بغداد اليوم – بغداد
على امتداد الشريط الحدودي بين العراق وسوريا، لم تعد الأنفاق تفصيلاً هامشيًا في المشهد الأمني، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر العقد حساسية في ملف التهريب والحروب غير المباشرة. فالمناطق الممتدة بين القائم والبوكمال، مرورًا بقرى صغيرة مثل أم الذيبان، أصبحت اليوم مسرحًا لحركة متداخلة تشترك فيها فصائل مسلّحة مرتبطة بإيران، وبقايا تنظيم داعش، وتشكيلات كردية مسلّحة، إلى جانب شبكات تهريب مدنية تعمل لصالح أطراف متعددة، مستفيدة من هشاشة السيطرة الحدودية وتعقيد الجغرافيا وتعدد السلطات المحلية. هذه الخلفية التي مرت بتجربة الاحتلال، وصعود تنظيم القاعدة، ثم “الخلافة” الداعشية، ثم تمدد نفوذ الفصائل المدعومة من إيران، جعلت من باطن الأرض امتدادًا فعليًا لخرائط النفوذ فوقها، بحيث أصبح من الصعب الفصل بين ما هو نفق عسكري، وما هو ممر لتهريب السلاح أو المخدرات أو البضائع.
من أنفاق داعش إلى ممرات دعم الفصائل المرتبطة بإيران
المرحلة الأكثر خطورة في تشكّل شبكة الأنفاق ظهرت مع تمدّد تنظيم داعش بين الموصل والرقة. التنظيم اعتمد، خلال سنوات سيطرته، على حفر أنفاق داخل المدن وعلى أطراف الصحراء والحدود، لتأمين حركة مقاتليه وسلاحه بعيدًا عن الرصد الجوي، والحفاظ على خطوط اتصال بين الجانب العراقي والجانب السوري رغم ضربات التحالف. وبعد هزيمته عسكريًا، أعلنت القوات العراقية في مناطق مثل القائم وسنجار العثور على عدد من هذه الأنفاق واستخدام الجهد الهندسي لردمها، لكن جزءًا من الشبكة بقي خارج التوثيق الكامل، ونتحوّل لاحقًا إلى بنية تحتية جاهزة للاستغلال من أطراف أخرى.
ومع تراجع داعش وصعود نفوذ الفصائل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، برزت منطقة البوكمال – القائم كعقدة مركزية في المسار البري الذي يربط إيران بالعراق فسوريا فلبنان. في هذه المنطقة تحديدًا، تحدّثت تقارير ميدانية وأمنية عن استغلال أنفاق قديمة وتطوير أخرى جديدة لخزن ونقل السلاح والعتاد والوقود، وربط المخازن الخلفية على الضفة العراقية بمواقع انتشار الفصائل على الضفة السورية. بهذه الصورة، انتقلت الأنفاق من كونها أداة تقليدية لتنظيم متطرّف إلى عنصر ثابت ضمن منظومة إسناد لوجستي أوسع، تستفيد منها أطراف مختلفة تتحرك على جانبي الحدود.
قسد وأم الذيبان.. روايات أمريكية عن أنفاق باتجاه حزب الله
ضمن هذا السياق، جاء حديث مسؤول أمريكي لقناة “الحدث” عن استمرار تهريب السلاح من العراق إلى حزب الله، عبر تجّار مرتبطين بميليشيا “ب ي د / قسد”، ليضيف طبقة جديدة من الجدل إلى ملف الأنفاق. مصادر ميدانية سورية متابعة لملف الحدود الشرقية أكدت لـ"بغداد اليوم" أنّ هذا التوصيف يعكس واقعًا قائمًا، مشيرة إلى وجود قيادات داخل “قسد” تشرف على عمليات تهريب تتم عبر أنفاق تربط الحدود السورية بالعراق، وأنّ نقطة الانطلاق الرئيسة لهذه الشبكات تقع في قرية “أم الذيبان” من الجهة العراقية.
وبحسب هذه الشهادات، تحوّلت أم الذيبان خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة تجميع وانطلاق، تُنقل منها شحنات سلاح وبضائع عبر الأنفاق باتجاه الداخل السوري، قبل أن تُعاد إعادة توزيع جزء من هذه الشحنات على مسارات أخرى تصل، في نهاية الخط، إلى حزب الله في لبنان. وبهذا يصبح الحديث عن “الممر البري” أكثر تحديدًا: قرية حدودية صغيرة، أنفاق محفورة تحت الأرض، وشبكات تهريب يديرها تجّار محليون على صلة بقيادات عسكرية في “قسد”، في ظل غياب إعلان رسمي واضح من بغداد أو من سلطات الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا حول طبيعة ما يجري في هذه البؤرة الحدودية.
قراءة بحثية حذرة للاتهامات الأمريكية ودور كردستان
في مقابل هذه الرواية الميدانية المباشرة، يقدّم الباحث في الشأن السياسي والأمني من أربيل، ياسين عزيز، قراءة أكثر حذرًا لطبيعة الاتهامات الأمريكية. عزيز يوضح في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ ما ورد في التصريحات الأمريكية يطال، نظريًا، نطاقًا جغرافيًا واسعًا يمتد من بعض مناطق إقليم كردستان إلى مناطق سيطرة “قسد” والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، وهي مناطق متداخلة ومعقدة يصعب اختزالها في مسار واحد واضح.
ويشير إلى أنّ الإشارة إلى “كردستان العراق” في السياق الأمريكي قد تُفهم، عمليًا، على أنها تتعلق بالمناطق التي تقع ضمن نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية ومحيطها، بحكم امتلاك الحزب علاقات مع إيران وأحزاب شيعية في بغداد مقرّبة من طهران. في المقابل، فإنّ معظم الشريط الحدودي مع مناطق سيطرة “قسد” يتركز ضمن ما يعرف بمنطقة الجزيرة في حدود محافظة نينوى، وليس داخل عمق الإقليم بالمعنى الإداري والسياسي المباشر.
ويشدّد عزيز على أنّ المناطق التي قد تكون مشمولة فعليًا في الاتهامات الأمريكية متداخلة من حيث السيطرة والولاءات، وأنّ الوصول إلى صورة دقيقة عن الجهات التي تدير عمليات التهريب، سواء كانت أسلحة أو مخدرات أو بضائع، يحتاج إلى مستوى عالٍ من التدقيق والتنسيق الأمني بين بغداد وأربيل وواشنطن، إضافة إلى قنوات تعاون استخباري أوسع مع الأردن وسوريا ولبنان. فبدون هذا النوع من التنسيق، تبقى الاتهامات العامة قائمة، بينما تظلّ الكثير من الخطوط الحقيقية غير مكشوفة للرأي العام.
حدود هشّة وشبكات تهريب متداخلة
بين شهادة المصدر الميداني الذي يجزم بأنّ قيادات في “قسد” تشرف على أنفاق انطلاقًا من أم الذيبان، وبين القراءة البحثية التي يقدّمها ياسين عزيز حول تعقيدات الجغرافيا ومناطق النفوذ الحزبي والقومي، تتكشّف صورة حدود هشّة وغير محكومة بالكامل. فهناك إرث من أنفاق حفرها داعش، وشبكات يُتهم بأن فصائل مرتبطة بإيران ورثت جزءًا منها أو طوّرتها، وهناك اتهامات بوجود دور لقيادات في “قسد” ضمن مسارات تهريب تنتهي عند حزب الله، بالتوازي مع نشاط شبكات تهريب أخرى مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وتشكيلات محلية مختلفة.
هذه المعطيات، على تباين مصادرها، تشير إلى أنّ المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا تحولت إلى ساحة مفتوحة أمام شبكات السلاح والمخدرات والبضائع، وأنّ الأنفاق تمثل إحدى الأدوات الأكثر حساسية في هذه المنظومة. وفي غياب شفافية رسمية كاملة، يبقى جزء كبير من المشهد محكومًا بتقاطع التسريبات الاستخبارية مع الشهادات المحلية، فيما تتقدم الحاجة إلى مقاربة إقليمية وأمنية مشتركة إذا أُريد تحويل هذه المنطقة من نقطة ضعف دائمة، إلى ملف خاضع فعلًا للرقابة والضبط، بعيدًا عن تبادل الاتهامات فقط في التصريحات السياسية.
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات