اقتصاد / ملفات خاصة 6-01-2026, 12:39 | --
+A -A

شروط بازل


رسالة لليمن ودبي وواشنطن: "رافدين واحد" محاولة أخيرة لقطع أذرع "المال السياسي" وتبييض السمعة الدولية

بغداد اليوم – بغداد

بين مصرف حكومي عتيق يعدّ الأقدم في العراق، وضغوط دولية متزايدة على الامتثال والشفافية، يظهر مشروع "رافدين واحد" بوصفه محاولة لإعادة بناء صورة النظام المصرفي الحكومي من الصفر تقريبًا، عبر فصل الوظيفة السيادية عن النشاط التجاري، وخلق كيان مصرفي حديث يعمل بمنطق السوق لا بمنطق الدائرة الحكومية.

خلال حديثه لـ"بغداد اليوم"، الخبير المالي صالح رشيد المصرفي يرى أنّ إنشاء المصرف الجديد يحمل أربع إيجابيات رئيسية، ويصفه بأنّه "خطوة محورية في مسار إصلاح النظام المصرفي الحكومي"، في وقت تكشف فيه تصريحات المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح عن تصميم حكومي على تحويل مصرف الرافدين إلى مصرف سيادي للخزينة، وإطلاق "رافدين واحد" كشركة مساهمة مختلطة تستجيب لمعايير بازل 3، وتستعد لاستقبال شريك مصرفي دولي.

من "الورقة البيضاء" إلى "رافدين واحد"

إصلاح المصارف الحكومية، وفي مقدمتها الرافدين والرشيد، لم يولد اليوم. فهو أحد أعمدة "الورقة البيضاء" للإصلاح الاقتصادي التي أقرتها الحكومة قبل أعوام، ونصّت بوضوح على إعادة هيكلة المصارف المملوكة للدولة، ومعالجة رأسمالها المتآكل، وتنظيف ميزانياتها من الديون المتعثرة، وجعلها قادرة على الإقراض والتنمية بدل الاكتفاء بدور خزينة رواتب.

مع ذلك، بقي الإصلاح لسنوات حبيس الدراسات والوعود، قبل أن تبدأ الحكومة، منذ عام 2024، بالتعاقد مع شركات دولية متخصصة لوضع خريطة طريق لإعادة هيكلة مصرف الرافدين، وصلت، بحسب التصريحات، إلى نحو 74% من مراحل المشروع مع نهاية العام نفسه، قبل أن يؤكد رئيس الوزراء في مطلع عام 2025 أنّ مشروع الهيكلة دخل مراحله النهائية.

في هذا السياق، يأتي اقتراح تقسيم الرافدين إلى كيانين واضحين:

  • مصرف سيادي يحتفظ باسم "مصرف الرافدين" الأصلي، يقتصر دوره على إدارة العمليات المالية الحكومية، وفي مقدمتها حساب الخزينة الموحد، والربط مع مئات وحدات الصرف والإنفاق في الوزارات والهيئات.

  • ومصرف سوق حديث يحمل اسم "الرافدين – واحد"، يعمل كشركة مساهمة مختلطة بين القطاعين العام والخاص، ويتبع أسس الصيرفة الحديثة ومعايير بازل 3 من حيث كفاية رأس المال، وإدارة المخاطر، والامتثال.

بهذا التقسيم، تحاول الحكومة أن تخرج النشاط التجاري والائتماني من عباءة البيروقراطية الثقيلة للمصرف الحكومي التقليدي، وتضعه في إطار أقرب إلى منطق السوق والشراكة مع القطاع الخاص.

أربع إيجابيات.. كيف يقرأ الخبراء فكرة المصرف الجديد؟

صالح رشيد يلخص إيجابيات إنشاء "رافدين واحد" في أربع نقاط رئيسية، يمكن قراءة كل واحدة منها على ضوء تجربة العراق المصرفية خلال العقود الماضية:

  1. بيئة مخاطر أقل وشفافية أعلى: يشير المصرفي إلى أنّ المصرف الجديد "سيتمتع ببيئة عمل أقل خطورة، ومخاطر منخفضة، مع اعتماد الشفافية والمرونة في ملفات الإقراض والائتمان والاستيرادات الخارجية". هذه النقطة جوهرية في بلد تعرضت مصارفه الحكومية لسلسلة تعثرات وديون مشكوك في تحصيلها، إضافة إلى شبهات استغلال أرصدتها في الخارج. وجود هيكل رأسمالي جديد، وأنظمة رقابة داخلية متقدمة، يمنح المصرف فرصة للانطلاق بعيدًا عن الأثقال التاريخية الموجودة في ميزانية الرافدين التقليدي.

  2. شراكة بين القطاعين العام والخاص: يؤكد رشيد أنّ "مصرف رافدين واحد سيكون شراكة بين القطاعين العام والخاص"، وهي صيغة تمنح الدولة إمكانية الاحتفاظ بحصة تحكم من جهة، وتفتح الباب أمام إدخال مساهمين محليين وربما أجانب من جهة أخرى. هذا النمط، إذا طُبق بصورة سليمة، يمكن أن يقلل من التدخلات الإدارية والسياسية المباشرة في القرارات الائتمانية، ويقرب المصرف من ممارسات السوق الحقيقية في التسعير وتقييم الجدارة الائتمانية.

  3. الامتثال ومعايير بازل والشريك الدولي: تصريحات مظهر محمد صالح تكشف أنّ الدراسة الحكومية "تقترح أن يتمتع المصرف برؤوس أموال عالية الكفاءة، وأن يعمل وفق مقررات بازل 3، مع إمكانية إدخال شريك مصرفي استراتيجي دولي"، ما يعني محاولة ربط المصرف الجديد بسلسلة الامتثال العالمي، من مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى معايير الشفافية والإفصاح، في وقت يتعرض فيه القطاع المصرفي العراقي لضغوط خارجية مستمرة لرفع مستوى الامتثال.

  4. الشمول المالي الرقمي وتمويل القطاع الخاص: الدراسة نفسها تشير إلى أنّ نموذج أعمال المصرف يرتكز على "منح الائتمان للأشخاص الطبيعيين والمعنويين وفق أحدث ممارسات الصيرفة الحديثة، مع توظيف تكنولوجيا المعلومات المالية المتقدمة لتحقيق الشمول المالي الرقمي". عمليًا، يعني ذلك أنّ "رافدين واحد" مفترض أن يكون بوابة لتوسيع قاعدة العملاء خارج موظفي الدولة والمتقاعدين، وصولًا إلى أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والشركات التي تحتاج إلى تمويل تجاري وخدمات دفع إلكتروني متطورة.

في ظل الاتهامات الأمريكية ومشكلات الفروع الخارجية

تأتي هذه الخطط الطموحة بينما يواجه مصرف الرافدين نفسه ضغوطًا غير مسبوقة خارج الحدود. ففرع المصرف في أبو ظبي تعرض خلال الفترة الماضية لغرامات كبيرة من البنك المركزي الإماراتي بسبب مخالفات إدارية ومالية، مع تحذيرات من إمكان أن تنتهي الإجراءات إلى إغلاق الفرع إذا استمرت المخالفات، بحسب ما نقلته مصادر مطلعة. كما تتحدث تقارير عن صعوبات تواجه فروعًا أخرى للمصرف خارج العراق، ما يعكس تراكم سنوات من الإدارة الضعيفة والامتثال المحدود للمعايير الرقابية الدولية.

على جبهة أخرى، وجد المصرف نفسه في قلب سجال سياسي في الولايات المتحدة، بعد اتهامات وجّهها عضو في مجلس النواب الأمريكي لمصرف الرافدين بإجراء تعاملات مالية لصالح جماعة الحوثي في اليمن، متوعدًا بالعمل على "قطع التمويل عن العراق" في تشريعات المخصصات المالية، وداعيًا وزارة الخزانة إلى معاقبة المصرف. هذه الاتهامات، التي نفتها بغداد، وضعت اسم الرافدين تحت مجهر الإعلام واللوبيات في واشنطن، وربطته بملف أوسع يتصل بدور العراق المالي في تمويل جماعات مرتبطة بإيران في الإقليم.

في اليمن، جاء إعلان الحكومة الشرعية عن إغلاق فرع الرافدين في صنعاء بوصفه "خطوة في الاتجاه الصحيح لتجفيف منابع تمويل الحوثيين"، وفق تصريحات رسمية، في سياق ضغوط دولية على أي مؤسسة مالية يمكن أن تُستغل في الالتفاف على العقوبات.

هذه الخلفية تجعل من مشروع "رافدين واحد" أكثر من مجرد تحديث داخلي؛ فهو أيضًا رسالة للخارج بأنّ العراق يحاول إعادة هيكلة مصرفه الأهم بما يتوافق مع معايير الامتثال العالمية، ويقلل من نقاط الاحتكاك مع وزارة الخزانة الأمريكية والأسواق المالية الدولية.

ماذا يعني "رافدين واحد" للمودعين والقطاع الخاص؟

على مستوى المودعين الأفراد، قد لا يشعر المواطن العادي بفارق فوري بين الرافدين التقليدي و"رافدين واحد"، لكن الفكرة المعلنة للمصرف الجديد تقوم على:

  • تسريع إجراءات فتح الحسابات والقروض الشخصية والسكنية.

  • اعتماد واجهات رقمية أكثر تطورًا، وتوسيع استخدام البطاقات والدفع الإلكتروني.

  • تقديم منتجات ائتمانية موجهة لرواد الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بعد أن ظلّت المصارف الحكومية لعقود تركز على تمويل رواتب الدولة والتسهيلات المحدودة.

من جهة أخرى، فإنّ فصل الدور السيادي عن التجاري يفترض أن يرفع بعض القيود غير المرئية التي كانت تجعل المصرف مترددًا في منح القروض أو دخول شراكات طويلة الأجل، خشية التداخل المستمر بين قراراته وقرارات وزارة المالية والبنك المركزي. بوجود مصرف سيادي واضح الوظيفة، ومصرف سوق يعمل بعقلية تجارية، تصبح خريطة المسؤوليات أكثر شفافية، ما يسهل على المستثمرين المحليين والأجانب تقييم المخاطر.

لكن كل ذلك يبقى مشروطًا بكيفية تطبيق الفكرة على الأرض:

  • هل سيُتاح لـ"رافدين واحد" هامش حقيقي من الاستقلالية في القرار الائتماني؟

  • هل ستُحترم قواعد الحوكمة، أم سيتسلل نفوذ الأحزاب والمحاصصة إلى مجلس الإدارة والإدارة العليا كما حدث في مؤسسات أخرى؟

  • وهل سيُمنح المصرف الأدوات الرقمية والبنية التحتية التي تتيح له منافسة المصارف الأهلية ذات التجربة الأطول في بعض المنتجات؟

أسئلة ستجيب عنها السنوات الأولى من عمر المصرف الجديد.

الإصلاح الهيكلي للمصارف الحكومية.. خطوة أولى لا تكفي وحدها

خبراء التمويل الدوليون طالما اعتبروا أنّ أي إصلاح اقتصادي جاد في العراق يجب أن يمرّ عبر بوابة المصارف الحكومية، لأنّها تتحكم بمعظم السيولة الرسمية، وتشكل قناة رئيسية لتمرير السياسات المالية، من الرواتب والدعم، إلى تمويل المشروعات العامة. تقارير دولية سابقة أشارت إلى أنّ الخسائر المتراكمة والديون المتعثرة في الرافدين والرشيد وحدهما تصل إلى مليارات الدولارات، وهو ما جعل هذه المصارف عبئًا على المالية العامة بدل أن تكون أدوات فاعلة للتنمية.

من هنا، يُقدَّم "رافدين واحد" بوصفه المرحلة الأولى من "الإصلاح الهيكلي للمصارف الحكومية". لكن الإصلاح الحقيقي لن يكتمل ما لم تُعالَج العناصر التالية بالتوازي:

  • تنظيف ميزانيات المصارف الحكومية من الديون السيادية وشبه السيادية التي تراكمت بفعل قرارات سياسية لا مصرفية.

  • بناء جهاز رقابي قوي داخل المصارف نفسها، يضمن استقلال لجان المخاطر والامتثال عن التدخلات الإدارية.

  • تطوير الكوادر البشرية، من موظفي فروع اعتادوا لسنوات على العمل الورقي والروتين، إلى فريق قادر على التعامل مع أنظمة مصرفية رقمية ومنتجات معقدة.

  • ربط الإصلاح المصرفي بسياسات أوسع لتشجيع القطاع الخاص، حتى لا يتحول المصرف الجديد إلى مجرد واجهة حديثة لاقتصاد ما زال يعتمد على الدولة بوصفها رب العمل الأكبر والمقترض الأكبر في الوقت نفسه.

بين السمعة والمضمون.. أي "رافدين" نريد؟

في الجوهر، لا يدور النقاش حول اسم "رافدين واحد" ولا حول الشعار الذي سيعلق على واجهاته الجديدة، بل حول ما إذا كان العراق قادرًا على الانتقال من نموذج "المصرف الحكومي المتهالك" إلى نموذج "المصرف التجاري المنضبط" من دون أن تضيع الفكرة في دهاليز البيروقراطية والمحاصصة.

إنّ نجاح التجربة سيتحدد بما يراه العراقي لا بما يكتب في بيانات الإصلاح؛ في قدرة المودع على الحصول على خدمة شفافة وسريعة، وفي قدرة صاحب المشروع الصغير على الوصول إلى قرض عادل، وفي قدرة الدولة على استخدام مصرفها السيادي لإدارة ماليتها العامة بكفاءة، بعيدًا عن الانكشاف المستمر على الضغوط الخارجية.

عندها فقط يمكن القول إنّ "رافدين واحد" لم يكن مجرد فصل حسابات أو تغيير عناوين، بل نقطة تحول في علاقة العراقيين بمصارفهم، وفي طريقة نظر العالم إلى النظام المصرفي العراقي ككل.

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

سبع طائرات مسيّرة تستهدف أربيل وسط تحليق مكثف للطيران الحربي

بغداد اليوم - أربيل كشف مصدر أمني، اليوم الجمعة ( 3 نيسان 2026 )، عن تعرض مدينة أربيل لهجوم واسع نفذته سبع طائرات مسيّرة، تزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي في سماء المنطقة. من جانبه، طمأن محافظ أربيل، أوميد خوشناو، الرأي العام مؤكداً أن الدفاعات الجوية

اليوم, 01:31