سياسة / ملفات خاصة 3-01-2026, 17:47 | --
+A -A

"أنتهى وقتكم"


بعد افتتاحه 2026 بإعلان حرب شاملة: كيف سيقلب سافايا الطاولة على رؤوس الجميع وينفذ تهديده؟

بغداد اليوم - بغداد

في اليوم الأول من عام 2026 اختار مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق، مارك سافايا، أن يفتتح السنة بـ"وعد تاريخي": عام لنهاية الميليشيات والسلاح المنفلت والفساد والتدخّلات الخارجية، ومعها سلسلة طويلة من العلل التي أثقلت الدولة والمجتمع. ففي رسالته إلى العراقيين، قدّم سافايا نفسه بوصفه حامل "عام الحسم"، متعهّدا بالعمل على أن تكون 2026 سنة نهاية عدم الاستقرار، ونهب الثروات، وضعف الخدمات، والتهريب، والبطالة، والميليشيات، وغسيل الأموال، والعقود الوهمية، والفقر، والتدخّلات الخارجية، والاختلاسات، وعدم المساواة، والفساد، والتحايل على القانون، والظلم.

هذه "القائمة الطويلة" تحوّلت في الخطاب السياسي والإعلامي إلى "18 ملفا حاسما" قال سافايا إنّها ستكون ضمن أولويّات مهمّته في العراق خلال العام الجديد، في خطاب مشحون برسائل الردع من قبيل: "انتهى وقتكم وبدأ وقت العراق والعراقيين". لكن ما إن هدأت موجة العناوين اللامعة حتّى برز سؤال أبسط وأكثر قسوة: هل يمكن فعلا حسم 18 عقدة عراقية مزمنة في 12 شهرا، حتّى لو حملها مبعوث يتمتّع بثقل استثنائي في البيت الأبيض؟

الملفات الـ18 في خطاب سافايا: خريطة أزمة دولة

بحسب ما تضمّنته رسالة سافايا وتصريحات محيطة بها، يمكن تلخيص الملفات الـ18 التي وضعها تحت عنوان "عام الحسم" كما يأتي:

  1. عدم الاستقرار السياسي والأمني.

  2. نهب ثروات البلد.

  3. ضعف الخدمات (الكهرباء، الماء، الصحّة، التعليم).

  4. السلاح المنفلت خارج إطار الدولة.

  5. التهريب (النفط، البضائع، العملة) عبر المنافذ والحدود.

  6. البطالة، خصوصا بين فئة الشباب.

  7. الميليشيات المرتبطة بمحاور خارجية أو الخارجة عن منطق الدولة.

  8. غسيل الأموال عبر المصارف وشركات الصيرفة والواجهات الاقتصادية.

  9. الجهل السياسي والمدني بوصفه بيئة للتلاعب بالخطاب الطائفي والشعبوي.

  10. التوتّرات الداخلية بين الكتل والمكوّنات والمحافظات.

  11. العقود الوهمية والمشاريع الورقية في مختلف القطاعات.

  12. الفقر وما يرتبط به من فجوة اجتماعية متفاقمة.

  13. التدخّلات الخارجية في القرار والملفّات السياديّة.

  14. الاختلاسات المباشرة من المال العام.

  15. عدم المساواة في توزيع الثروة والفرص بين المناطق والفئات.

  16. الفساد بوصفه مظلّة عامّة لكلّ الشبكات المالية والسياسية.

  17. التحايل على القانون واستعماله درعا لحماية النافذين.

  18. الظلم الواقع على المواطن البسيط وشرائح الضحايا والمهمّشين.

على الورق، تبدو هذه القائمة أقرب إلى "خريطة أزمة دولة" منها إلى برنامج لعام واحد. فهي تلامس تقريبا كلّ ما تراكم بعد 2003 من أعطاب في السياسة والاقتصاد والأمن، وتضعها في سلّة واحدة تحت عنوان 2026.

مبعوث خارج المدرسة الدبلوماسية: من "ملك القنّب" إلى رجل المهمّات العراقية

جزء من الجدل حول سافايا لا يتعلّق بما قاله في رسالة رأس السنة فقط، بل بطبيعة الرجل نفسه. فالمبعوث الجديد ليس دبلوماسيا مهنيا خرج من مدرسة وزارة الخارجيّة الأمريكية، بل رجل أعمال من أصول عراقية كلدانية، صنع ثروته في صناعة القنّب القانوني في ولاية ميشيغان، وتصفه تقارير صحفية أمريكية بأنّه واحد من أبرز وجوه هذا القطاع، و"ملك القنّب" في ديترويت.

مسيرته السياسية مرتبطة أكثر بعالم الحملات الانتخابية وتمويل الجمهوريين، إذ برز كأحد داعمي ترامب في ميشيغان، قبل أن يتحوّل فجأة من واجهة تجارية مثيرة للجدل إلى مبعوث خاص يتولّى واحدا من أعقد الملفّات في الشرق الأوسط.

تحليلات عديدة ربطت بين تعيينه وبين رغبة إدارة ترامب في التعامل مع العراق عبر "رجل ثقة" خارج السلك الدبلوماسي التقليدي، يمتلك وصولا مباشرا للرئيس، وقادرا على التحرّك بخفّة بين عالم السياسة والأعمال والأمن، مع تركيز خاص على ثلاثة عناوين: النفوذ الإيراني، والميليشيات، وإعادة رسم شروط الاستثمار والطاقة في بلد يملك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم.

بهذا المعنى، فإنّ رسالة رأس السنة ليست مجرّد تهنئة بروتوكولية، بل إعلان برنامج سياسي وأمني أمريكي بقناة تنفيذية جديدة، يضع عام 2026 كعام اختبار لقدرة واشنطن على إعادة صياغة قواعد اللعبة داخل العراق.

الوعود طموحة… لكن العقدة في بنية النظام لا في النصوص

من داخل العراق، جاءت قراءة الباحث والأكاديمي علي الجبوري أكثر حذرا، وأقرب إلى تفكيك المسافة بين الشعار والقدرة الفعلية. يقول الجبوري لـ"بغداد اليوم" إنّ "الوعود التي نُقلت عن مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق، مارك سافيا، بشأن أن تكون سنة 2026 عام إنهاء السلاح المنفلت والميليشيات والفساد والتدخّلات الخارجية، تندرج في إطار الخطاب السياسي الطموح، لكنها تصطدم بواقع عراقي شديد التعقيد يجعل تحقيقها الكامل أمرا بالغ الصعوبة دون تغييرات جذرية".

ويضيف أنّ "مشكلة السلاح المنفلت ليست أمنية فقط، بل هي نتاج تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية امتدّت لسنوات، حيث أصبحت بعض الفصائل المسلحة جزءا من معادلة النفوذ السياسي والاقتصادي، وتمتلك امتدادات داخل مؤسّسات الدولة وخارجها، ما يجعل تفكيكها أو تحجيمها قرارا سياديا داخليا معقّدا، وليس نتيجة تعهّد أو ضغط خارجي فقط".

ويربط الجبوري بين ملفّ الميليشيات والخريطة الأوسع للصراع في الإقليم، مؤكّدا أنّ "ملفّ الميليشيات يرتبط ارتباطا مباشرا بتوازنات إقليمية ودولية، وأيّ حديث عن إنهائها أو حصر السلاح بيد الدولة يتطلّب إرادة سياسية عراقية موحّدة وغير منقسمة، وتوافقا داخليا واسعا يسبق أيّ تحرّك ميداني، إضافة إلى تقليص الاعتماد على المحاور الخارجية في القرار الوطني".

ثمّ ينتقل إلى العقدة الثانية في خطاب سافايا: الفساد. فبحسب الجبوري "الفساد في العراق بنيوي وليس ظرفيا، إذ تغلغل في مفاصل الدولة عبر شبكات مصالح عابرة للأحزاب، والقضاء على الفساد لا يمكن أن يتحقّق بشعارات زمنية، بل يحتاج إلى إصلاح إداري وقانوني عميق، وتفعيل حقيقي للمساءلة، وحماية للمؤسّسات الرقابية من الضغوط السياسية".

أمّا عن التدخّلات الخارجية، فيقول إنّ "العراق لا يزال ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، وأنّ تقليص هذه التدخّلات مرهون بقدرة الدولة على تعزيز سيادتها الاقتصادية، وتوحيد سياستها الخارجية، وبناء علاقات متوازنة قائمة على المصالح لا الاصطفافات".

ويختم الجبوري قراءته بتحذير من تحويل 2026 إلى "سنة معجزات": "عام 2026 قد يشهد خطوات جزئية أو تحسّنا نسبيا إذا توفّرت إرادة وطنية حقيقية، لكن تصويره كعام حاسم لنهاية كلّ هذه الملفّات الشائكة يبدو أقرب إلى الوعود السياسية والشعارات منه إلى برنامج قابل للتنفيذ على أرض الواقع ما لم تتغيّر قواعد اللعبة الداخلية جذريا".

بهذا التوصيف، يتحوّل خطاب سافايا من "وعد حسم" إلى نقطة قياس: أين يبدأ ما يمكن إنجازه فعلا، وأين تنتهي قدرة أيّ مبعوث خارجي عندما تلامس أسئلته بنية النظام نفسه.

السلاح المنفلت والميليشيات: الملف الذي يختبر صدقيّة الشعار

إذا كان سافايا قد جمع 18 عنوانا في سلّة واحدة، فإنّ أوّل ما ستحاكمه به القوى العراقية والشارع هو ملفّ الميليشيات والسلاح المنفلت. هذا الملفّ تحديدا لا يرتبط فقط بالفوضى الأمنية، بل بموقع هذه الفصائل داخل الدولة، وبتشابكها مع اقتصاد الظلّ، ومع شبكة تحالفات تمتدّ من طهران إلى دمشق وبيروت.

جزء كبير من المقاربة الأمريكية للعراق في السنوات الأخيرة وضع هذه الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في قلب الاهتمام، وربط بين أيّ مسعى لإعادة ترتيب الوجود الأمريكي وبين قدرة بغداد على ضبط هذه الفصائل أو إعادة دمج أجزاء منها في مؤسّسات الدولة وفق قواعد جديدة.

لكن هنا تحديدا تظهر حدود "عام الحسم". فالميليشيات لم تعد مجرّد تشكيلات مسلّحة خارج القانون؛ بعضها يمتلك تمثيلا سياسيا، وواجهات اقتصادية، وحضورا في البرلمان والحكومة، ويحظى بقاعدة اجتماعية في محافظات معيّنة. أيّ محاولة "مباشرة" لإنهاء هذا النفوذ خلال سنة واحدة تعني عمليا إعادة توزيع القوّة داخل النظام العراقي، وليس مجرّد تطبيق سلسلة قرارات أمنية. هذا النوع من التحوّلات لا يُدار برسالة تهنئة، بل بتسويات داخلية عميقة لم تتبلور بعد.

الفساد البنيوي والاقتصاد الموازي: حين تتقاطع قائمة سافايا مع شبكة الغنيمة

جزء آخر من قائمة سافايا يتعلّق بالفساد، وغسيل الأموال، ونهب الثروات، والعقود الوهمية، والاختلاسات، وضعف الخدمات. هذه ليست عناوين معلّقة في الهواء، بل ملامح منظومة تشكّلت خلال أكثر من عقدين، ربطت بين المال العام، والمحاصصة الحزبية، وتحويل العقود والمشاريع إلى أداة غنيمة، كما تكشفه تقارير رقابية وإعلامية عراقية عن الموانئ، والمنافذ، والعقود النفطية، وصفقات الإعمار.

حين يقول الجبوري إنّ الفساد "بنيوي"، فهو يشير ضمنا إلى أنّ تفكيكه يتطلّب إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والأحزاب والاقتصاد، لا مجرّد ملاحقة بعض الأسماء أو فتح عشرات الملفّات إعلاميا. هنا أيضا تبدو قدرة مبعوث خارجي، مهما كانت علاقته بالبيت الأبيض، محدودة من دون قرار داخلي يعيد تعريف شكل النظام السياسي نفسه، أو على الأقل يضع "خطوطا حمراء" جديدة تحمي ما تبقّى من الدولة من عمليّات النهب المنظّم.

التدخّلات الخارجية وحدود قوّة واشنطن

في قائمة سافايا أيضا "التدخّلات الخارجية" و"التوتّرات الداخلية"، وكأنّ المبعوث يحاول أن يلمّ بكلّ ما يُتَّهَم به الفاعلون الإقليميون في العراق خلال السنوات الماضية. لكن المفارقة أنّ واشنطن نفسها واحدة من أهمّ اللاعبين الخارجيين في الساحة العراقية؛ وجود القوّات الأمريكية، وشبكة التحالفات، ودور المؤسّسات المالية الدولية، كلّها تجعل الولايات المتّحدة جزءا من معادلة التدخّل لا مراقبا من الخارج فقط.

هنا يبرز سؤال مزدوج: إلى أيّ حدّ تستطيع إدارة ترامب تقليص نفوذ خصومها الإقليميين في العراق، وفي مقدّمتهم إيران، من دون أن تُنظَر هي نفسها بوصفها طرفا يمارس تدخّلا موازيا؟ وإلى أيّ حدّ تملك بغداد هامشا حقيقيا لتقول "لا" لأيّ من المحاور المتنافسة، إذا لم تُعزَّز سيادتها الاقتصادية وتُخفَّض مستويات الارتهان في ملفّات الطاقة والتمويل والسلاح؟

2026: سنة اختبار للداخل قبل أن تكون سنة اختبار لسافايا

رسالة سافايا حول "نهاية زمن الفساد والميليشيات" منحت جزءا من الشارع جرعة أمل، وقدّمت للإعلام مادّة جاهزة لعناوين لامعة. لكنها، في الوقت نفسه، رفعت سقف التوقّعات إلى مستوى يصعب على أيّ فاعل سياسي، داخليا كان أم خارجيا، أن يفي به كاملا خلال عام واحد.

إذا انطلقنا من قراءة علي الجبوري، يصبح السؤال الأساسي ليس: هل يستطيع سافايا إنهاء 18 ملفا في 2026؟ بل: هل يملك النظام السياسي العراقي استعدادا لفتح هذه الملفّات من جذورها؟

من دون إرادة سياسية موحّدة نسبيا، وتسويات داخلية تعيد تعريف دور السلاح، وتحصين حقيقي لمؤسّسات الرقابة والقضاء، ستبقى رسالة المبعوث الأمريكي أشبه بـ"بيان نوايا" أكثر منها خارطة طريق ملزمة. عام 2026 قد يتحوّل إلى عام انتقال، تُختبَر فيه حدود واشنطن وحدود بغداد في آن واحد: الأولى من جهة مدى استعدادها لاستخدام أدوات الضغط والحوافز، والثانية من جهة استعدادها للتخلّي عن جزء من شبكة المصالح التي صُنِعت بعد 2003.

بين عبارة "انتهى وقتكم" التي وجّهها سافايا "لمن عاثوا في أرض العراق فسادا"، وتحذير الجبوري من أنّ تغيير قواعد اللعبة يحتاج إلى ما هو أعمق من الخطابات، يقف العراق على عتبة سنة يمكن أن تكون بداية مسار مختلف، أو مجرّد حلقة جديدة في سلسلة الوعود المؤجّلة. الفارق سيُحسَم، كالعادة، في الداخل قبل الخارج.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

القيادة المركزية الأمريكية تنفي سقوط مقاتلة فوق جزيرة قشم

بغداد اليوم - متابعة أكدت القيادة المركزية الأمريكية، بوم الخميس ( 2 نيسان 2026 )، أن ما أعلنه الحرس الثوري الإيراني حول إسقاط مقاتلة أمريكية فوق جزيرة قشم في مضيق هرمز هو "غير صحيح". وقالت القيادة في بيان إن "جميع مقاتلاتنا موجودة

اليوم, 00:06