سياسة 28-12-2025, 23:27 | --
+A -A

دبلوماسية الغرف المغلقة


بين بغداد وواشنطن وطهران.. تفاصيل الحراك العراقي لترتيب "لقاء الضرورة" بعيداً عن ضجيج الإعلام

بغداد اليوم – بغداد

بين ضجيج التصعيد في الإقليم، تتحرك بغداد كعاصمة تحاول استعادة دورها السياسي عبر مسعى لترتيب لقاء ثنائي بين واشنطن وطهران لاستئناف المفاوضات. وفيما تتحدث إيران عن انفتاح محسوب على مبادرة عراقية لخفض التوتر، تبقي شروطها حاضرة: جدية بلا ضغوط ولا تهديدات ولا إملاءات، وذاكرة عقوبات وانسحاب ما زالت تغذي فجوة عدم الثقة. هكذا تبدو المبادرة العراقية رهانا على تحويل فكرة اللقاء إلى مسار قابل للحياة، لا مجرد جولة جديدة تعيد إنتاج تفاوض غير متكافئ.

انفتاح إيراني محسوب.. والوساطة العراقية "مقبولة من حيث المبدأ"

مصادر في وزارة الخارجية الإيرانية أكدت لـ"بغداد اليوم" أن طهران لا تعارض مبدأ الوساطة العراقية، وتتعامل بانفتاح محسوب مع أي مبادرة إقليمية تهدف إلى خفض التوتر، ولا سيما إذا جاءت من بغداد التي تربطها بإيران علاقات سياسية وجغرافية خاصة. هذا الانفتاح، كما تصفه المصادر، ليس تفويضا مطلقا ولا حماسة مجانية، بل هو محاولة لترك الباب مواربا أمام مبادرة قد تخفف الضغط من دون أن تفرض على طهران كلفة سياسية داخلية أو تنازلات مسبقة.

وبحسب ما تقول المصادر، فإن قبول الوساطة العراقية لا ينفصل عن موقع بغداد في معادلة العلاقة مع إيران: بلد جار، ممتد المصالح، متداخل الملفات، وقادر على أن ينقل الرسائل ويقرأ مزاج الطرفين في لحظات التحول. لكن هذه القدرة، وفق القراءة الإيرانية نفسها، ينبغي أن تبقى ضمن حدود "خفض التوتر" لا ضمن تحويل الوساطة إلى منصة ضغط أو شروط، لأن طهران ترى أن التفاوض الذي يبدأ تحت الضغط ينتهي عادة بمخرجات غير متوازنة.

شروط طهران: مفاوضات جدية بلا تهديد ولا إملاءات

المصادر شددت على أن أي مفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة يجب أن تقوم على أسس واضحة، تتمثل في الجدية وغياب الضغوط والتهديدات، ورفض الإملاءات المسبقة أو الشروط الأحادية، معتبرة أن تجارب الماضي لا تسمح بتكرار مسارات تفاوضية غير متكافئة. المعنى هنا ليس لغويا فقط، بل سياسيا أيضا: طهران تريد أن تختبر ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتفاوض بوصفه "مسارا" لا "أداة"، وأن كانت مستعدة لتقديم ما يكفي من الإشارات التي تجعل الجلوس على الطاولة أمرا ممكنا أمام الرأي العام الإيراني، لا مجرد خطوة شكلية تعود بعدها العقوبات والضغوط بصيغة جديدة.

واللافت في هذا الشرط أنه يضع سقفا مبدئيا: لا تفاوض تحت التهديد، ولا تفاوض مع شروط جاهزة، ولا تفاوض أحادي الاتجاه. بمعنى آخر، تريد طهران أن تبدأ المفاوضات من نقطة "تكافؤ نسبي" لا من نقطة "اختبار ولاء"، وهذا يفسر لماذا تصف الانفتاح بأنه محسوب، ولماذا تربط أي تقدم بتغيير حقيقي في السلوك الأمريكي.

