بغداد اليوم – البصرة
عاد ملفّ إقليم البصرة إلى الواجهة عبر مجموعة من الخطوات المترابطة؛ من حديث مجلس محافظة البصرة عن التزامه بقرار سابق بتبنّي المشروع، إلى الإشارة إلى المسار الدستوري الذي يتيح تحويل المحافظة إلى إقليم اتحادي عبر استفتاء، مرورًا بمواقف سياسية مؤيدة تتحرك من زاوية تثبيت الفدرالية كنظام حكم، وأخرى تتحفّظ وتربط الملف بما تنشره بعض الصحف الغربية عن خرائط جديدة للمنطقة. وفي خلفية هذه التطورات يقف سؤال عملي يتعلق بواقع البصرة نفسها: محافظة تمتلك الجزء الأكبر من النفط العراقي والموانئ الحيوية، وتعاني في الوقت ذاته من أزمات خدمية وبيئية متراكمة، وتبحث عن صيغة حكم تراها أكثر قدرة على إدارة مواردها.
الإطار الدستوري وتجارب البصرة السابقة مع مشروع الإقليم
الدستور العراقي حدّد مبدأ الفدرالية بوصفه أحد أعمدة شكل الدولة بعد عام 2003، ونصّ في المادة 119 على أنّ لمحافظة أو أكثر الحقّ في تنظيم نفسها في إقليم، بناءً على طلب يقدّمه ثلث أعضاء مجالس المحافظات المعنية أو عشر الناخبين فيها، ثم يُعرَض الطلب على استفتاء في المحافظة أو المحافظات المعنية. هذا النصّ ظلّ مطبّقًا عمليًا في حالة واحدة هي إقليم كوردستان، بينما بقيت محافظات أخرى في خانة "غير منتظمة في إقليم"، رغم وجود قانون وإجراءات واضحة نظريًا لتشكيل الأقاليم.
البصرة لم تكن غائبة عن هذا المسار. ففي عام 2008 قاد القاضي وائل عبد اللطيف محاولة مبكّرة لتحويل المحافظة إلى إقليم، وقدّم التماسًا إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات مرفقًا بتواقيع تجاوزت عتبة الإثنين بالمئة من الناخبين المسجّلين، وهي النسبة التي يحدّدها القانون للانتقال إلى مرحلة استكمال عشرة بالمئة تمهيدًا للاستفتاء. لم تستكمل العملية شروطها ضمن المدد الزمنية، وسط رفض سياسي واضح من أطراف رئيسية في الساحة الشيعية آنذاك، وبقيت التجربة مثالًا على أنّ النص الدستوري وحده لا يكفي لتنفيذ مشروع بهذا الحجم ما لم تتوفر إرادة سياسية داعمة في بغداد.
بعد ذلك عادت فكرة إقليم البصرة في أكثر من محطة، خصوصًا في أعوام 2014–2015، ثم بعد احتجاجات صيف 2018 وأزمة المياه المالحة التي أدّت إلى إدخال عشرات الآلاف إلى المستشفيات بسبب التلوّث، وفق تقارير أممية وحقوقية، لكنّ هذه الموجات لم تنتقل إلى مسار منضبط في المفوضية، وبقيت في الغالب ضمن بيانات ونشاطات شعبية وسياسية متفرقة.
موقف مجلس محافظة البصرة: الإقليم كأداة لإدارة الموارد والقرار المحلي
المعطى الجديد في الدورة الحالية لمجلس محافظة البصرة هو انتقال ملف الإقليم إلى صلب خطاب المجلس نفسه. رئيس كتلة "تصميم" في المجلس، عقيل الفريجي، يؤكد في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ مجلس المحافظة "يقف صفًا واحدًا خلف المطالب المشروعة لأهالي البصرة بشأن تفعيل مشروع إقامة إقليم البصرة"، ويشير إلى أنّ المجلس "يدعم هذا التوجه بشكل قانوني وأصولي"، معتبرا أنّ "إقليم البصرة سيكون واقعًا لإنصاف المحافظة وأهلها".
ويضيف الفريجي أنّ هناك "قرارًا سابقًا لمجلس المحافظة بهذا الشأن"، وأنّ الدورة الحالية "تؤكّد التزامها بتلك الرؤية، وتعمل على المضي بالإجراءات الدستورية خطوة بخطوة، لتحقيق هذا الحلم الذي طالما راود أبناء المحافظة"، موضحًا أنّ إقامة إقليم إداري خاص بالبصرة "من شأنه أن يضمن حقوق المحافظة كاملة، ويوفّر لأبنائها إدارة محلية أكثر فاعلية وعدالة في توزيع الموارد".
هذا التصوّر يعكس قناعة بأنّ الإطار الإداري الحالي لم يعد مناسبًا لواقع البصرة. فالمحافظة تضمّ مجموعة من أكبر الحقول النفطية في العراق، مثل الرميلة ومجنون وغرب القرنة، وتشكل نافذة رئيسية لصادرات النفط عبر موانئها على الخليج، ومع ذلك تشهد مؤشرات مرتفعة للفقر والبطالة، وتواجه بنى تحتية متقادمة، وأزمات متكررة في الماء والكهرباء والخدمات الأساسية.
من هذا المنطلق، يجري طرح الإقليم على أنّه صيغة لإعادة تنظيم العلاقة بين البصرة وبغداد، بحيث تتمكن السلطات المحلية من إدارة نسبة أكبر من موارد المحافظة ومشاريعها ضمن سقف النظام الاتحادي، مع استمرار ارتباطها بالدولة المركزية في الملفات السيادية.
من صَمَّم فكرةَ الأقاليم قبل اليوم؟
خلف هذه التصريحات تقف تجربةٌ عراقيةٌ تمتدُّ لنحوِ عقدين مع فيدراليةٍ غيرِ متوازنة. دراساتٌ متخصّصة تشيرُ إلى أنّ تحويلَ الدّولةِ العراقية من نموذجٍ مركزيٍّ صارم إلى دولةٍ اتحاديةٍ كان أحدَ الأهدافِ الرئيسة لمهندسي ما بعد 2003، سواء داخلَ جزءٍ من الطّبقةِ السياسيةِ العراقية، أو لدى دوائرَ أمريكيةٍ وغربيةٍ رأت في الفيدراليةِ وسيلةً لإدارةِ التعدّدِ القوميِّ والطائفيِّ ومنعِ عودةِ نظامٍ شموليٍّ قوي. الدستورُ أقرَّ بشكلٍ صريح حقَّ تكوينِ الأقاليم، واعترف بإقليمِ كردستان ككيانٍ اتحاديٍّ قائم، وترك البابَ مفتوحًا أمام محافظاتٍ أخرى لتلتحقَ بالمشروع عبر آليةٍ واضحة، لكنّ التطبيق ظلَّ منقوصًا؛ إقليمٌ واحدٌ فعليٌّ في الشمال، ومحافظاتٌ في الوسطِ والجنوبِ والغرب تُدارُ بقانونِ المحافظاتِ غيرِ المنتظمةِ في إقليم، مع خلافاتٍ مستمرةٍ على الصلاحياتِ والموارد.
في كردستان، اشتغل المشروعُ مبكرًا. الحركةُ الكردية سعت إلى تثبيتِ إقليمِ كردستان بوصفه كيانًا اتحاديًا واسعَ الصلاحيات، مستندةً إلى تجربةِ ما قبل 2003، ثمّ إلى النصِّ الدستوريّ بعد ذلك، مطالِبةً بتنفيذِ ما ورد في بابِ الأقاليم، بما في ذلك آليةِ ضمِّ محافظاتٍ أخرى إلى الإقليم عبرَ استفتاء. نجاحُ هذا النموذج، رغم مشكلاته مع بغداد، جعل الإقليمَ الكرديَّ مرجعًا لكلِّ نقاشٍ لاحقٍ عن الفيدرالية داخل العراق.
