بغداد اليوم – طهران
تبدو الساحة الإيرانية اليوم مفتوحة على أكثر من مسار؛ احتجاجات معيشية تضرب الأسواق والجامعات، وضغوط اقتصادية خانقة، وتهديدات أمريكية وإسرائيلية تترافق مع حديث متزايد في طهران عن معادلة الردع والضربات الاستباقية إذا تحوّل الضغط الخارجي إلى تهديد وجودي. وسط هذه التعقيدات، تحاول "بغداد اليوم" أن تقترب من طريقة تفكير النخبة الإيرانية ورؤيتها للمشهد القائم، عبر حوار مع مدير مركز الدراسات الإيرانية العربية مصدّق بور، والمحلل السياسي مهدي عزيزي، والمحلل السياسي سعيد شاوردي.
كيف تُقدَّم الاحتجاجات الجارية داخل إيران من زاوية قراءة مراكز الدراسات القريبة من دوائر القرار؟
مصدّق بور – مدير مركز الدراسات الإيرانية العربية:
الاحتجاجات الحالية تُوصَف لدينا بأنها تظاهرات مطلبية فئوية في الأساس؛ بدأت من شريحة التجّار، ثم امتدّت لاحقًا لتشمل طلبة وشرائح أُخرى. هذه الفئات تتحرّك على خلفية مطالب معيشية واضحة، والسلطات الإيرانية، وفي مقدّمتها السلطة القضائية، تتعامل مع هذه المطالب على أنها مشروعة ومكفولة في إطار القانون والدستور الإيراني.
في المقابل، هناك خطّ فاصل بين الاحتجاج المشروع وبين ما نعدّه أعمال شغب؛ حرق الممتلكات العامّة وأعمال التخريب لا تُقبَل دستوريًا ولا قانونيًا، لا في إيران ولا في أي دولة أُخرى. كما أنّ هذه الموجة تختلف عن جولات سابقة من ناحية أساسية، هي غياب القيادة الواضحة التي تجمعها أو توجّهها، وهذا الغياب يقلّل من فرص تحوّلها إلى حراك منظّم ومؤثّر أو طويل الأمد، ويرجَّح أن تبقى – ما لم تُستثمر خارجيًا – في إطار حركة احتجاج محدودة يمكن أن تنتهي سريعًا.
داخليًا، هل تختزل طهران ما يجري في العقوبات الأمريكية فقط، أم أنّ هناك اعترافًا بأزمة إدارة اقتصادية وسياسية؟
مصدّق بور:
التحدّي الأكبر الذي تواجهه إيران لا يتوقّف عند حدود الحظر الأمريكي، رغم ثقله المستمر منذ عقود، بل يرتبط أيضًا بسوء إدارة الحكومات المتعاقبة، وبالعجز عن إيجاد حلول فعّالة لخفض معدّلات التضخّم وضبط الأوضاع الاقتصادية. جزء من المشكلة يعود إلى الانقسامات الداخلية بين التيار الإصلاحي والتيار المتشدّد، وما نتج عن هذا الانقسام من تباين حاد في الرؤى الاقتصادية.
هناك فريق يَعتبر أنّ التوجّه شرقًا، وبناء تحالفات اقتصادية أوسع مع دول الشرق، هو الخيار الأنسب للخروج من الأزمة، في حين يصرّ الإصلاحيون على أنّ المخرج الحقيقي يمرّ عبر التفاوض ورفع العقوبات المفروضة على البلاد. هذا التناقض في الخيارات يترك أثره المباشر على قدرة الدولة على تقديم حلول سريعة أو متماسكة للأزمة المعيشية.