عقدة "عدم الثقة".. الاتفاق النووي حاضر والعقوبات مستمرة

وبحسب المصادر، فإن عدم الثقة بالسياسات الأمريكية ما زال حاضرا بقوة داخل دوائر صنع القرار في طهران، في ضوء الانسحاب من الاتفاق النووي واستمرار العقوبات، وهو ما يجعل أي انخراط تفاوضي مشروطا بتغيير حقيقي في السلوك الأمريكي. هذه الجملة تحديدا تختصر جوهر العقدة: إيران لا تريد العودة إلى تجربة تفاوض تنتج اتفاقا ثم يتم الانقلاب عليه، ولا تريد تقديم تنازلات ثم تجد نفسها بعد أشهر أمام منظومة عقوبات أشد أو ضغوط أكبر.

في ذهن طهران، الاتفاق النووي لم يكن مجرد ورقة سياسية، بل تجربة شاملة عن معنى الضمانات ومعنى الثقة. لذلك، فإن أي مبادرة اليوم، حتى لو جاءت من بغداد، ستبقى محكومة بسؤال واحد: ما الذي يضمن أن واشنطن لن تعيد استخدام الاتفاق كمرحلة مؤقتة ثم تعود إلى سياسة الضغط؟ لهذا تضع طهران شرط "التغيير الحقيقي" كخط دفاع أول قبل أن تتحرك خطوة واحدة نحو مسار تفاوضي جديد.

قنوات هادئة وبعيدة عن الأضواء.. لماذا تفضلها طهران؟

المصادر الإيرانية لفتت إلى أن طهران تفضل العمل عبر قنوات دبلوماسية هادئة وبعيدة عن الأضواء، لتفادي الضغوط الإعلامية والسياسية، وبما ينسجم مع الجهود الإقليمية غير المعلنة. هنا يظهر بعد آخر: إيران لا تريد أن تتحول المفاوضات إلى عرض إعلامي أو مادة للاستهلاك السياسي، لأن ذلك يرفع سقف التوقعات ويقيد هامش المناورة ويضع أي تنازل محتمل تحت نار التشهير الداخلي.

ولهذا، فإن طهران تفضل القنوات الهادئة التي تسمح بتبادل الرسائل وتثبيت الأرضية قبل إعلان أي خطوة. وهذا يضع العراق أمام اختبار صعب: كيف يعلن مسعى الترتيب لبغداد، وفي الوقت نفسه يحافظ على طبيعة القنوات التي تريدها طهران؟ وكيف يمنع أن تصبح المبادرة العراقية نفسها جزءا من ضغط داخلي أو خارجي على إيران؟

السوداني: نعمل بهدوء ونرتب لقاء ثنائيا في بغداد

في المقابل، قال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إن حكومته "تعمل بهدوء ومن دون ضجيج إعلامي لتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن"، مؤكدا أن العراق لن يدخر جهدا في دعم أي مسعى يساهم في استقرار المنطقة وحماية أمنها. هذا الوصف ينسجم مع ما تقوله طهران عن القنوات الهادئة، لكنه يحمل أيضا رسالة سياسية: بغداد تريد أن تظهر بمظهر الوسيط الذي لا يستثمر المبادرة للدعاية، بل يسعى إلى إنتاج نتيجة قابلة للحياة.

وأضاف السوداني خلال مقابلة تلفزيونية أن العراق يبذل حاليا جهودا مهمة لترتيب عقد اجتماع ثنائي بين إيران والولايات المتحدة في بغداد بهدف استئناف الحوار بين الجانبين، موضحا أن بلاده لعبت في مراحل عدة دورا في خفض التوتر بين طهران وواشنطن. حين يقول السوداني إن بغداد لعبت أدوارا سابقة، فهو يعيد وضع العراق داخل مفهوم "الوسيط الضروري" لا "الوسيط العابر": بلد يعرف الطرفين، يتعامل معهما يوميا، ويدفع ثمن أي تصعيد مباشرة في أمنه واقتصاده واستقراره.

وقال السوداني: "نحن الآن نقوم بجهد مهم لترتيب لقاء ثنائي بين إيران والولايات المتحدة في بغداد من أجل استئناف المفاوضات". هذه العبارة تمثل انتقالا من العموميات إلى التفاصيل: لقاء ثنائي، في بغداد، لاستئناف مفاوضات. أي أن المسعى لا يتوقف عند تبادل رسائل، بل يتقدم نحو سقف سياسي أعلى.

باراك حاضر في الكواليس.. وشروط الطرفين على الطاولة

وأشار السوداني إلى أنه خلال لقائه مع توماس باراك، المبعوث الأمريكي، جرى بحث إمكانية الاستفادة من علاقات العراق مع إيران لإعادة إطلاق المفاوضات بين طهران وواشنطن، مؤكدا أن الطرفين لا يعارضان مبدأ التفاوض، لكن لكل منهما شروطه ومطالبه الخاصة. ذكر اسم باراك هنا ليس تفصيلا ثانويا، بل إشارة إلى أن المبادرة لم تبق حبيسة الرغبة العراقية، وأنها طرحت مع قناة أمريكية مباشرة، ضمن محاولة لتقريب المسافات بين "الرغبة" و"القبول".

ومع ذلك، فإن جملة "لكل منهما شروطه" تكشف أن الطريق ليس معبدا. واشنطن تريد مسارا يضمن مصالحها وشروطها، وطهران تريد مسارا بلا ضغوط ولا إملاءات، والعراق يحاول أن يصوغ هذا التعارض ضمن صيغة لقاء يمكن أن يبدأ من نقطة مشتركة: التفاوض من حيث المبدأ.

ما الذي تريده بغداد؟ وما الذي تخشاه؟

بالنسبة للعراق، نجاح لقاء في بغداد لا يعني فقط خفض توتر إقليمي، بل يعني أيضا حماية الداخل من ارتدادات أي تصعيد، وتثبيت صورة بغداد كعاصمة قادرة على لعب دور سياسي لا أمني فقط، خصوصا مع أن أي مواجهة أمريكية إيرانية غالبا ما يمر ظلها عبر الساحة العراقية، سواء من خلال الاقتصاد أو الأمن أو حركة الفصائل أو انعكاسات العقوبات.

لكن في المقابل، فشل المسعى أو تعثره قد يفتح الباب أمام قراءات قاسية: هل بغداد تملك فعلا ما يكفي من النفوذ لتقريب طرفين يتعاملان بعدم ثقة؟ وهل تستطيع أن تحافظ على توازنها بين الطرفين دون أن تدفع ثمنا داخليا؟ وهل يتحول فشل المبادرة إلى زيادة ضغوط على العراق بدل تقليلها؟

نافذة مفتوحة.. لكنها ضيقة

إيران تقول إنها منفتحة، لكنها تريد مفاوضات بلا تهديد ولا إملاءات وبضمانات تغير السلوك الأمريكي. والعراق يقول إنه يعمل بهدوء لترتيب لقاء ثنائي في بغداد. وبين الاثنين، تقف واشنطن بوصفها الطرف الذي يملك مفاتيح العقوبات والضغوط، لكنه أيضا يملك قرار تخفيفها إذا أراد.

النافذة مفتوحة، لكنها ضيقة، وكل تفصيل فيها سيحدد: هل تتحول بغداد إلى منصة تفاوض حقيقية تنتج مسارا جديدا، أم تبقى مجرد محطة وسيطة في طريق مفاوضات لا تزال معلقة على شروط الكبار وتوازناتهم.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

المدرس "يكشف المستور": مافيات عقارية وموظفون بالكهرباء يعرقلون استملاك أراضي الموظفين- عاجل

بغداد اليوم - بغداد استكمالاً للملف الذي فتحته وكالة "بغداد اليوم" بشأن أراضي موظفي وزارة الكهرباء، كشف رئيس مجلس إدارة الجمعية التعاونية الإسكانية للموظفين، مصعب المدرس، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، عن عمليات عرقلة وابتزاز ممنهجة تطال حقوق

اليوم, 15:17