سياسة / اقتصاد / ملفات خاصة 24-12-2025, 17:53 | --
+A -A


تطويق بلا اشتباك.. ملف السلاح ينتقل من التصريحات إلى الكلفة: من يدفع الثمن؟

بغداد اليوم – بغداد

يمر العراق بمرحلة دقيقة تتغير فيها موازين القوة بين الدولة والقوى التي تعمل خارج إطارها الرسمي، ولم يعد ملف السلاح خارج الدولة مجرد قضية أمنية تقاس بكمية العتاد أو شدة الخطاب، بل تحول إلى معركة على البيئة التي يعيش فيها السلاح من تمويل وعقود ومنافذ وتحويلات ومخاطر سوق. وفي هذه اللحظة، يلتقي طرح اقتصادي صريح للخبير زياد الهاشمي مع قراءة سياسية تحليلية لاحمد الساعدي، ليقدما صورة واحدة من زاويتين مختلفتين: استمرار السلاح خارج الدولة لم يعد مشكلة سياسية فقط، بل عبء ثقيل يرفع كلفة الدولة كلها، ويجعل السيادة شرطا اقتصاديا قبل أن تكون شعارا.

الساعدي يقرأ التحول في أدوات واشنطن

يرى مدير مركز المحافظين للسياسات العامة احمد الساعدي أن سنوات المواجهة التي كانت تقوم على لغة القوة والردع بين واشنطن والفصائل العقائدية، بدأت تتراجع لصالح مقاربة أكثر هدوءا وأشد تأثيرا، تعتمد على النفوذ الدبلوماسي والسياسي وإدارة التحالفات الإقليمية والضغط الاقتصادي وتنظيم مسارات التمويل والعلاقات الخارجية. وفق هذه القراءة، واشنطن لم تعد معنية بصدام مباشر مع الفصائل، بل تسعى إلى خلق ظروف سياسية واقتصادية تجعل استمرار هذا السلاح مكلفا وصعبا، عبر تضييق البيئة التي يتحرك فيها ووضعه أمام ضغوط لا يستطيع التعامل معها عسكريا.

لكن الساعدي يضع تحذيرا مركزيا، ففعالية هذه الأدوات لا تعني غياب التحديات، لأن اللادولة في العراق متجذرة داخل بنية النظام السياسي، ومسنودة بشبكات مصالح اقتصادية، ومرتبطة بدور إقليمي فاعل، كما أن هشاشة المؤسسات وتعدد مراكز القرار يجعل أي تراجع قابلا للعودة إذا لم يبن على مشروع وطني واضح يعيد الاعتبار لسلطة الدولة. ويخلص إلى أن القوة الناعمة الأميركية أسهمت في تقليص مساحة السلاح العقائدي، لكنها لا تستطيع أن تعيد بناء الدولة وحدها، وأن استثمار هذه اللحظة يحتاج رؤية وطنية تمنع إعادة إنتاج اللادولة بصيغ جديدة.

الهاشمي يضع السيادة داخل معادلة السوق

الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي يربط بين استعادة السيادة وبين قفزة اقتصادية واسعة، ويقول إن استعادة الدولة العراقية لسيادتها عبر التخلص من السلاح السائب مكاسب اقتصادية كبيرة ستخرج العراق من دوامة أمراء السلاح السائب وترفع مكانته وتضعه في مصاف الدول ذات السيادة الحقيقية. يركز الهاشمي على أن الشعار الذي تقوم عليه الدول المستقرة، وطن واحد وشعب واحد وجيش واحد، ليس مجرد خطاب سياسي، بل شرط يمنح الدولة حصانة وفرصة لتعزيز استقرارها وسيادتها ومكانتها سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

ويضيف أن الدول ستعطي قيمة أكبر للحكومة العراقية بعد تخلصها من السلاح السائب، وستتعامل معها بثقة أكبر، وسيكون للعراق دور محوري أكبر يستطيع من خلاله الدخول في تحالفات استراتيجية وشراكات اقتصادية جديدة لم يكن ممكنا تحقيقها مع وجود سلاح بيد جماعات غير حكومية. وفي قلب طرحه أن العراق بلا جماعات مسلحة سائبة سيحوّل الاقتصاد من اقتصاد أزمات إلى اقتصاد تخطيط، لأن الحكومة ستكون قادرة على وضع خطط تنموية شاملة وتنفيذها بعيدا عن سطوة وتأثير تلك الجماعات، وهو هدف أخفقت الحكومات السابقة في تحقيقه لأسباب من أهمها وجود السلاح خارج نطاق الدولة.