كيف تُقرأ التهديدات الصادرة من واشنطن وتل أبيب، ودخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خطّ الملف الإيراني؟
مصدّق بور:
التهديدات التي تصدر عن الولايات المتحدة وإسرائيل تُرى هنا قبل كل شيء بوصفها رسائل سياسية موجّهة إلى الداخل الأمريكي، أكثر من كونها خططًا جاهزة للتنفيذ. هي جزء من استعراض للقوّة، وصناعة مشهد إعلامي يُراد له أن يضغط نفسيًا على إيران، وأن يهيّئ الرأي العام لخطط وُصفت غير مرّة بالحمقاء. في الوقت نفسه، تُستغل هذه اللغة لإيصال انطباع إلى الداخل الإيراني بأنّ ما يجري فرصة تاريخية للإطاحة بالنظام.
دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الأزمة عبر تهديده لإيران في حال التعرّض للمتظاهرين يُنظَر إليه كتدخّل مباشر في الشأن الداخلي، يتعارض مع ميثاق الأمم المتّحدة والقوانين الدولية. كما تُقرأ هذه التصريحات على أنّها محاولة لاستثمار الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها إيران بفعل الحظر الأمريكي المستمر منذ أكثر من أربعة عقود، من دون أن تشكّل في ذاتها عامل ضغط حاسم يغيّر موقف طهران.
في ظلّ هذا المناخ من التصعيد، يطرح البعض احتمال لجوء إيران إلى ضربة استباقية ضدّ إسرائيل. أين يقف هذا الخيار في تقديركم؟
مصدّق بور:
من غير المستبعَد أن تتّجه إيران نحو خيار الضربة الاستباقية ضدّ إسرائيل إذا استمرّ تصاعد التهديدات ووصل إلى مستوى معيّن من الخطورة. القراءة السائدة هنا تقول إنّ تل أبيب لا تملك القدرة على خوض هجوم مباشر واسع ضدّ إيران بمفردها، وهذا التقدير يستند إلى تجارب سابقة تذوّقت فيها إسرائيل طعم الصواريخ الإيرانية بشكل مباشر.
ما يُعرف بـ"حرب الأيّام الـ 12" لا يزال حاضرًا في الذاكرة، وهي مواجهة لم تتوقّف – بحسب هذه الرؤية – إلّا بعد تدخّل أمريكي خشية انزلاق الأمور إلى تصعيد أوسع يكون على حساب إسرائيل. وعلى الرغم من أنّ إسرائيل عزّزت تسليحها بدعم أمريكي وغربي خلال السنوات الماضية، إلّا أنّ هذا الدعم لم يُحدث تفوّقًا نوعيًّا حاسمًا، في مقابل تعزيز إيران لقدراتها العسكرية ووصولها، وفق تقديرات متداولة، إلى مستوى من الجاهزية الفعلية للتعامل مع أي تصعيد محتمل.
هناك من يربط بين ما تعتبره طهران فشلًا إسرائيليًا في المواجهة الأخيرة وبين انتقال الضغوط إلى الداخل الإيراني. كيف تُصاغ هذه العلاقة في الخطاب السياسي والإعلامي؟
مهدي عزيزي – محلّل سياسي إيراني:
التطوّرات الراهنة داخل إيران تُقدَّم على أنها نتيجة طبيعية ومتوقّعة لفشل "العدو الإسرائيلي" في تحقيق أهدافه العسكرية خلال المواجهة الأخيرة. الرهان، من وجهة النظر هذه، انتقل من العمل العسكري المباشر إلى استراتيجية "تفكيك الداخل"، عبر محاولة استنساخ سيناريوهات التقسيم والدمار التي شوهدت في سوريا وبلدان أُخرى.
ورغم إدراك الحكومة الإيرانية لحجم التحدّيات الاقتصادية ومشروعية المطالب الشعبية التي يرفعها المحتجّون، إلّا أنّها تفرّق بوضوح بين الاحتجاج السلمي وبين أعمال الشغب المنهجية. طهران تقول إنها تتعامل مع الموقف ضمن الأطر الدستورية، وتعتبر أنّ تأجيج الفوضى وتخريب الممتلكات ليس سوى أداة خارجية للضغط السياسي، هدفها دفع الدولة للعودة إلى طاولة المفاوضات وتجريدها من سلاحها الدفاعي وصواريخها البالستية تحت وطأة الشروط الأمريكية المسبقة.