في الجنوب، كان مشروعُ "الإقليمِ الشيعي" الذي طرحه عبدُ العزيز الحكيم عام 2005 أحدَ أكثرِ المشاريعِ إثارةً للجدل. المشروعُ دعا إلى إقليمٍ واسعٍ يضمُّ عددًا كبيرًا من المحافظاتِ ذاتِ الأغلبيّة الشيعية في الجنوبِ والفراتِ الأوسط. داخليًا، انقسمَ البيتُ الشيعيُّ نفسُه؛ قوى مثل حزبِ الدّعوة وتياراتٍ أخرى رأت في هذه الفكرة تفكيكًا لوحدةِ العراق ومصدرًا لصراعٍ داخليٍّ على الثروةِ والقرار، فيما تبنّتْها أطرافٌ أخرى بوصفِها وسيلةً لحمايةِ الأغلبيّةِ الشيعية من عودةِ الاستبداد وضمانِ إدارةٍ محليةٍ للثروات. على الضفّة المقابلة، قرأ جزءٌ كبيرٌ من المكوّنِ السُّنيِّ المشروعَ باعتبارِه محاولةً لاحتكارِ النفطِ الجنوبي ضمنَ إقليمٍ واحد، وتعميقَ الفاصلِ الطائفيّ بين "جنوبٍ شيعيٍّ" و"غربٍ وشمالٍ سنّي". ومع أنّ مشروع "الإقليمِ الشيعي" بصيغته تلك لم يتحوّل إلى واقعٍ على الأرض، إلّا أنّ آثاره بقيت حاضرةً في الخطاب؛ وعادت في السنواتِ الأخيرة، بين حينٍ وآخر، دعواتٌ من أطرافٍ شيعيةٍ مختلفةٍ لإحياءِ فكرةِ إقليمٍ جنوبيٍّ بصيغٍ مُعدَّلة، تربطُ بين ثروةِ النفط في البصرةِ والمحافظاتِ المجاورة، وبين شعورٍ عميقٍ بالغبنِ من طريقةِ إدارةِ بغداد للمركزِ الاقتصاديِّ للبلاد.
في المحافظاتِ السُّنية، جاءت محاولاتُ صلاح الدين وديالى بعد 2010 في لحظةِ احتقانٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ، وبعد سنواتٍ من صراعٍ مع تنظيماتٍ متطرّفةٍ وسياساتٍ أمنيةٍ مركزية. قادةٌ محلّيون استخدموا المادّة (119) للمطالبةِ بإقامةِ أقاليم، بحثًا عن هامشٍ أوسع من الإدارةِ المحليّة وحمايةِ المكوّنِ السُّني من التهميش، لكنّ قوى سياسيةً في بغداد رأت في هذه الخطوة محاولةً لإضعافِ الحكومةِ الاتحادية وفتحِ الباب أمام ترسيمِ حدودٍ طائفيةٍ داخل الدولة، فرفضت المضيّ في الاستفتاءاتِ المطلوبة. تلك اللحظةُ خلقت صورةً ذهنيةً لدى كثيرٍ من السُّنة بأنّ حقّهم في الفيدرالية "معلّق"، بينما يُسمَح في المقابل بتوسّعِ صلاحياتِ كوردستان، وتبقى فكرةُ "الإقليمِ الشيعي" حاضرةً، ولو بشكلٍ غيرِ معلن، في الخطابِ السياسيِّ الجنوبي.
البعد الخارجي: من خطة بايدن إلى حسابات إسرائيل وتركيا وإيران والخليج وسوريا
السؤالُ عن "مَن خطّط للأقاليم" قبل البصرة لا ينفصلُ عن السّياقِ الدولي. في عام 2006 طرح جو بايدن وليزلي غيلب خطةً معروفةً للفيدراليةِ في العراق، تقومُ على منحِ المكوّنات الرئيسة ثلاثَ مناطقَ واسعةَ الحكمِ الذّاتي (كرديةٍ وشيعيةٍ وسُنّية) ضمنَ دولةٍ موحّدةٍ شكليًا، مع حكومةٍ اتحاديةٍ تتولّى الأمنَ القوميَّ والمواردَ السيادية. الخطةُ حظيت بدعمٍ واسعٍ في مجلسِ الشيوخ الأمريكي بقرارٍ غيرِ مُلزِم، وقدّمها أصحابُها باعتبارِها الطريقَ الأمثلَ للحفاظِ على التعايشِ بين المكوّنات وإنهاءِ الحربِ الداخلية من خلال تقليلِ الاحتكاكِ المباشر. ورغم أنّ هذه الخطة لم تتحوّل إلى خارطةٍ رسميةٍ تُفرَض على العراق، إلّا أنّها رسّخت في الوعيِ العراقي فكرةَ أنّ جزءًا من النخبةِ الأمريكية كان يرى مستقبلَ العراق في إطارِ أقاليمَ واسعة، وأنّ الفيدرالية لم تكن فقط فكرةً داخلية، بل أيضًا جزءًا من نقاشٍ دوليٍّ حول إعادةِ تنظيمِ الدّولة.
في المقابل، لعبت قوى عراقيةٌ أدوارًا مختلفةً داخل هذا الاتجاه وحوله. الحركةُ الكردية عملت على تثبيت إقليمِ كردستان كحالةٍ اتحاديةٍ مكتملةٍ قدرَ الإمكان. قوى شيعيةٌ دفعت، في أوقاتٍ معيّنة، نحو فكرةِ الإقليمِ الجنوبي، أو على الأقلِّ نحو لامركزيةٍ واسعةٍ تمنحُ محافظاتِ الجنوب نفوذًا أكبر على النفطِ والموانئ. نُخبٌ سُنّيةٌ رأت في الأقاليم وسيلةً لحمايةِ مناطقِها بعد موجاتِ العنفِ والإقصاء. وبين هذه المشاريع كلِّها، بقي الدستورُ هو الإطارَ الذي يُتيح ذلك، وبقي التنفيذُ رهنًا بالتوازناتِ المتغيّرة في بغداد والعواصمِ الإقليميّة.
خارجَ الحدود، لكلّ دولةٍ مجاورةٍ حساباتُها. إسرائيل، مثلًا، استفادت من كلِّ مسارٍ يُضعِفُ مركزيةَ خصومِها في المنطقة. الدعمُ الذي أبدتْه لاستفتاءِ استقلالِ كردستان عام 2017 كان واضحًا؛ دولةٌ كرديةٌ محتملةٌ في شمالِ العراق تُرى في قراءاتٍ إسرائيليةٍ عدّة كفرصةٍ استراتيجيةٍ لوجودِ حليفٍ في خاصرةِ العراق وإيران وسوريا، ولإقامةِ علاقاتٍ نفطيةٍ وأمنيةٍ واقتصاديةٍ مباشرة، ولكسرٍ متتالٍ في الحزامِ العربي المتّصل. من هذه الزاوية، عراقُ الأقاليم، إذا انتهى إلى واقعٍ تتعدّدُ فيه مراكزُ القرار، قد يبدو أكثرَ قابليةً للاستثمار من عراقٍ مركزيٍّ قوي، لكنّ ذلك يظلُّ مشروطًا بهويةِ القوى المهيمنةِ في كلِّ إقليم؛ إذ لا معنى لمكسبٍ لإسرائيل من إقليمٍ جنوبيٍّ قويٍّ إذا كان مكرّسًا ضمنَ محورٍ قريبٍ من طهران.
تركيا تنظرُ بحذرٍ إلى أيِّ توسّعٍ في نموذجِ الأقاليم، لأنّ تجربةَ كوردستان العراق انعكست مباشرةً على ملفِّها الكرديِّ الداخلي، ولأنّ أنقرة تخشى الفراغاتِ الأمنية والحدودَ غيرَ المنضبطة جنوبًا. لكنها، في الوقتِ نفسه، بنت مع أربيل علاقةً اقتصاديةً وثيقةً في ملفِّ النفطِ والتجارة. بالنسبة إلى أقاليمَ سُنّيةٍ محتملةٍ في نينوى والأنبار وصلاح الدين، أو لإقليمِ البصرة النّفطي، فإنّ أنقرة ستوازن بين مصلحتِها في وجودِ شركاء محلّيين متعدّدي المراكز في العراق، وبين خشيتها من أن تتحوّلَ هذه الكيانات إلى ساحاتِ نفوذٍ لقوى منافسة، سواء كانت إيران أو قوى غربية، أو إلى ممرّاتٍ غيرِ مضبوطةٍ لأنشطةِ جماعاتٍ تعتبرها تهديدًا مباشرًا، مثل حزبِ العمالِ الكردستاني.
إيران تنظرُ إلى العراق كجزءٍ من عُمقِها الاستراتيجي. رسميًا تُعلنُ تمسّكها بوحدةِ العراق ورفضَها لأيِّ تقسيم، لكنها عمليًا بنت نفوذًا سياسيًا وأمنيًا واسعًا داخل قوى شيعيةٍ وفصائلَ مسلّحةٍ في الوسطِ والجنوب. قيامُ أقاليمَ جديدةٍ في هذه الجغرافيا قد يكون مقبولًا لطهران ما دامت القوى المهيمنةُ داخلها لا تخرجُ عن المدارِ السياسي الذي ترتاحُ له، ويمكن أن يُستخدمَ لتوزيع عبءِ إدارةِ التفاصيلِ اليوميةِ على سلطاتٍ محليةٍ دونَ المساسِ بخطوطِ القرارِ الكبرى. لكنّ سيناريو قيامِ إقليمٍ سُنّيٍ واسعٍ على طولِ الحدودِ الغربية، متفاعلٍ مع ملفّاتِ سوريا والأردن والسعودية، أو إقليمِ بصرةٍ يمتلكُ قدرةَ تفاوضٍ مستقلةٍ أكبر مع واشنطن والخليجِ والشركاتِ الدولية، يحملُ مخاطرَ محتملة، لأنّه قد يُقلّل من قدرةِ المركزِ المتحالفِ معها في بغداد على التحكّمِ بكلِّ الملفّاتِ الحسّاسةِ من نقطةٍ واحدة، ويفتحُ في المقابل مساحاتٍ لنفوذٍ منافس.
السعوديةُ ودولُ الخليج ترفعُ في خطابِها الرسمي شعارَ دعمِ وحدةِ العراق، مدفوعةً بهاجسِ منعِ انتقالِ سيناريوهاتِ التفكّك إلى دولٍ أخرى في المنطقة. في الوقتِ نفسه، تُراقب هذه الدولُ النقاشاتِ عن "الإقليمِ العربي" في المحافظاتِ السُّنية وعن الأقاليمِ في الجنوب، من زاويةِ التوازنِ مع نفوذِ إيران. إقليمٌ سُنّيٌّ واسعٌ قد يبدو لبعضِ الدوائرِ الخليجية عنصرَ توازنٍ مع أقاليمَ قريبةٍ من طهران، لكنه في الوقتِ ذاته يُثيرُ أسئلةً عن استقرارِه، وعن القوى التي ستهيمنُ عليه، وعن إمكانيّةِ تحوّله إلى ساحةِ تنافسٍ إقليميٍّ جديد. إقليمُ بصرةٍ نفطيٌّ قويٌّ بدوره يفتحُ ملفًا حسّاسًا: إلى أيِّ حدٍّ يمكن أن يميلَ هذا الإقليمُ اقتصاديًا وسياسيًا نحو الخليج، أو يبقى ضمنَ محورٍ قريبٍ من إيران، وما يعنيه ذلك لأسواقِ النفط وخطوطِ التصديرِ في الخليج؟
سوريا تقفُ أمام صورةٍ أخرى؛ فالنقاشُ عن الفيدراليةِ هناك يتقاطعُ مباشرةً مع ما يجري في العراق. في الشمالِ الشرقيّ نشأت، بدعمٍ من التحالفِ الدولي، إدارةٌ ذاتيةٌ كرديةٌ تطرحُ لنفسِها مستقبلًا في إطارٍ لامركزيٍّ أو فيدراليٍّ داخلَ سوريا ما بعد الحرب. أيُّ توسّعٍ في نموذجِ الأقاليمِ في العراق، خصوصًا في الشمالِ والغرب، سيؤثّر على تصوّراتِ القوى الفاعلةِ لمستقبلِ سوريا، والعكسُ صحيح، ما يعني أنّ الخرائطَ باتت مترابطةً عبرَ الحدود، وأنّ الأطرافَ الإقليمية تنظرُ إلى المشرقِ كوحدةٍ سياسيةٍ – أمنيّةٍ واحدة، لا كجزرٍ منفصلة.
قراءة من كردستان: الفدرالية كخيار لإدارة التنوع والمناطق الغنية
في كردستان، تُقرأ خطوة البصرة من زاوية تجربة عايشت الفدرالية منذ بداية العملية السياسية الجديدة. الباحث في الشأن السياسي، صبحي المندلاوي، يربط بين النص الدستوري والواقع الحالي، مؤكّدًا في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ "النظام الفدرالي أقرّه الدستور العراقي الذي صوّت عليه أغلبية الشعب العراقي، وبالتالي يحقّ لأي محافظة أو مجموعة محافظات، عبر استفتاء، أن تتحول إلى إقليم، مثل إقليم البصرة".
المندلاوي يشير إلى أنّ محافظة البصرة "تستحق كل الدعم وأن تتحوّل إلى إقليم، نظرًا لما تمتلكه من موارد وإمكانات كبيرة"، ويصف السنوات الماضية بأنّها شهدت "تقصيرًا واضحًا من الحكومات السابقة والمنظمات وحتى مجالس المحافظات في تقديم ما يليق بهذه المحافظة". ويرى أنّ الإعلان عن هذا المسار يمكن أن يحظى بترحيب واسع "إذا توفّرت إرادة حقيقية لإجراء الاستفتاء ومنح الأهالي حقّهم في التعبير عن رأيهم دون ضغوط"، مذكّرًا بأنّ محاولات سابقة تعثرت بسبب غياب دعم سياسي واضح، قبل أن يختتم بالقول: "نحن في إقليم كردستان نتمنّى لهم كلّ التوفيق، وهم يستحقّون كلّ التكريم".
هذه الرؤية تستند إلى تجربة إقليم كردستان نفسه، الذي خاض مسارًا طويلاً مع الحكومة الاتحادية حول الصلاحيات، والنفط، والموازنة، والرواتب، وتعرض لضغوط بعد استفتاء 2017، لكنه حافظ في النهاية على وضعه الدستوري كإقليم معترف به، وله مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية خاصة. لذلك ينظر جزء من النخب الكردية إلى تحرك البصرة بوصفه فرصة لتوسيع تطبيق الفدرالية خارج الإطار الكردي، الأمر الذي قد ينتج توازنًا جديدًا في العلاقة بين المركز والأقاليم إذا جرى تنظيمه بقواعد واضحة.
عبدالسلام برواري، عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، يقدّم مقاربة أخرى تكمّل هذا التصوّر. فهو يؤكد أنّ الدستور "يرسم صورة واضحة للدولة كدولة فدرالية تتكوّن من عاصمة وأقاليم"، ويشير إلى أنّ وصف "المحافظات غير المنتظمة في أقاليم" كان حلاً مرحليًا في ظل غياب أقاليم أخرى غير كوردستان. في الوقت نفسه، يرى أنّ تحويل كل محافظة إلى إقليم ليس خيارًا ملائمًا من وجهة نظره الشخصية، ويقترح صيغة تتكوّن من ثلاثة أو أربعة أقاليم، وأن تكون بغداد نفسها إقليمًا منفصلاً، إلى جانب مجلس اتحادي يمثّل الأقاليم ويشارك في إدارة الملفات العليا للدولة.
موقف الإطار التنسيقي: التخوّف من المساس بوحدة الخارطة العراقية
في الطرف المقابل من المشهد الداخلي، يبرز خطاب داخل قوى الإطار التنسيقي يركّز على موضوع وحدة الأراضي العراقية. عضو الإطار رعد التميمي يوضح في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ خارطة العراق "تمثّل خطًّا أحمر لا يمكن المساس به"، ويتحدّث عن ما تنشره بعض الصحف الغربية من حين لآخر حول "مخططات أو تصورات" لإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط تتضمن استقطاع أجزاء من العراق، ويصفها بأنّها "أوهام ستتحطّم عند حدود العراق".
التميمي يربط بين هذه الطروحات وبين "أجندات خبيثة ترتبط بشكل مباشر بالمشروع الصهيوني"، ويشدّد على أنّ "كل شبر من أرض العراق مقدّس، وأي محاولة للمساس به ستواجه برد مناسب"، مع التأكيد على أنّ "خارطة العراق ووحدته غير قابلة للنقاش". كما يشير إلى أنّ العراق "بلد يتعافى ويتمتّع بالسيادة"، وأنّ هناك "وعيًا عاليًا بين مكوّناته بأهمية وحدة الصفّ والحفاظ على وحدة الأراضي".
هذا الموقف يسلّط الضوء على زاوية مختلفة في التعامل مع ملف الأقاليم. فالفدرالية من وجهة النظر هذه ليست فقط خيارًا إداريًا أو اقتصاديًا، بل ترتبط بسياق أوسع يشمل تجارب سابقة في المنطقة والعراق، من مشاريع تقسيم متخيلة في مراكز أبحاث غربية، إلى استفتاء كوردستان وما تبعه من توتر سياسي وأمني. لذلك يبقى كل تحرك باتجاه تشكيل إقليم جديد تحت مراقبة هذا النوع من القراءة، التي تخشى أن تتحول الأقاليم إلى نقاط انطلاق لمسارات انفصال مستقبلية، حتى لو كانت منضبطة اليوم بنصوص الدستور.
إمكان انتقال الفكرة إلى المحافظات الغربية وملف “الإقليم الغربي”
البعد الوطني الأوسع لملف إقليم البصرة يظهر بوضوح عندما يُطرح سؤال المحافظات الغربية. النص الدستوري نفسه الذي يتيح لأهل البصرة المطالبة بإقليم، يتيح أيضًا لمواطني الأنبار أو صلاح الدين أو نينوى طرق الباب ذاته. وقد شهدت تلك المحافظات، في فترات سابقة، محاولات لطرح فكرة “الإقليم السني” أو “الإقليم الغربي”، سواء عبر قرارات في مجالس المحافظات أو عبر مواقف لقوى سياسية طالبت بصيغ اتحادية أوسع.
هذه المحاولات واجهت مشكلات متعددة؛ منها الخلاف داخل القوى السنية حول جدوى الإقليم ومخاطره، وحساسية المكوّنات الأخرى من أي إعادة رسم للحدود الداخلية على أساس جغرافي يرتبط بالهوية، وصولًا إلى تداعيات الحرب على تنظيم "داعش" التي جعلت أولويات الأمن، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين تتقدّم على أي تعديل في شكل الحكم. لكنّ وجود تجربة ناجحة، أو حتى متقدّمة، لإقليم في البصرة سيمنح هذا الملف مدخلًا جديدًا.
ثائرُ البياتي، الأمينُ العامُّ لجبهةِ الخلاصِ العراقيِّ للحريةِ والسّلام، يضعُ الأقاليمَ في خانةِ الحقِّ الدستوري أيضًا، لكنّه يذهب أبعد في استنتاجاته. يُشير إلى قانون رقم (13) لسنة 2008 بوصفه الإطارَ التنفيذيَّ الواضح الذي يمنحُ أيَّ محافظةٍ أو مجموعةِ محافظاتٍ حقَّ طلبِ تكوينِ إقليم، ويتحدّث عن نسبتي (2%) و(10%) بوصفهما جزءًا من هندسةٍ مقصودةٍ لضبط الإيقاع بين التعبيرِ الشعبيّ والاستقرارِ الإداري. يذكّر البياتي بأنّ محاولاتِ تشكيلِ إقليمي صلاح الدين وديالى عامي 2011 و2013 أوقِفَت بقرارٍ من مجلسِ الوزراء آنذاك برئاسة نوري المالكي، ويرى في ذلك تعطيلًا مباشرًا للدستور أسهم في إنتاج ما يسمّيه "حكمًا هجينًا"، لا هو مركزيٌّ واضح ولا هو اتحاديٌّ مُطبَّق فعليًا. ثمّ يذهب إلى القول إنّ العراق يتّجه حتمًا نحو نظامِ الأقاليم، وأنّ البلاد قد تشهدُ قيامَ ثلاثةِ أقاليمَ أو أكثر، مستعيدًا مشروعَ إقليمِ البصرة الذي طُرِح منذ 2008 ثمّ عُطِّل، ومتحدّثًا عن مشروع "الإقليم العربي" الذي يُفترض أن يضمّ محافظاتِ صلاح الدين والأنبار ونينوى وديالى وصولًا إلى حزامِ بغداد وجرفِ الصخر، بوصفه إقليمًا إداريًا يهدف، في خطابِ أصحابه، إلى حمايةِ المجتمعِ والأرض، وإنهاءِ الفوضى وسيطرةِ المليشياتِ والإرهاب في تلك المناطق.
مما يعني، إذا تقدّم مشروع إقليم البصرة إلى مرحلة متقدمة من الإجراءات الدستورية، فمن المتوقّع أن تعود بعض القوى في الغرب إلى استخدام هذا المثال لتبرير المطالبة بأطر اتحادية خاصة بها، تحت عنوان المساواة في تطبيق الدستور. إلا أنّ الفارق بين الحالتين واضح؛ فالبصرة محافظة واحدة متماسكة جغرافيًا واجتماعيًا، بينما يحتاج أي “إقليم غربي” إلى توافق بين عدة محافظات وقوى عشائرية وسياسية متنوّعة، في جغرافيا ما زالت تحمل آثار صراع مسلح واسع.
التبعات المتوقعة على توزيع السلطة والثروة داخل الدولة العراقية
أي تقدّم فعلي في مسار إقليم البصرة سيؤثر في ملفات حساسة داخل الدولة العراقية. الملف الأول هو توزيع الثروة. فالبصرة تشكل مركز الثقل النفطي الرئيسي في البلاد، وأي إقليم فيها سيطرح مسألة حصّة الإقليم من العوائد النفطية، ومن عائدات الموانئ والضرائب والرسوم المحلية، ضمن الإطار الذي يسمح به الدستور وقانون النفط والغاز (حال إقراره) وقوانين الموازنة. هذا النقاش لن يبقى محصورًا بالبصرة، بل سينتقل إلى محافظات أخرى ترى أنّ لها موارد مميّزة وتطالب بصلاحيات أوسع في إدارتها.
الملف الثاني هو شكل العلاقة بين المركز والأقاليم. نجاح تجربة إقليم جديد في الجنوب سيدفع إلى إعادة النظر في المعادلة الحالية التي تجمع بين مركز قوي اتحادي ومحافظات ذات صلاحيات محدودة عمليًا، ويضع أمام بغداد خيارين واضحين: إما توسيع اللامركزية وتثبيت قواعد واضحة لتقاسم الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، أو تجميد تجربة البصرة ومنع انتقالها إلى محافظات أخرى، مع ما يحمله ذلك من كلفة سياسية في الجنوب وفي مناطق أخرى.
الملف الثالث يتعلق بالأمن وإدارة الموانئ والحدود. البصرة تحتوي على منافذ برية وبحرية مهمة، وعلى نشاط اقتصادي كبير، وعلى وجود تشكيلات مسلّحة مختلفة الخلفيات. أي إقليم جديد سيحتاج إلى ترتيبات دقيقة تحدّد دور القوات الاتحادية، وحدود سلطات الأجهزة المحلية، وطبيعة إدارة الحدود والموانئ. هذه التعقيدات قد تدفع أطرافًا داخلية وخارجية إلى دعم أو عرقلة المسار وفقًا لتقديراتها لمصالحها الأمنية والاقتصادية.
موقع البصرة في مشاريع الموانئ والربط والتنمية
للبصرة موقع مركزي في المشاريع الاقتصادية القادمة في المنطقة، من ميناء الفاو الكبير وخطوط الربط السككي مع تركيا، إلى مشاريع الربط مع موانئ الخليج وخطوط الطاقة. هذه المشاريع ترتبط بعقود استثمارية طويلة الأمد مع شركات دولية، وبالتزامات مع دول الجوار.
إيران، التي تعتمد على العراق لتسهيل جزء من تجارتها وحركتها البحرية، تراقب أي تغيير في إدارة الموانئ والحدود في الجنوب. إنشاء إقليم في البصرة قد يعني بروز طرف إداري جديد في هذه الملفات، ما يستدعي ترتيبات مختلفة في التعامل مع طهران. دول الخليج، التي تتابع مشروع ميناء الفاو وطريق التنمية وتأثيرهما في ممرات التجارة الإقليمية، ستنظر إلى أي إقليم بصري محتمل بوصفه شريكًا اقتصاديًا مباشرًا أو بوابة جديدة للتفاهمات. تركيا بدورها تربط جزءًا من خطتها للربط مع العراق وآسيا بمسار سكك الحديد والطرق التي تبدأ عمليًا من الجنوب، ما يجعل شكل الإدارة في البصرة عنصرًا إضافيًا في حساباتها.
هذه الاعتبارات الإقليمية والدولية تعني أن قرار المضي في إقليم البصرة لن يكون داخليًا بحتًا، حتى لو بقي في إطار الدستور العراقي؛ إذ ستدخل تقديرات تتعلق بموازين القوى والنفوذ في الخليج والعراق، وبالطريقة التي ستنعكس بها أي تجربة فدرالية جديدة على حركة التجارة والطاقة وتوازنات الأمن الإقليمي.
الاحتمالات المفتوحة أمام ملف إقليم البصرة
ملف إقليم البصرة، بصيغته الحالية، يضع النظام السياسي العراقي أمام اختبار مباشر لتطبيق الفدرالية في محافظة عربية نفطية خارج النموذج الكردي. من جهة مجلس المحافظة، هناك خطاب واضح يتحدث عن "الوقوف صفًا واحدًا" خلف المشروع، واعتماد خطوات "قانونية وأصولية" للمضي في المسار الدستوري، مع التركيز على إنصاف البصرة في مجال الموارد والإدارة. ومن جهة نخب كوردية، هناك دعم معلن لهذا المسار بوصفه ترجمة للنظام الاتحادي الذي أقره الدستور، وفرصة لإعادة توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم على أساس تجربة قائمة في كوردستان. وفي المقابل، تبرز مواقف سياسيين داخل الإطار التنسيقي تحذّر من أن يتحول الملف إلى مدخل للمساس بوحدة العراق، وتربطه بخطابات خارجية حول خرائط جديدة للمنطقة.
النتيجة النهائية ستتوقف على قدرة القوى المحلية في البصرة على توحيد موقفها والاستمرار في المسار الدستوري، وعلى الطريقة التي ستتعامل بها بغداد مع هذا الملف، وعلى حسابات الأطراف الإقليمية والدولية التي تراقب موقع البصرة في مشاريع الطاقة والموانئ والربط. إذا تحوّل إقليم البصرة إلى واقع، فسيفرض إعادة صياغة واسعة لعلاقة المركز بالأقاليم والمحافظات، وإذا توقّف في منتصف الطريق فسيبقى مثالًا جديدًا على الهوّة بين النص الدستوري والتطبيق الفعلي في واحدة من أهم المحافظات العراقية.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات