سياسة / أمن / ملفات خاصة 30-12-2025, 11:33 | --
+A -A

في أروقة التزوير


"هولوكوست العقارات".. لماذا صمدت أملاك اليهود في بغداد وسقطت دور المسيحيين في فخ المصادرة؟

بغداد اليوم - بغداد

في الوقت الذي تنهمك فيه مدن نينوى وسهلها في لملمة أشلاء الذاكرة وتضميد جراحها الغائرة من آلام "الاحتلال الداعشي" الصريح، تطفو على سطح المشهد البغدادي أرقام مرعبة وشهادات سياسية تشخص "احتلالاً ناعماً" تعرض له المكون المسيحي في قلب العاصمة. هذا الاحتلال لم يأتِ على متن سيارات مفخخة أو رايات سوداء، بل تسلل عبر "كاتم الصوت" الذي أرعب العائلات، و"محابر التزوير" التي استُخدمت داخل ردهات الدوائر العقارية المظلمة؛ ليتحول السلاح المنفلت من أداة قتال إلى "غطاء استيطاني" صادر المنازل والمستقبل معاً.

إن ما جرى في أحياء الكرادة، والدورة، والغدير، يمثل "إبادة عقارية" استهدفت قطع الجذور التاريخية للمكون الأصيل في بغداد. فبينما كان العالم يرقب جبهات القتال، كانت هناك جبهة صامتة تُدار بـ "مشرط المافيات" المحمية سياسياً، حيث تُنزع الملكية من صاحبها بـ"جرة قلم" مزورة أو بتهديد مباشر يجبره على بيع إرث أجداده بثمن بخس مقابل "النجاة بالعمر". هذا النزيف الديموغرافي وضع الدولة العراقية اليوم أمام "اختبار وجودي"؛ إذ لا تقتصر المعركة على استعادة طابو (سند ملكية) مسلوب، بل في استعادة "الهوية التعددية" لبغداد، وإثبات أن سيادة القانون قادرة على دحر "دولة المافيات" التي استوطنت في غفلة من الزمن وسطوة من السلاح.

صرخة في وجه "المصادرة المنظمة": بغداد التي استُبيحت بلا قتال

السياسي المسيحي البارز، يونادم كنا، فجّر قنبلة سياسية حين كشف عن مفارقة صادمة؛ مؤكداً بتصريحات متلفزة، أن بغداد التي لم يطأها تنظيم "داعش" عسكرياً، ومع ذلك، شهدت مصادرة نحو 90% من أملاك المسيحيين فيها على يد جهات مسلحة ومجاميع استغلت فوضى السلاح وتراخي قبضة الدولة في الحقب الماضية. هذه النسبة المرعبة تعكس حجم الانهيار في المنظومة الحمائية للممتلكات الخاصة، حيث لم تكن الحاجة لغزو عسكري لإحداث تغيير ديموغرافي، بل كانت "البيروقراطية المخترقة" وسلطة السلاح كفيلة بتحقيق ذلك.

كنا ذهب إلى أبعد من ذلك في مقارنة "مؤلمة" حين أشار إلى أن "أملاك اليهود في العراق مؤمنة أكثر من أملاك المسيحيين". ومن الناحية التحليلية، تفتح هذه المقارنة الباب على ثغرة قانونية كبرى؛ فأملاك الطائفة اليهودية التي خضعت لـ "الجمود القانوني" وسجلات "الأموال المجمدة" القديمة، بقيت تحت وصاية سيادية مباشرة تجعل من التلاعب بها مخاطرة كبرى أمام الدولة، بينما ظلت عقارات المسيحيين في مناطق الكرادة، والغدير، والدورة "مكشوفة" لأنها أملاك حية لمواطنين، مما جعلها هدفاً سهلاً لـ "مافيات العقارات" المحمية سياسياً.

هذه المافيات لم تكتفِ بالتهديد المباشر، بل عمدت إلى هندسة عمليات تزوير معقدة داخل دوائر التسجيل العقاري، مستغلة غياب أصحاب الأملاك في المهجر أو عجزهم عن المواجهة القضائية. إن هذا الواقع حوّل السكن في أحياء بغداد العريقة إلى "مخاطرة وجودية" للمكون المسيحي، مما سرّع من وتيرة "الهجرة القسرية" التي لم تكن خياراً، بل كانت نتيجة حتمية لضياع المأوى وانسداد أفق الحماية القانونية، الأمر الذي أفرغ العاصمة من أحد أهم أركانها التاريخية وأحال مدنها التعددية إلى كتل إسمنتية تخضع لسطوة الأمر الواقع.

من "عصر التخويف" إلى "بسط النفوذ القضائي": رهان الدولة في مواجهة الفوضى

وفي تشخيص استراتيجي لهذا الملف، يرى الخبير في الشؤون الاستراتيجية، علي ناصر، في حديث لـ "بغداد اليوم"، أن ما شهدته البلاد بعد عام 2003 كان نتاجاً طبيعياً لبيئة أفرزها انتشار السلاح المنفلت وغياب فرض القانون، وهي ظروف خلقت مناخاً خصباً لمجاميع "امتهنت التخويف" كأداة للسيطرة، وعمدت إلى سرقة الممتلكات عبر تزوير المستندات الرسمية وتطويع الأوراق الثبوتية لصالح قوى الأمر الواقع. هذا التوصيف يعكس مرحلة "الانكشاف الأمني" التي حولت العقارات إلى غنائم حرب بعيداً عن الرقابة المؤسساتية.

إلا أن ناصر يطرح رؤية "متفائلة" تستند إلى قراءة المتغيرات الحالية في بنية السلطة، مؤكداً أن "قوة الدولة بدأت تغلب قوة السلاح" في مرحلة التعافي الراهنة. ويستند هذا التفاؤل إلى حالة الاستقرار الأمني الملحوظة التي تعيشها بغداد، والتي وفرت غطاءً آمناً لتحرك المؤسسات القضائية بعيداً عن ضغوط الفصائل أو المافيات المحلية. ويرى ناصر أن هذا التحول، المدعوم بنزاهة القضاء، فتح نافذة أمل حقيقية لاستعادة الحقوق المسلوبة؛ حيث انتقل الملف من "مواجهة في الشارع" إلى "صراع في المحاكم"، وهو ما يمنح المواطن المسيحي القدرة على إبراز وثائقه الثبوتية والمطالبة باسترداد أملاكه عبر قنوات قانونية بدأت تستعيد هيبتها وقدرتها على التنفيذ.

إن الانتقال من مرحلة "سيادة السطوة" إلى مرحلة "بسط النفوذ القضائي" يمثل جوهر التغيير الذي يراه ناصر؛ فالمعادلة التي كانت تميل كفتها لصالح الجماعات المسلحة في سنوات الفوضى، بدأت تميل اليوم لصالح "سلطة القانون". هذا التحول يضع الدولة أمام مسؤولية حماية المشتكين وتأمين إجراءات استرجاع العقارات، لضمان ألا تبقى "قوة الدولة" شعاراً نظرياً، بل واقعاً ملموساً يلمسه المواطن الذي هُجر وصودر منزله في ذروة الانفلات، مما يجعل من "مطرقة القضاء" الأداة الوحيدة لترميم التصدعات الاجتماعية العميقة.

التزوير كأداة "إفراغ ديموغرافي" وهندسة الاستيطان العقاري

وبالبحث في عمق هذه الأزمة، يتضح أن عمليات "المصادرة" الممنهجة لم تكن مجرد حوادث سرقة جنائية عابرة أو سعياً وراء كسب مادي سريع، بل كانت استراتيجية تخدم "إفراغاً ديموغرافياً ناعماً" يهدف إلى تغيير ملامح العاصمة التاريخية. فبينما كانت أجهزة الدولة العسكرية ومنظومتها السياسية منشغلة بمحاربة الإرهاب التقليدي على الجبهات المفتوحة، كانت "الجبهة الداخلية" المتمثلة في دوائر التسجيل العقاري تشهد حرباً من نوع آخر؛ حرباً استُخدمت فيها الثغرات الإدارية والولاءات الفرعية للتلاعب بسجلات عائلات هاجرت قسراً تحت وطأة الخوف، لينتج عن ذلك واقع مرير يجد فيه المالك الأصلي نفسه "غريباً" أو "منتحلاً" في الأوراق الرسمية لبيته الذي قضى فيه عقوداً.

هذه "الهندسة العقارية" اعتمدت على تغييب المالك الأصلي وتزوير إرادته عبر وكالات مزيفة أو قرارات قضائية مشبوهة صُدرت في غفلة من الرقابة، مما حول العقار من "حق ملكية" إلى "أداة استيطان" لجهات متنفذة. إن المقارنة الجوهرية بين أملاك اليهود والمسيحيين تبرهن بشكل قطعي على أن "الحماية القانونية الصارمة والمركزية" هي الدرع الحقيقي للحقوق، وليس الكثافة السكانية أو الوجود الميداني.

فالأملاك التي وضعت الدولة يدها عليها قديماً بموجب قوانين سيادية (كأملاك الطائفة اليهودية) بقيت محصنة داخل "صناديق سيادية" لا تجرؤ مافيات التزوير على اختراقها خشية الصدام المباشر مع هيبة الدولة وقوانينها القديمة المستقرة. وفي المقابل، تُركت أملاك المسيحيين -باعتبارهم مواطنين حيوين تتحرك أملاكهم في سوق التداول اليومي- لمواجهة "سماسرة السلاح" وتجار التزوير بمفردهم، دون وجود مظلة قانونية استثنائية تحمي ملكيات المكونات الضعيفة في أوقات الأزمات الكبرى. إن هذا الفارق في الحماية يفسر كيف نجت "الأملاك المجمدة" من النهب، بينما سقطت "الأملاك الحية" في فخ المصادرة، مما يفرض ضرورة تشريع قوانين "تحصين عقاري" خاصة تحمي ما تبقى من الوجود المسيحي في بغداد من طموحات التوسع غير القانوني.

الجذور الضاربة في طمي الرافدين: المسيحيون.. سكان البلاد وأصحاب الدار

لا يمكن قراءة ملف "المصادرة العقارية" في بغداد بمعزل عن الحقائق التاريخية التي تؤكد أن المكون المسيحي ليس مجرد "أقلية" عددية، بل هو "العمق الحضاري" وسليل الأقوام الرافدينية الأولى التي شيدت دعائم بلاد ما بين النهرين. فالمسيحيون العراقيون، بامتيازاتهم التاريخية كأحفاد لآشور وبابل، يمثلون "السكان الأصليين" الذين لم يبرحوا هذه الأرض منذ فجر الحضارات، بل كانوا الجسر الثقافي الذي نقل علوم الطب والفلسفة والترجمة في العصور الذهبية لبغداد.

إن استهداف أملاك هذا المكون الأصيل لا يمثل اعتداءً على ممتلكات شخصية فحسب، بل هو محاولة لـ "تجريف الذاكرة الوطنية" واقتلاع الجذور التي سبقت وجود العديد من القوى التي تتصارع اليوم على فتات العقارات. فالمسيحي الذي يُهجر اليوم من الكرادة أو الدورة، هو سليل من بنوا بغداد وساهموا في صياغة هويتها المدنية والتعددية؛ لذا فإن ضياع أملاكهم لا يُعد خسارة اقتصادية للمكون، بقدر ما هو "بتر لهوية العراق" وتهديد لآخر معالم التنوع الذي ميز بلاد الرافدين عبر آلاف السنين.

هل تنجح "مطرقة القضاء" في ترميم الثقة واسترجاع السيادة العقارية؟

يبقى التساؤل الجوهري القائم في أروقة بغداد السياسية والدوائر الحقوقية: هل تكفي "نزاهة القضاء" وشجاعة الأحكام وحدها لاستعادة تلك النسبة الصادمة (90%) من الأملاك المصادرة؟ الخبراء والمراقبون يعتقدون أن المعركة القانونية، رغم أهميتها، تظل ناقصة ما لم تقترن بـ "إرادة سياسية تنفيذية" تنقل الأحكام من الورق إلى الواقع. فالكرة الآن ليست في ملعب القضاء فحسب، بل في ملعب الحكومة والمنظومة الأمنية لتنفيذ ما يمكن تسميته بـ "التدقيق العقاري السيادي".

إن الحل الأمثل الذي يطرحه المتخصصون يتجاوز مجرد فتح باب الشكاوى، بل يكمن في فرض "قيد أمني حيوي" استثنائي على أملاك الأقليات والمكونات الضعيفة، بحيث يُمنع نقل ملكية أي عقار أو إجراء أي تصرف قانوني عليه إلا بحضور المالك الشخصي حصراً، وبصمته الحيوية، وتدقيق هويته من قبل لجان عليا مشتركة. هذا الإجراء هو الكفيل بقطع الطريق على "الوكالات المزورة" التي كانت الوقود المحرك لمافيات الاستيلاء، وهو الضمانة الوحيدة لتحويل "الاستقرار الأمني" الذي أشار إليه الخبراء من حالة هدوء مؤقتة إلى بيئة قانونية رصينة تُشجع المهجرين في دول الشتات على العودة والمطالبة بحقوقهم دون خوف من ملاحقة أو تهديد.

إن نجاح الدولة في هذا الملف يمثل "ترميماً للثقة" المفقودة بين المواطن والمؤسسة؛ فاسترداد دار مسلوبة في حي بغدادي عريق يعادل في قيمته السياسية استعادة مدينة من قبضة الإرهاب. إنها معركة لإنهاء حقبة "الاستيلاء بالكاتم" والبدء بحقبة "السيادة بالقانون"، لضمان أن تظل بغداد عاصمة لكل العراقيين، لا ساحة لتصادم النفوذ أو مكاناً تُصادر فيه الهوية بـ "محابر التزوير" وسطوة السلاح.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في "بغداد اليوم"

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14