة والرابعة، حيث يرسم خطا أحمر واضحا: "إنهاء جميع أشكال وعناوين الوجود الأجنبي المحتل للأراضي العراقية وسمائها، ومنع أي نفوذ له، مهما كان شكله، سياسيا أو أمنيا أو اقتصاديا"، ثم الجملة المفصلية: "إن سلاح المقاومة سلاح مقدس… ونرفض رفضا قاطعا أي حديث عنه من الأطراف الخارجية، بل إن الحوار بشأنه حتى مع الحكومة لا يكون إلا بعد تحقيق السيادة الكاملة للبلاد". بهذه الصياغة، تنقل قضية السلاح من خانة "ملف أمني قابل للتسوية" إلى مرتبة أقرب إلى "العقيدة". السلاح هنا ليس موضوعا للتقنيين والعسكريين واللجان المشتركة، بل رمزا يدخل في دائرة "القداسة"، ويربط مباشرة بدماء سليماني والمهندس، وبمعركة وجودية مفتوحة مع الولايات المتحدة.
من "البلطجة" إلى السيادة: كيف ترى الفصائل صورة العالم؟
في الخلفية، يضيف المصدر المقرب من الفصائل طبقة أخرى للقراءة، عندما يشير إلى أن نشر البيان "يأتي في إطار تأكيد الموقف، لا سيما في ظل ما تقوم به بعض الدول من ممارسات وصفت بالبلطجة، وانتهاكها الصارخ لسيادة الدول، وطريقة تعاملها مع الدول التي لا تمتلك منظومات حماية ودفاع عن نفسها". هذه الجملة القصيرة تعيد ربط بغداد، في سردية المقاومة، بكاراكاس وطهران وصنعاء وبيروت؛ دول وأنظمة وجماعات ترى أن واشنطن لا تتردد في استخدام سلاح العقوبات، أو القصف، أو دعم تغييرات داخلية عميقة، عندما تشعر أن خصومها بلا مظلة ردع حقيقية. في هذا المنطق، يصبح السلاح "المقدس" ليس فقط ضمانة لحماية الفصائل أو الحشد، بل أداة لمنع تكرار سيناريو مادورو أو القذافي أو صدام بنسخة جديدة على الأرض العراقية.
خطاب الإطار التنسيقي: حصر السلاح كمسار وطني أم معركة مؤجلة؟
على الضفة الأخرى، يخرج صوت من داخل الإطار التنسيقي، عبر القيادي عبد الصمد سالار، ليقدم صورة أكثر هدوءا عن ملف حصر السلاح. سالار يؤكد لـ"بغداد اليوم"، أن "الحوارات بين الجهات ذات العلاقة بملف حصر السلاح لم تتوقف، بل لا تزال مستمرة، وشهدت خلال الفترة الماضية تطورا إيجابيا من خلال تفاعل الجهات المعنية بهذا الملف"، ويتحدث عن "بلورة رؤية وطنية لمعالجة هذا الملف الحساس بما يضمن مصلحة الوطن والشعب العراقي"، متوقعا أن مرحلة ما بعد تشكيل الحكومة المقبلة "ستشهد وضوحا أكبر في الرؤية النهائية، إلى جانب تفاهمات تمثل خطوة أولى للمضي بحسم هذا الملف"، مع تأكيده أن "جميع قوى الإطار التنسيقي داعمة لملف حصر السلاح"، وأن هذا الملف "يندرج ضمن إطار تعزيز بناء مؤسسات الدولة ومواجهة التحديات وفق آليات تأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المرحلة وحساسيتها، فضلا عن أهمية تحقيق التوافق الوطني".
المفارقة هنا ليست في التناقض المباشر بين الخطابين، بل في اختلاف نقطة الانطلاق. خطاب الإطار، كما يقدمه سالار، يفترض أن حصر السلاح هدف مشترك، وأن النقاش يدور حول الأدوات والتوقيت وترتيب الأولويات، وأن تشكيل الحكومة المقبلة سيوفر غطاء سياسيا لمسار تدرجي في هذا الاتجاه. أما خطاب التنسيقية، فينطلق من معادلة معكوسة تماما: لا يمكن الحديث عن السلاح إلا بعد إنهاء "كل أشكال الوجود الأجنبي" ومنع أي نفوذ له، و"السيادة الكاملة" شرط سابق على فتح النقاش، لا نتيجة لمسار إصلاحي طويل. وبين هذين الخطين، سيتعين على أي حكومة جديدة أن تتحرك في مساحة شديدة الضيق، بين ضغوط خارجية تريد رؤية خطوات ملموسة باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، وضغوط داخلية من فصائل تمتلك القدرة على التعطيل وتعتبر السلاح نفسه عنوان وجودها السياسي والعقائدي.