كلفة المخاطر تسبق الاستثمار

يرى الهاشمي أن التخلص من السلاح السائب سيقلل كثيرا من كلف المخاطر التي تحيط بالاقتصاد العراقي، وسيعزز إمكانية دخول رؤوس الأموال والاستثمارات للداخل العراقي، كما أن القطاع الخاص سيجد مساحة واسعة وسوقا واعدا للعمل والتوسع والإنتاج، مع دخول مشاريع جديدة وأفكار مبتكرة تعزز قطاع الأعمال الناشئة والخدمات الذي يحتاجه الاقتصاد العراقي بشدة. وفي نظره، احتكار الحكومة للسلاح سيسهم بقوة في إضعاف الفساد الذي ساهم السلاح السائب في تعزيزه وانتشاره من خلال فرض الإتاوات والعمولات وتقاسم العقود.

من القانون إلى السلم الأهلي ثم إلى المستقبل

يذهب الهاشمي إلى أن فرض القانون بوجود سلاح واحد بيد الحكومة سيسهم في تحقيق السلم الأهلي والعدالة الاجتماعية وينهي حالة عسكرة المجتمع، ويفتح باب الطموح أمام الأجيال الجديدة وتطوير مهاراتها لمواكبة التطورات في سوق العمل. ويشير إلى أن مشاريع استراتيجية كطريق التنمية يمكن أن ترى النور بعد التخلص من السلاح السائب، بما يساهم في جذب صناعات وسلاسل إمداد عالمية للاستفادة من هذا المشروع وتأسيس مشاريعها ومراكزها داخل العراق.

المال الخفي والمنافذ والتهريب

يؤكد الهاشمي أن التخلص من سلاح الجماعات السائبة وإبعادها عن مكاتبها الاقتصادية سينهي ظاهرة تهريب الدولار وغسل الأموال ودعم كيانات ودول معاقبة، وسيتمكن البنك المركزي والحكومة من تقييد تلك العمليات وتقليصها إلى أدنى مستوى، وبالتالي المحافظة على الثروة الوطنية من الضياع. ويتوقع كذلك أن تنخفض عمليات التهريب النفطي والتجاري واستغلال المنافذ الحدودية إلى أدنى مستوى بعد التخلص من السلاح السائب، لتتحول التجارة إلى وضع طبيعي مستقر يسمح بتعزيزها وتحسين العوائد المتحققة للحكومة.

لماذا تتراجع الفصائل سريعا

المشهد العراقي، كما تظهره الوقائع خلال فترة قصيرة، انتقل من حديث عن تجاوب الفصائل مع دعوات حصر السلاح بيد الدولة إلى بيانات تعيد السلاح إلى خانة الثوابت التي لا تقبل التفاوض. هذه السرعة في الارتداد تعكس حساسية اللحظة، فحين يتحول ملف السلاح إلى كلفة سياسية ومالية واقتصادية، تتشدد القوى المسلحة في تعريفه بوصفه خارج السياسة، كي تمنع انتقاله إلى مسار يمكن أن يقاس بمعايير الدولة والقانون والرقابة. وفي الوقت نفسه، يكشف ذلك أن أي تراجع جزئي لا يمكن اعتباره تحولا نهائيا ما لم يترافق مع إجراءات ميدانية واضحة وآليات رقابة صارمة وضمانات قانونية.

النتائج المحتملة على الدولة والسوق

تراجع مسار حصر السلاح بيد الدولة لا يقف عند حدود السياسة، بل ينعكس مباشرة على الثقة، والثقة هي الشرط الذي يسبق الاستثمار والتخطيط. كلما بدا أن الدولة عاجزة عن احتكار قرارها، ارتفعت كلف المخاطر وتأخرت المشاريع وتوسع اقتصاد الظل. وفي المقابل، أي تقدم ثابت في هذا الملف يمنح الحكومة قيمة أكبر في نظر الشركاء ويعزز قدرة العراق على الدخول في شراكات اقتصادية واستراتيجية أوسع، ويضعف شبكات الابتزاز والعمولات ويحد من تهريب المال والسلع، ويمنح القطاع الخاص مساحة للنمو.

الخلاصة التي يلتقي عندها الساعدي والهاشمي

الساعدي يرى أن القوة الناعمة أسهمت في تقليص مساحة السلاح العقائدي لكنها لا تبني الدولة وحدها، والهاشمي يرى أن الاقتصاد لا ينمو مع البنادق السائبة بل يتدهور بصمت، وأن نجاح أي رئيس وزراء قادم مرهون بالتخلص من جماعات السلاح السائب وعدم تركها تحوم بسلاحها حول وزارات حكومته. وبين الرؤيتين تتضح الخلاصة: اللحظة الحالية قد تكون نافذة نادرة، لكنها لن تتحول إلى مسار إلا إذا استكملها العراقيون بمبادرة وطنية تعزز السيادة وترسخ هيبة القانون وتمنع إعادة إنتاج اللادولة بصيغ جديدة.

المصدر: بغداد اليوم+ موقع أكس

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14