بغداد اليوم – بغداد
منذ سقوط نظام بشّار الأسد وصعود الحكومة السوريّة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وجد العراق نفسه أمام مشهد إقليمي مختلف جذريًّا عمّا اعتاده خلال العقد الماضي. سوريّا لم تعد في نظر بغداد مجرّد ساحة أزمة مجاورة، بل تحوّلت، بحكم الجغرافيا والحدود الطويلة المشتركة وتشابكات العشائر والطرق الصحراوية، إلى امتداد مباشر للأمن القومي العراقي.
الخبير في الشؤون الأمنيّة، صادق عبد الله، يضع هذا التحوّل في إطار أوضح حين يقول في حديثه لـ"بغداد اليوم" إنّ "تغيير النظام في سوريّا جاء بإرادة دوليّة وإقليميّة، تتصدّرها الولايات المتحدة، وكان أشبه بصفقة متكاملة الأركان تخدم مصالح الدول المؤثّرة في دمشق"، مبينًا أنّ "وصول أحمد الشرع المعروف بالجولاني إلى سدّة السلطة يأتي ضمن أجندة أمريكيّة وقراءة خاصّة للمشهد السوري". بهذا التوصيف تصبح الحكومة الجديدة في دمشق جزءًا من معادلة تُصاغ في عواصم عدّة، لا في سوريّا وحدها، وتتحوّل قراراتها الأمنية والسياسيّة إلى عنصر مباشر في معادلة الاستقرار داخل العراق، خصوصًا إذا ما أُخذ في الاعتبار أنّ سوريّا تضم، بحسب عبد الله، "ما بين ٢٠ إلى ٢٥ تنظيمًا يمكن تصنيفها على أنّها متطرّفة، إلى جانب آلاف الأفراد المدرجين على لوائح الإرهاب الدوليّة، ولا سيّما ما يُعرف بالمقاتلين الأجانب القادمين من أكثر من ٣٠ دولة". في ظلّ هذا الواقع لا يعود ممكناً فصل الملفّ السوري عن الحسابات اليوميّة للأمن العراقي، لأنّ أيّ خلل في إدارة هذا التنوّع المتطرّف داخل سوريّا يمكن أن يرتدّ بسرعة عبر الحدود نحو العمق العراقي.
صادق عبد الله يحدّد ثلاث نقاط جوهريّة تتحكّم بطبيعة العلاقة بين بغداد ودمشق من زاوية الأمن القومي، الأولى هي تأمين الشريط الحدودي الذي يمتدّ لأكثر من 600 كيلومتر وما يمثّله من ممرّ محتمل لتهديدات عابرة، والثانية عدم المساس بالمراقد الدينيّة الشيعيّة والجالية العراقيّة في سوريّا، والثالثة منع تحوّل الأراضي السوريّة إلى نقطة لتصدير عدم الاستقرار إلى الداخل العراقي. ويوضح أنّ هذه العلاقة لا تُدار حصريًّا بإرادة ثنائيّة بين بغداد ودمشق، بل "تخضع لإشراف مباشر من الولايات المتحدة"، في إشارة إلى زيارة ممثّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بغداد ولقائه المسؤولين العراقيّين في سياق إعادة صياغة مقاربة مشتركة للملفّ السوري، بما يضمن، كما يقول، أنّ "استقرار سوريّا يمثّل أولويّة للأمن القومي العراقي، وبخلاف ذلك سيكون الوضع بالغ الخطورة في ظلّ وجود آلاف المتطرّفين ومسار حدودي طويل ومعقّد". من هذا المنظور تصبح الخطوة الأولى في سياسة العراق تجاه دمشق الجديدة مبنيّة على اعتراف واقعي بأنّ القرار في سوريّا اليوم مرتبط بشبكة مصالح دوليّة وإقليميّة لا يمكن تجاهلها، وأنّ التعايش مع هذه المعادلة شرط لحماية الداخل العراقي من ارتداداتها.
