كتب د. سعيد محمد أبو رحمه
رغم أن قطاع غزة يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، فإن الخطاب السياسي الأمريكي، خاصة في رؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب، يضع القطاع في قلب مشروع طموح لإعادة الإعمار وتحقيق سلام اقتصادي، من خلال خطة متعددة المسارات، تتضمن شقًا أمنيًا عبر قوة استقرار دولية، وشقًا تنمويًا مدعومًا باستثمارات خليجية وغربية ضخمة.
تتحدث الوثائق والتصريحات غير الرسمية عن أن غزة، رغم كل تعقيداتها، لم تخرج يومًا من حسابات صانعي القرار الأمريكي. بل على العكس، فإن القطاع أصبح اليوم ملفًا مفصليًا ضمن ما يسمى "اليوم التالي"، حيث ينظر إلى تحقيق استقرار أمني وسياسي فيه كمدخل لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني ككل، وبما يخدم رؤية الولايات المتحدة لترتيب الإقليم.
إحدى النقاط الجوهرية في هذا الطرح هي تشكيل قوة استقرار دولية تتولى توفير الأمن داخل غزة، وتعيد الثقة للمجتمع الدولي والمستثمرين بأن القطاع قابل للحياة الاقتصادية. ورغم أن الفكرة لا تزال مثار جدل بين الأطراف، فإن دعم واشنطن المباشر لها يعكس إصرارًا على إحداث اختراق في الجمود الأمني والسياسي الذي يحاصر القطاع منذ سنوات.
إن قبول أو رفض سكان غزة لقوات الاستقرار الدولية سيكون مرهونًا بطبيعة الدور الذي تؤديه على الأرض. فإذا كانت هذه القوة تضمن الحماية الحقيقية للمدنيين من الخروقات الإسرائيلية، وتسهل دخول المساعدات وتمنع استغلال الاحتلال للمعابر، وتساهم في إعادة الإعمار بشكل عملي وملموس، ولو عبر حلول مرحلية مثل الكرفانات وتفعيل المؤسسات الخدمية، وتكون بعيدة عن التسييس والانحياز، فمن الطبيعي أن تجد ترحيبًا شعبيًا واسعًا، بل وقد تنظر إليها كجزء من حل مؤقت يحفظ الكرامة ويوفر الحد الأدنى من الأمان والمعيشة. أي أن المعيار الأساسي لنجاحها هو الثقة الشعبية التي تُبنى من خلال الأداء الفعلي على الأرض، لا من خلال الشعارات فقط.
إن الرهان الأمريكي على مستقبل غزة يعكس رغبة في تجاوز المأساة نحو مشروع استقرار طويل الأجل، إلا أن هذه الرؤية لا يمكن أن تنجح دون معالجة الأسباب الجذرية: الإعمار، الحصار، والاستقرار. وإذا أرادت واشنطن أن تحقق رؤيتها، فإنها بحاجة إلى الحزم والحسم لدعم حقوق الفلسطينيين المشروعة في العيش بحرية وكرامة وتنمية مستدامة.
الرؤية الأمريكية تروّج لغزة باعتبارها فرصة اقتصادية، تتوفر فيها عوامل تؤهلها لتكون منطقة مزدهرة، بل وقد تتفوق اقتصاديًا حسب بعض التصورات على إسرائيل نفسها. هذا الطرح قد يبدو غير مقنع للبعض، لكنه في جوهره قائم على تحويل غزة من ملف أمني إلى مشروع اقتصادي طويل الأجل، تستثمر فيه الدول، وتُفتح فيه أبواب التمويل الدولي، ضمن بيئة ما بعد الصراع.
لكن هذا التحول مشروط بتحديات، وهو ما يعكس حقيقة أن الرؤية الأمريكية لا تفصل الاقتصاد عن السياسة، ولا التنمية عن الأمن. والتحدي الأكبر الذي يواجه هذه الخطة يتمثل في مدى جاهزية جميع الأطراف للاندماج في هذه الرؤية.
إن الحديث عن تحول غزة من أنقاض الحروب إلى نموذج للازدهار ليس مستحيلًا، لكنه مشروط بإرادة سياسية دولية، وضمانات أمنية، وقرار أمريكي حاسم قبل أي تمويل. فالمطلوب ليس فقط ضخ الأموال، بل خلق بيئة تسمح بتوظيفها لصالح السكان، لا لإعادة إنتاج الأزمات.
في خضم هذا المشهد المعقّد، تبقى غزة رغم المآسي أرضًا للفرص كما هي ساحة للتحديات. وبرغم الركام الذي يملأ الشوارع، فإن الإرادة الدولية تتبلور اليوم أكثر من أي وقت مضى نحو ضرورة إنهاء المعاناة وفتح صفحة جديدة يكون عنوانها: الكرامة، والإعمار، والأمل.
قد تكون الطريق طويلة، لكنها لم تعد مستحيلة. فمع تصاعد الأصوات الداعية إلى إعادة إعمار القطاع، وتشكّل تحالفات دولية تبحث عن حل شامل ومستدام، تبرز بارقة أمل لأهل غزة؛ أملٌ في أن تتحول الخيام إلى بيوت، والأنقاض إلى مدارس، والصمت المفروض إلى صوت حياة حقيقية.
إن مستقبل غزة لا يُكتب فقط في مراكز القرار، بل يُصنع أيضًا بأحلام أهلها، وبإصرارهم على الحياة. وغدًا قد يحمل لهم العالم ما حُرموا منه طويلاً: سلامٌ بعد عدل، وازدهار بعد حرمان، ووطن لا يُقايَض بالألم، بل يُبنى بالأمل.
بغداد اليوم - أربيل كشف مصدر أمني، اليوم الجمعة ( 3 نيسان 2026 )، عن تعرض مدينة أربيل لهجوم واسع نفذته سبع طائرات مسيّرة، تزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي في سماء المنطقة. من جانبه، طمأن محافظ أربيل، أوميد خوشناو، الرأي العام مؤكداً أن الدفاعات الجوية