الفصائل بين حماية الدولة وموازاة مؤسساتها
في العمق، يعيد البيان تعريف وظيفة الفصائل في المشهد العراقي. فالمصدر المقرب يشدد على أن "وجود الفصائل يعد أمرا بالغ الأهمية لمواجهة تلك التحديات، ولا يمكن الاستغناء عن السلاح في ظل التهديدات والهجمات التي تشهدها المنطقة بشكل عام"، مؤكدا أن الفصائل "تدرك جيدا طبيعة وخطورة المرحلة المقبلة، وأن موقفها ثابت وراسخ، ويأتي في إطار الحفاظ على سيادة البلاد ودعمها". بهذا المعنى، لا تعود الفصائل مجرد قوة رديفة للقوات المسلحة العراقية، بل تقدم كضمانة لسيادة الدولة نفسها، وكـ"سقف أعلى" يحميها من "البلطجة" الخارجية، في مفارقة واضحة؛ فالدولة التي يفترض أنها صاحبة القرار الأعلى في السلم والحرب، تصور في هذا الخطاب على أنها الكيان المحتاج إلى حماية فصائل مسلحة موازية، إلى أن تكتمل سيادتها.
ذكرى الاغتيال كإطار رمزي لجولة صراع جديدة
تزامن كل ذلك مع ذكرى اغتيال سليماني والمهندس يمنح البيان بعدا رمزيا إضافيا. في ذاكرة الفصائل، ذلك الاغتيال لم يكن مجرد عملية عسكرية خاطفة، بل لحظة كسر فيها "خط أحمر" بين واشنطن وطهران على الأرض العراقية. اليوم، ومع اقتراب مرحلة جديدة من التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة طرح سيناريوهات الضغط القصوى، وتبادل الرسائل بالنار في أكثر من ساحة، يصبح التشديد على قداسة السلاح بمثابة تعهد علني بأن ما جرى في مطار بغداد عام 2020 لن يتكرر من دون رد، وأن خطوط الاشتباك المقبلة لن ترسم في غرف مغلقة فقط، بل على طاولة البيان وخطاب المقاومة أيضا.
حصر السلاح بين قرار حكومي ومعادلة صراع طويلة
في الخلاصة، يضع بيان تنسيقية المقاومة، وتعليقات المصدر المقرب، وحديث عبد الصمد سالار، ملامح المرحلة المقبلة في العراق: حكومة جديدة تطالب في آن واحد بتحسين الخدمات ومحاربة الفساد، وتمرير قانون الخدمة والتقاعد للحشد الشعبي، والتحرك في ملف إنهاء الوجود الأجنبي، مع الحفاظ على قنواتها المفتوحة مع واشنطن وشركائها الإقليميين. في المقابل، فصائل تعتبر أن أي مسار لحصر السلاح لا يبدأ من "السيادة أولا" هو مسار مرفوض، وأن التخلي عن السلاح قبل ضمانات كاملة يعني الوقوف عاريا أمام عاصفة قد تبدأ من كاراكاس ولا تنتهي عند بغداد.
بين هذين السقفين، يبدو ملف حصر السلاح أقل شبها بقرار إداري قابل للتنفيذ في جدول أعمال حكومة جديدة، وأكثر شبها بمعادلة صراع طويلة، تتداخل فيها ورقة مادورو مع ذاكرة سليماني، وضغوط الولايات المتحدة مع حسابات طهران، وتوازنات القوى داخل البيت الشيعي مع صورة الدولة أمام الشارع العراقي. وفي غياب تسوية كبرى تعيد تعريف علاقة بغداد بواشنطن وطهران في آن واحد، سيبقى السلاح "المقدس" معلقا بين السماء والبرلمان، يتحرك بيانه على الورق أسرع مما تتحرك الحلول على الأرض.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية والأمنية في بغداد اليوم