الحدود العراقيّة – السوريّة.. مسرح مفتوح لبقايا داعش وحاجة دائمة لتنسيق استراتيجي
على خطّ الحدود الطويل بين البلدين يتجلّى الجانب العملي لهذه المعادلة. الخبير في الشأن الأمني عدنان الكناني يصف هذه الجبهة بأنّها أحد أهمّ مسارح تحرّك بقايا تنظيم داعش، ويؤكّد في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ "تعزيز التنسيق الأمني والاستخباري بين بغداد ودمشق يُعدّ ضرورة استراتيجيّة ملحّة في ظلّ التحدّيات الأمنيّة المتجدّدة ومحاولات تنظيم داعش الإرهابي إعادة تنظيم صفوفه واستغلال الثغرات الجغرافيّة والحدوديّة بين البلدين". فالحدود العراقيّة – السوريّة ليست خطًّا مستويًا يمكن مراقبته بسهولة، بل شريط طويل يمرّ بمناطق صحراويّة واسعة وطبيعة جغرافيّة معقّدة وتداخل في خطوط الإمداد، ما يجعل منه فضاء مثاليًّا لأيّ تنظيم يسعى إلى التخفّي وإعادة التموضع وتخزين السلاح والعتاد.
الكناني يوضح أنّ مواجهة مثل هذا التحدّي لا يمكن أن تقوم على إجراءات منفردة، بل تحتاج إلى "تبادل فوري للمعلومات الاستخباريّة وتنسيق ميداني عالي المستوى" بين بغداد ودمشق لضرب أيّ تحرّكات مشبوهة قبل أن تتحوّل إلى تهديد فعلي للأمن الوطني والإقليمي. ويشير إلى أنّ التنسيق الأمني لا يتوقّف عند العمليات العسكريّة المباشرة أو الضربات المحدودة، بل يمتدّ إلى "توحيد الجهود الاستخباريّة ورصد تحرّكات القيادات والخلايا النائمة، وضبط الحدود ومنع التسلّل وتهريب السلاح والمقاتلين، والتعاون في مجال مكافحة التمويل وتجفيف منابع الدعم اللوجستي، وتبادل الخبرات في مواجهة الحرب غير التقليديّة التي يعتمدها التنظيم". التجربة السابقة، كما يذكّر الكناني، أثبتت أنّ أيّ فراغ أمني أو ضعف في التنسيق يمنح داعش فرصة لإعادة التموضع وشنّ هجمات تستهدف المدنيّين والقوّات الأمنيّة معًا، وبالتالي فإنّ استمرار هذا التنسيق وتطويره يتحوّل إلى شرط للحفاظ على المكتسبات الأمنيّة التي تحقّقت في السنوات الماضية، وليس مجرّد خيار سياسي مرحلي.
في هذا الإطار يأخذ التنسيق العراقي – السوري بعدًا يتجاوز فكرة التعاون التكتيكي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجيّة طويلة الأمد، كما يعبّر الكناني حين يشدّد على أنّ هذا التنسيق "يبعث برسالة واضحة بأنّ الإرهاب عدوّ مشترك لا يعترف بالحدود، وأنّ مواجهته تتطلّب تعاونًا إقليميًّا مستدامًا يحترم سيادة الدول ويعزّز أمنها الجماعي"، وأنّ تحويل التعاون الأمني إلى منظومة ثابتة قادرة على الاستجابة السريعة لأيّ تطوّرات ميدانيّة يعني عمليًّا بناء خط دفاع متقدّم عن العراق على الأراضي السوريّة نفسها، بدل انتظار انتقال التهديد إلى العمق العراقي.
التحالف الدولي والعمق السوري.. قصف في سوريّا لحماية المدن في العراق
إلى جانب التنسيق الثنائي بين بغداد ودمشق، يبرز عامل آخر يصفه الخبير في الشؤون الأمنيّة جاسم الغرابي بأنّه جزء أساسي من منظومة حماية الأمن العراقي، ويتمثّل في استمرار الضربات الجويّة التي ينفّذها التحالف الدولي ضدّ مواقع تنظيم داعش في سوريّا. الغرابي يؤكّد في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ هذه الضربات "تمثّل خطوة مهمّة في إطار الجهود الدوليّة الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في العراق ومنع عودة التنظيم الإرهابي إلى تهديد الأمن الداخلي"، موضحًا أنّها تستهدف مواقع حيويّة للتنظيم تشمل مراكز تحرّك وتخزين ودعم لوجستي، الأمر الذي يضعف قدراته العملياتيّة ويحدّ من نشاط خلاياه العابرة للحدود.
من وجهة نظر الغرابي، الضغط المستمرّ على داعش في العمق السوري ينعكس بشكل مباشر على الوضع الأمني في العراق، لأنّ التنظيم لطالما حاول استغلال المناطق الوعرة والفراغات الأمنيّة في سوريّا كنقاط انطلاق لإعادة تنظيم صفوفه وشنّ هجمات داخل الأراضي العراقيّة، فيما تسهم العمليات الجويّة الدقيقة التي ينفّذها التحالف الدولي في إحباط هذه المحاولات ومنع تشكّل تهديدات جديدة، خصوصًا في المناطق الحدوديّة المشتركة، ويرى أنّ هذه الضربات توفّر للقوّات الأمنيّة العراقيّة "مساحة أكبر للتركيز على ترسيخ الأمن الداخلي وحماية المدن والمواطنين، بدل الانشغال الدائم بمخاطر تسلّل العناصر الإرهابيّة من خارج الحدود"، إلى جانب أنّ "التنسيق الدولي في هذا الملفّ يشكّل عنصرًا أساسيًّا في منع عودة الإرهاب".
الغرابي يلفت الانتباه أيضًا إلى البعد السياسي لهذه العمليات حين يقول إنّ "الضربات الأخيرة تحمل رسالة واضحة مفادها أنّ المجتمع الدولي ما زال ملتزمًا بمحاربة تنظيم داعش وعدم السماح له بإعادة بناء قدراته أو تهديد استقرار دول المنطقة"، معتبرًا أنّ استمرار هذا النهج يمنح العراق هامشًا أوسع للمناورة في ملفّ الأمن، لأنّ عبء مواجهة بقايا التنظيم يتوزّع بين عمل جوّي دولي في سوريّا، وعمل ميداني واستخباري عراقي على الأرض، ضمن شبكة واحدة تتقاطع فيها المصالح عند نقطة منع أيّ انتكاسة أمنيّة جديدة.
خطاب الدولة وخطاب المنصّات.. ازدواجيّة تشرخ الموقف العراقي وتربك المجتمعين العراقي والسوري
في مقابل هذه الصورة الرسميّة التي تتّضح من خلال مواقف الخبراء ومسار التنسيق الأمني مع دمشق الجديدة والانخراط ضمن جهود التحالف الدولي، تظهر على السطح إشكاليّة خطيرة تتعلّق بطبيعة الخطاب المتداول داخل العراق حول سوريّا ورئيسها وجيشها. فكلّما تقدّمت الدولة خطوة نحو تثبيت مسار التعاون مع الحكومة السوريّة الجديدة التي تحظى بدعم أو قبول من قوى دوليّة وإقليميّة عدّة، تخرج أصوات ومنصّات إعلاميّة وسياسيّة داخل العراق تعود إلى القاموس القديم، فتنادي الرئيس أحمد الشرع باسمه القتالي السابق "الجولاني"، وتصف الجيش السوري بالعصابات والإرهابيّين، متجاهلة واقع الاعتراف الدولي بالحكومة الجديدة ووقائع التنسيق الأمني القائم على الأرض بين بغداد ودمشق.
الخطير في هذه الأصوات ليس مضمون خطابها فحسب، بل ادّعاء بعض القائمين عليها قربهم من مؤسّسات أمنيّة أو فصائل مسلّحة عراقيّة، الأمر الذي يخلق لدى الجمهور في الجانبين انطباعًا بوجود تعارض بين ما تعلنه الدولة العراقيّة رسميًّا وبين ما يصدر عن أوساط تُقدَّم على أنّها قريبة من جزء من منظومتها الأمنيّة. في المقابل تظهر من داخل سوريّا أصوات إعلاميّة وسياسيّة تردّ على هذه المنصّات العراقيّة وتهاجمها، وتقدّمها على أنّها تعيق تثبيت شرعيّة السلطة في دمشق الجديدة وتخدم، بشكل أو بآخر، خصومها أو بقايا النظام القديم، فتدخل العلاقة الشعبيّة بين البلدين في دوّامة سجال متكرّر، يتغذّى على الذاكرة الثقيلة للصراع وعلى الانقسام الايديولوجي حول شخص الشرع وتاريخه السابق.
صادق عبد الله يشير في ختام حديثه إلى أنّ "التصريحات الصادرة عن بعض القوى السياسيّة بشأن هويّة الجولاني وتاريخه السابق تندرج في إطار السجال السياسي الداخلي"، لكنّه يذكّر في الوقت ذاته بأنّ "الجميع يدرك أنّ استمرار عدم الاستقرار في سوريّا سيجعل العراق أوّل المتضرّرين". هذا التوصيف يكشف التناقض القائم بين إدراك النخبة السياسيّة من الصفّ الأوّل لخطورة المشهد السوريّ على الأمن العراقي، وبين إصرار بعض القوى والمنصّات على استخدام هذا الملفّ لخدمة معارك خطابيّة داخليّة، حتى لو أدّى ذلك إلى إرباك صورة الموقف العراقي وإضعاف الثقة المتبادلة بين المجتمعين.
كيف يستفيد الإرهاب من الانقسام بين بغداد ودمشق إعلاميًّا؟
المحصّلة التي ترسمها هذه الشهادات أنّ مسار العلاقة بين العراق وسوريّا بعد سقوط نظام الأسد وصعود حكومة الشرع يقوم، في مستواه الرسمي، على قناعة راسخة بأنّ أمن البلدين مترابط وأنّ داعش ما زال خطرًا عابرًا للحدود يستدعي تنسيقًا استخباريًّا وعسكريًّا ودوليًّا متواصلًا، بينما يكشف، في مستواه الشعبي والمنصّاتي، عن فجوة في الخطاب تتغذّى على الاصطفافات السياسيّة الداخليّة والقراءات المتباينة لطبيعة القيادة الجديدة في دمشق. هذه الفجوة لا تبقى حبيسة البرامج التلفزيونيّة ومنصّات التواصل، بل تمتدّ إلى عمق المجتمعين العراقي والسوري، حيث يُعاد تقديم سوريّا مرّة كخطّ دفاع متقدّم عن الأمن العراقي، ومرّة كساحة مشكوك في شرعيّة سلطتها، وتتقدّم شخصيّة أحمد الشرع في الوعي العام بصورة مزدوجة، بين رئيس يعترف به العالم وشريك أمني على الحدود، وقائد ميداني سابق لا ينبغي الاعتراف به وفق روايات أخرى.
في هذا المناخ يظلّ التنظيم الإرهابي هو المستفيد الأوّل من كلّ شرخ في الجدار المشترك بين بغداد ودمشق، لأنّ كلّ تصدّع في الثقة السياسيّة أو الشعبيّة بين البلدين يفتح في الواقع ثغرة جديدة على الحدود يمكن أن تتحوّل إلى ممرّ أو حاضنة أو نقطة ارتكاز، ولهذا تبدو مهمّة الدولة العراقيّة اليوم مزدوجة، فهي من جهة معنيّة بتعميق التنسيق الأمني مع سوريّا الجديدة وتحويله إلى شراكة استراتيجيّة طويلة الأمد كما يقترح الخبراء، ومن جهة أخرى مطالبة بضبط خطابها الداخلي والمؤسّساتي والإعلامي بما ينسجم مع هذا المسار، حتّى لا تتحوّل المنصّات القريبة من بعض القوى إلى عامل تفتيت للمصلحة العراقيّة نفسها، في لحظة يحتاج فيها العراقيّون إلى خطاب واحد يضع أمنهم فوق أيّ خلاف سياسي أو حساب أيديولوجي.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية والسياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات