بغداد اليوم – بغداد
مع تحوّل فنزويلا بين ليلة وضحاها إلى ساحة حرب مفتوحة بعد الضربات الأمريكية واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، دخلت أسواق النفط العالمية في حالة ترقّب حذر، بين من يرى في الحدث مقدّمة لاضطراب جديد في الإمدادات، ومن يعتقد أنّ الأثر الفعلي سيبقى محدودا ما دامت الحقول والمصافي بعيدة عن الاستهداف المباشر. غير أنّ الدول الريعية المعتمدة على النفط، وفي مقدّمتها العراق، تجد نفسها أمام اختبار جديد لعلاقتها بسوق عالمي شديد الحساسية لأي صدمة جيوسياسية.
تأتي أهمية فنزويلا من كونها صاحبة أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم، تقارب 303 مليارات برميل، أي نحو 17–18٪ من الاحتياطي العالمي، لكن إنتاجها الفعلي تراجع خلال السنوات الماضية إلى نحو 1.1 مليون برميل يوميا فقط بسبب العقوبات وسوء الإدارة ونقص الاستثمارات.
وخلال الأشهر التي سبقت الضربة، شدّدت واشنطن الخناق على صادرات كاراكاس عبر حظر مرور الناقلات واحتجاز شحنات، ما أدى إلى خفض الصادرات من نحو 950 ألف برميل يوميا إلى مستويات أدنى، ودفع شركة النفط الوطنية PDVSA إلى تخزين النفط في الناقلات وتعطيل جزء من الطاقة التصديرية. ورغم إعلان مصادر في الشركة أنّ المنشآت النفطية لم تتعرض لأضرار مباشرة في الضربة الأخيرة، إلا أنّ الحصار البحري والمخاطر الأمنية حول الموانئ يظلان عاملين ضاغطين على قدرة فنزويلا على إيصال نفطها إلى السوق.
يرى الخبير في شؤون الطاقة والاقتصاد أحمد عسكر أنّ ما يجري هو "حرب أمريكية على فنزويلا" ستخلّف تداعيات واسعة النطاق على أسواق النفط العالمية، موضحا في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ تراجع الإمدادات الفنزويلية المحتمل "قد يرفع الأسعار عالميا ويزيد من تقلبات الأسواق، ورغم أنّ ارتفاع أسعار النفط يبدو في البداية ميزة للدول المصدّرة، إلا أنّ عدم الاستقرار في الأسعار يزيد من المخاطر على الاقتصاد المحلي ويؤثر على القدرة على التخطيط المالي والموازنات الحكومية".
عمليا، افتتحت أسعار النفط تداولات عام 2026 على ارتفاع طفيف مدفوع بتصاعد المخاطر الجيوسياسية والعقوبات الجديدة على فنزويلا، لكن من دون قفزات حادة حتى الآن، في ضوء استمرار تدفق الإنتاج من دول أخرى وقدرة "أوبك بلس" على تعويض جزء من أي نقص محتمل.
الأسواق اليوم لا تسعّر فقط وضع الحقول الفنزويلية، بل تحسب أيضا احتمالات انزلاق البلاد إلى فوضى داخلية أو حرب أهلية من جهة، مقابل سيناريو مغاير يتمثل في انفتاح قطاع النفط الفنزويلي على استثمارات غربية واسعة بعد تغيير النظام، ما قد يرفع الإنتاج على المدى المتوسط، وهو ما أشار إليه محللون تحدثوا عن احتمال "تعافي يقوده تحالف شركات كبرى" في حزام أورينوكو الغني بالنفط الثقيل.
بالنسبة للعراق، الذي يعتمد على النفط لتأمين الغالبية العظمى من إيراداته العامة، فإن أي موجة ارتفاع في الأسعار تعني نظريا زيادة في العائدات المالية، خصوصا مع إنتاج يقترب من 4.1 ملايين برميل يوميا في نهاية 2025. لكن قراءة أحمد عسكر تنبّه إلى الوجه الآخر لهذه المعادلة؛ فالعراق لا يستفيد من ارتفاع الأسعار فقط، بل يتأثر أيضا بتقلباتها:
ارتفاع الأسعار يرفع إيرادات الموازنة، لكنه يزيد كلفة الاستيراد في بلد يعتمد على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاته من الغذاء والمواد الاستهلاكية والوقود المكرر.
أي قفزة حادة وغير مستقرة في الأسعار تعني صعوبة وضع خطط إنفاق متوازنة، وتزيد من خطر توسّع الإنفاق الجاري على حساب الاستثمار، إذا تعاملت الحكومة مع العائدات الإضافية كفائض دائم لا ظرفي.
اضطراب السوق العالمي ينعكس على عقود البيع، فكلما زاد تذبذب الأسعار قصرت آجال التعاقد وتزايدت حساسية الأسواق للأخبار السياسية، ما يضع العراق أمام موازنة سنوية قائمة على افتراضات هشة.
ويحذّر عسكر من أنّ "أي اضطراب في السوق النفطي العالمي نتيجة الحرب على فنزويلا قد يعرقل مشاريع الاستثمار ويزيد الضغوط التضخمية على المستهلكين في العراق، ما يستدعي اتخاذ إجراءات احترازية لمواجهة أي صدمة اقتصادية"، مؤكدا أنّ الرهان على الأسعار المرتفعة وحدها "ليس سياسة مالية آمنة في بيئة إقليمية وعالمية شديدة التقلّب".
إحدى التداعيات المتوقعة لاعتقال مادورو وتصعيد المواجهة مع واشنطن هي دفع فنزويلا، في حال بقاء جزء من النظام أو عودته بصيغة ما، إلى تعميق تحالفاتها مع روسيا والصين في ملف الطاقة، سواء لتمويل تطوير الحقول أو لتأمين منافذ تسويق بديلة، ما قد يزيد من حدّة التنافس على حصص السوق بين المنتجين التقليديين في "أوبك بلس" واللاعبين الجدد أو المعاد تموضعهم.
بالنسبة للعراق، فإنّ خريطة بهذا الشكل تعني:
منافسة أشدّ على الأسواق الآسيوية التي تعد الوجهة الرئيسة لصادراته.
احتمال دخول نفط فنزويلي مخفّض السعر إلى أسواق معيّنة، إذا استمر خروجه عن الأطر التقليدية للتسعير والبيع، ما يضغط على حصص بعض الدول المنتجة.
انتقال مركز الثقل في مفاوضات الطاقة بين كتل كبرى (واشنطن وحلفائها، موسكو وبكين وشركائهما)، ما يجعل هامش المناورة الاقتصادي والسياسي للدول المتوسطة، ومنها العراق، أضيق إذا لم تحصّن موقفها بسياسات داخلية متماسكة.
في المحصلة، تكشف "الحرب الأمريكية على فنزويلا" واعتقال مادورو عن معادلة مزدوجة: من جهة، ترفع علاوة المخاطر في سوق النفط وتفتح الباب أمام موجة جديدة من التقلّبات السعرية، قد تمنح العراق إيرادات إضافية على المدى القصير؛ ومن جهة أخرى، تعمّق هشاشة نموذج الاعتماد الكلّي على مورد واحد يخضع كل يوم لصدمات جيوسياسية لا يمكن التنبؤ بها.
لهذا يشدد أحمد عسكر على أنّ "التحولات الجيوسياسية في أسواق النفط تتطلب من العراق تنويع مصادر إيراداته وتقليل الاعتماد الكلي على النفط، مع وضع خطط استباقية للتعامل مع أي اضطرابات في السوق العالمي"، معتبرا أنّ تداعيات هذه الحرب "ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة الدول المنتجة، مثل العراق، على إدارة اقتصاداتها وسط أزمات دولية متلاحقة، من دون الوقوع مجددا في فخ الإنفاق القصير الأمد على حساب الإصلاح البنيوي طويل الأجل".
تقرير: محرر الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل كشف مصدر أمني، اليوم الجمعة ( 3 نيسان 2026 )، عن تعرض مدينة أربيل لهجوم واسع نفذته سبع طائرات مسيّرة، تزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي في سماء المنطقة. من جانبه، طمأن محافظ أربيل، أوميد خوشناو، الرأي العام مؤكداً أن الدفاعات الجوية