بغداد اليوم – بغداد
تشهد المدن العراقية خلال السنوات الأخيرة قفزة غير مسبوقة في ملكية السيارات الخاصة، وهو تحول مهم في سلوك التنقل الاجتماعي، لكنه في الوقت نفسه كشف هشاشة البنية التحتية وغياب خطط طويلة الأجل لإدارة الطلب على النقل. وفي ظل هذا الارتفاع، تتداخل الأبعاد الاقتصادية والبيئية والحضرية، ما يجعل أزمة السيارات في العراق أكثر من مجرد مشكلة مرورية عابرة.
أظهرت إحصاءات رسمية أن عدد السيارات المسجلة في العراق تجاوز 8.2 ملايين سيارة بنهاية 2024، مقارنة بنحو 7 ملايين عام 2020، بزيادة ملحوظة في معدل نمو ملكية السيارات بين العراقيين. وصل معدل امتلاك السيارة إلى 187 سيارة لكل 1000 نسمة، ما يعكس اعتماداً كبيراً على المركبات الخاصة في وسائل التنقل اليومية.
وتتوزّع هذه السيارات بشكل غير متوازن جغرافياً: بغداد وحدها تستحوذ على نحو 3 ملايين سيارة — 36% من إجمالي السيارات في البلاد — ما يزيد الضغط على شبكات الطرق والمواقف داخل العاصمة. تليها محافظات مثل أربيل والسليمانية بأعداد كبيرة، خاصة مع ارتفاع ملكية السيارات في المناطق الحضرية بشكل عام.
يربط الخبير الاقتصادي منار العبيدي زيادة أعداد السيارات العراقية بعدة عوامل هيكلية واجتماعية:
ضعف منظومة النقل العام، ما جعل السيارات الخاصة الخيار الأكثر ملاءمة وحتى ضرورة لمعظم المواطنين يومياً.
غياب ضوابط فعالة على استيراد السيارات، حيث دخل العراق عشرات الآلاف من السيارات الصينية وغيرها بسهولة نسبية خلال السنوات الماضية، ما ساهم في زيادة الحظيرة المركبات. فعلى سبيل المثال، استورد العراق أكثر من 18 ألف سيارة صينية خلال النصف الأول من 2025 مقارنة بـ10 آلاف في الفترة نفسها من 2024.
النمو السكاني والتحضر السريع، الذي يزيد الطلب على وسائل النقل الخاص في غياب بدائل جماعية فعّالة.
الارتفاع في عدد السيارات يحمل آثاراً اقتصادية ملموسة:
تكاليف اختناقات المرور: الاختناقات في بغداد ومناطق أخرى تكبد الاقتصاد خسائر كبيرة بسبب إهدار الوقت والوقود، حيث قد تخسر بغداد وحدها نحو 500 مليار دينار سنوياً نتيجة الزحام المروري.
تكاليف الاستيراد: استيراد السيارات المستعملة يستهلك موارد مالية ضخمة ويحول جزءاً من الدخل الوطني إلى واردات السيارات وقطع الغيار.
نمو سوق قطع الغيار: رغم ارتفاع التكاليف، يتجاوز السوق الخاص بقطع الغيار مليارات الدولارات سنوياً، ما يشير إلى توسع النشاط التجاري المرتبط بالسيارات.
الاعتماد على السيارات الفردية يزيد الانبعاثات الضارة، ويؤثر على جودة الهواء، خصوصاً في المدن الكبيرة مثل بغداد. مع الازدحام والتحضر، ترتفع معدلات تلوث الهواء، مما يزيد العبء الصحي على الفئات الحساسة مثل الأطفال وكبار السن.
شبكات الطرق الحالية لم تُصمم لاستيعاب هذا الكم من السيارات، إذ صُممت أساساً لنحو 5 ملايين سيارة فقط، ما يعني أن هناك 3 ملايين مركبة إضافية تعبر الطرق بدون قدرة استيعابية مناسبة.
هذا الفارق بين العرض والطلب ينعكس في:
تآكل الطرق
ارتفاع الحاجة للصيانة
تباطؤ حركة النقل
مما يزيد الضغوط الاقتصادية على الموازنات المحلية والوطنية.
غياب الرقابة والتنظيم على استيراد السيارات في السنوات الماضية أدى إلى تدفق المركبات دون ضوابط كافية، خاصة بعد إلغاء متطلبات ترخيص الاستيراد، ما عزز ارتفاع الأعداد بشكل متسارع وبدون خطط مسبقة للاستيعاب التنظيمي.
تشير الخبرات الاقتصادية إلى عدة حلول:
تنظيم استيراد السيارات عبر ضوابط جديدة تحد من النمو غير المستدام.
تطوير قطاع النقل العام من خلال شراكات مع القطاع الخاص، وتشجيع السيارات الكهربائية والهجينة عبر سياسات ضريبية محفزة.
الاستثمار في البنية التحتية الذكية مثل المواقف متعددة الطوابق، وتحسين شبكات الطرق، وتنظيم المرور لتخفيف الضغط عن المدن الكبرى.
تجاوز عدد السيارات الثمانية ملايين في العراق ليس مجرد رقم إحصائي، بل انعكاس لتحدٍ مركب يجمع بين:
ضعف خيارات النقل العام
السياسات التنظيمية الهشّة
النمو السكاني والتحضر السريع
هذا النمو يحمل تبعات اقتصادية وبيئية واجتماعية تتطلب نهجاً استراتيجياً متكاملاً، يوازن بين التطور الاقتصادي واحتياجات المواطنين من جهة، وبين الاستدامة والحفاظ على البنية التحتية والبيئة من جهة أخرى.
إذا لم يتم تنظيم هذا القطاع بشكل جذري، فمن المتوقع أن يتفاقم الضغط على الشوارع والطرق، وتزداد الاختناقات والتكاليف الاقتصادية، مما يدفع العراق نحو أزمة نقل ومعيشة أكثر حدة خلال العقد المقبل.
المصدر: بغداد اليوم + وكالات
بغداد اليوم - بابل أعلنت محافظة بابل، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، الحداد ثلاثة أيام على أرواح شهداء العراق وأبناء المحافظة. وقالت المحافظة في بيان مقتضب تلقته "بغداد اليوم"، إن "محافظ بابل علي تركي الچمالي أعلن الحداد العام في