في هذا المشهد، ما المكانة التي يحتلّها العامل الإعلامي الخارجي، وما حقيقة الحديث عن سيناريوهات التقسيم؟
سعيد شاوردي – محلّل سياسي إيراني:
التحرّكات الاحتجاجية الأخيرة داخل إيران لا تُعتبَر ظاهرة جديدة تمامًا؛ المطالب المرتبطة بتحسين الأوضاع المعيشية، واستقرار العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، ومكافحة الغلاء، حاضرة منذ سنوات.
لكنّ الإشكالية، كما نراها، تكمن في الآلة الإعلامية المعادية، المموَّلة غربيًّا، التي تعمل على تزييف الحقائق وتضخيم الأحداث لخدمة أجندة أمريكية – إسرائيلية. هذا التصعيد الإعلامي يُنظَر إليه كنوع من التعويض عن الفشل العسكري في "حرب الـ12 يومًا" الأخيرة ضدّ إيران.
الرسالة التي نؤكّدها هي أنّ الداخل الإيراني محصَّن بوعي شعبي يدرك أبعاد ما يجري، وأنّ الهدف النهائي لهذه الحملات لا يتوقّف عند حدود الإصلاح الاقتصادي، بل يتجاوزها – بحسب هذه القراءة – إلى محاولة تنفيذ مخطّط لتقسيم إيران إلى سبع دويلات، وإغراقها في حروب أهلية متعدّدة، على غرار السيناريوهات التي نُفِّذت في ليبيا واليمن والسودان.
إلى أين تتجه طهران؟
في ضوء ما طرحه ضيوف الحوار من قراءات متقاطعة، تبدو طهران وهي تواجه الاحتجاجات الأخيرة عالقة بين أزمة داخلية عميقة ومحاولة واضحة لنقل الصراع معها من الميدان العسكري إلى ساحة المجتمع والاقتصاد والإعلام. فالنخبة الإيرانية تعترف، كما ظهر في حديث مصدق بور، بأن جذور التوتر الراهن معيشية واقتصادية، وأن سوء الإدارة والانقسام بين التيارات يزيدان تعقيد المشهد، لكنها في الوقت نفسه ترى في التهديدات الأمريكية والإسرائيلية، وفي دخول دونالد ترامب على خط الأزمة، جزءا من حرب نفسية أوسع تحاول استثمار غضب الشارع لفتح بوابة تفكيك الداخل وإعادة إنتاج سيناريوهات دمرته دول مثل سوريا وليبيا واليمن.
ومع ما أشار إليه مهدي عزيزي وسعيد شاوردي من انتقال الرهان من المواجهة المباشرة إلى استراتيجية تفتيت البنية الداخلية لإيران، يبرز خيار الضربة الاستباقية كرسالة ردع حاضرة في خطاب طهران، من دون إلغاء حقيقة أن استمرار الاختناق الاقتصادي سيبقي الشارع قابلا للاشتعال في كل لحظة. وبين احتجاجات تصر السلطة على وصفها بالمطلبية المحدودة، وتحركات خارجية تقرأ على أنها محاولة لفرض تنازلات سياسية واستراتيجية، تبدو إيران مقبلة على مرحلة اختبار مزدوج: اختبار قدرتها على إصلاح بيتها الداخلي من جهة، والحفاظ على تماسك معادلة الردع مع خصومها من جهة أخرى، في سياق إقليمي ستكون لارتداداته تأثيرات مباشرة على خرائط النفوذ والأمن في المنطقة برمتها، وفي مقدمتها العراق.
المصدر: وكالة بغداد اليوم الإخبارية
بغداد اليوم - أربيل كشف مصدر أمني، اليوم الجمعة ( 3 نيسان 2026 )، عن تعرض مدينة أربيل لهجوم واسع نفذته سبع طائرات مسيّرة، تزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي في سماء المنطقة. من جانبه، طمأن محافظ أربيل، أوميد خوشناو، الرأي العام مؤكداً أن الدفاعات الجوية