سياسة / ملفات خاصة 19-12-2025, 14:51 | --
+A -A

هندسة الغنيمة


المال السائب - مجهول المالك - تعويض عن الظلم.. هل هناك فتاوى تجيز سرقة المال العام؟

بغداد اليوم - بغداد

في كلّ مرّة تُفتح فيها ملفات الفساد في العراق، يقفز إلى الواجهة تعبير ثقيل الحضور في المخيال الشعبي: "المال السائب يعلّم السرقة". يتداوله البعض وكأنّه قاعدة فقهية، لا مثلًا شعبيًا يصف حالة التسيّب الإداري وغياب الرّقابة. وراء هذا التعبير تتشكّل "حكاية مريحة" للفاسدين: المال العام بلا مالك محدّد، الدولة غائبة أو ضعيفة، والسرقة تتحوّل في الخطاب اليومي إلى "شطارة" و"حقّ مسلوب يُسترد"، بل أحيانًا إلى "غنيمة شرعية" تُنسب زورًا إلى فتاوى ومتون فقهية. هنا بالضبط يتقدّم سؤال التقرير: هل توجد فعلًا فتاوى معتبرة تبيح سرقة المال العام تحت عنوان "المال السائب"، أم أنّ ما يجري هو صناعة غطاء ديني زائف لمنظومة نهب منظّم؟

شهادة سياسية تكشف عمق المأزق

في تصريح واضح يقطع الطريق على هذه الرواية، يضع عضو تحالف ثابتون غالب عطية الجبوري إصبعه على الجرح. يقول لـ"بغداد اليوم" إنّه "لا توجد أيّ فتوى أو اجتهاد ديني في جميع المذاهب الإسلامية يبيح الاستيلاء على المال العام، إذ تُعَدّ هذه الأفعال سرقة وفسادًا بأعلى مستوياتهما"، ويشدّد على أنّ محاولات تبريرها دينيًا "انحراف أخلاقي وخلط متعمّد للأوراق". في خلفية هذا الكلام، يرسم الجبوري صورة لشبكات فساد متنفّذة تمتلك "مكاتب اقتصادية" داخل مؤسّسات الدولة، تنهب المال العام بأساليب احترافية، وتُبقي بلدًا غنيًا بالثروات في مواجهة أزمات مالية متكرّرة ونِسَب فقر مرتفعة. ويذهب أبعد من ذلك حين يربط بين الفساد والإرهاب، معتبرًا أنّ من يسرق قوت الناس يمكنه أن يرتكب أيّ جريمة من أجل مصلحته، وأنّ هؤلاء لا يقلّون خطرًا عن الجماعات الإرهابية على أمن البلاد واستقراره. في نهاية التصريح، يضع شرطًا حادًا: لا طريق إلى مسار صحيح ما لم تُطلَق حملة حقيقية لكشف كبار الفاسدين ورفع الحصانة عنهم، وإلّا فإنّ استمرار المنحنى الحالي قد يدفع العراق إلى "مرحلة شديدة الخطورة". هذا الصوت السياسي ليس مجرّد رأي، بل مدخل لتحقيق أوسع في السؤال الديني والأخلاقي الكامن خلف عبارة "المال السائب".

الفقه السني والمال العام: حرمة مضاعفة لا رخصة مستترة

عندما نعود إلى النصوص الفقهية المدوّنة في المؤسسات الرسمية الكبرى، يتبدّد سريعًا أيّ ادّعاء بوجود فتوى تبيح سرقة المال العام. في الفقه السنّي، تقدّم دار الإفتاء المصرية نموذجًا صارمًا في التعامل مع أموال الدولة: فهي تشرح أنّ الاستيلاء على المال العام، أو التحايل على القوانين للحصول على إعانات أو أموال عامّة، يدخل في باب "أكل أموال الناس بالباطل" و"خيانة الأمانة"، وتؤكّد أنّ حرمته أشدّ من حرمة الاعتداء على المال الخاص، لأنّ الذمّة المتعلّقة به هي ذمّة المجتمع بأكمله لا ذمّة فرد واحد. وتستشهد بآيات الغلول في القرآن، وبأحاديث تحذّر من التلاعب في "مال الله" المخصّص للناس، وتقرّر صراحة أنّ الاعتداء على المال العام من "موبقات الذنوب" التي تجرّ صاحبها إلى النار.

الفقه الشيعي بين "مجهول المالك" وأموال الدولة

هذا التشدّد يتكرّر، بل يتضخّم، في الفقه الشيعي الإمامي كما تعكسه استفتاءات المرجع الأعلى السيد علي السيستاني. في باب "أموال الدولة"، تتوالى الأسئلة اليومية: هل يجوز السكن في بنايات عسكرية أو حكومية من دون إذن؟ هل يجوز شراء أغراض مسروقة من ممتلكات الدولة؟ هل يمكن التصرّف في أموال حكومية بحجّة تعويض مظالم سابقة أو ضرائب جائرة؟ تأتي الأجوبة متماسكة في خط واحد: لا يجوز السكن ولا الاستيلاء ولا المقاصّة ولا شراء المسروق، ولا يأذن المرجع بالتصرّف في أموال الحكومة في الدول الإسلامية "بغير الطرق القانونية بأيّ نحو من الأنحاء". وتذهب بعض الأجوبة إلى حدّ اعتبار الانتفاع بالمشاريع الحكومية خارج الأطر القانونية، كسرقة التيار الكهربائي أو التلاعب بعدّادات الماء والغاز، نوعًا من الغصب يوجب الضمان الشرعي، لا "شطارة" ولا "حقًّا مستردًّا".

إشكالية "المال السائب" تظهر عادة عند تقاطع هذا الباب مع مفهوم آخر في الفقه الشيعي هو "مجهول المالك". بعض القصص الشعبية في العراق تروّج لفكرة أنّ المال الذي لا يُعرَف مالكه، أو الذي يندرج تحت عنوان المال الحكومي، يمكن التصرّف به أو التصدّق بجزء منه بعد الاستئذان من الفقيه، فيتحوّل ذلك في التداول العام إلى تبرير ضمني لاعتبار المال العام "بلا مالك محدّد". لكن العودة إلى النصوص نفسها تُظهر صورة مختلفة؛ فاستفتاءات السيستاني تميّز بدقّة بين المال الخاص المفقود والمال الحكومي، وتقرّر أنّ التصرّف في مجهول المالك مشروط بضوابط صارمة، وغالبًا بالتصدّق مع الضمان، بينما تؤكّد أنّ أموال الحكومة لا تدخل في هذا الباب أصلًا، ولا يجوز التصرّف بها إلّا وفق القانون.

من النص الفقهي إلى المثل الشعبي: أين انقلب المعنى؟

على الضفة الأخرى من الخطاب الديني، يظهر المثل الشهير "المال السائب يعلّم السرقة". نصوص وعظية معاصرة تشرح أنّ هذا القول لا يعني إباحة أخذ المال، بل تحذّر من ترك المال بلا حراسة ولا نظام، لأنّ ضعف الرّقابة يفتح شهية ضعاف النفوس، وتذكّر بأنّ من استحلّ سرقة المال التابع للدولة إنما يسرق حقّ جميع المواطنين الذين سيطالبونه يوم القيامة، لا حقّ موظّف واحد أو جهة معيّنة. هنا تتّضح المفارقة: الشعار الذي يُستَخدم أحيانًا لتبرير الفساد، كأنّ "المال السائب" مباح لمن يجرؤ على أخذه، هو في أصلِه تحذير من أن تحويل المال العام إلى "سائب" هو دعوة مفتوحة للجريمة، لا رخصة شرعية لها.

أسطورة "الفتاوى المبيحة" كأداة في يد مافيات الفساد

إذًا، من أين جاءت حكاية "الفتاوى التي تُبيح المال السائب"؟ مراجعة الدراسات الشرعية المتخصّصة في موضوع اختلاس المال العام تشير إلى اتجاه واحد: اعتبار هذه الجريمة شكلاً من أشكال الغلول والخيانة، لا اجتهادًا مباحًا في منطقة رمادية. في رسالة أكاديمية بعنوان "جريمة اختلاس المال العام من منظور شرعي"، جرى توصيف الاستيلاء على المال العام على أنّه عدوان على حقّ الجماعة، يدخل في باب الفساد في الأرض، مع التأكيد على أنّ النصوص القرآنية والحديثية لا تفرّق في أصل التحريم بين مال الدولة ومال الفرد، بل تشدّد على المال العام بوصفه أمانة مشتركة. هذا يعني أنّ ما نسمعه في بعض الأحاديث اليومية عن "فقيه أفتى" أو "مرجع أجاز" يبقى، في أحسن الأحوال، روايات شفوية بلا سند مكتوب، تتناقض مع ما هو منشور ومكتوب وموثّق في مواقع دور الإفتاء والمرجعيات الكبرى.

من الفتوى إلى البنية: حين يتحوّل الفساد إلى ثقافة

خارج الإطار الفقهي الضيّق، يتحوّل السؤال إلى بنية أوسع: كيف تحوّل استباحة المال العام في العراق إلى "ثقافة" متجذّرة، كما تصفها بعض الدراسات العراقية ذاتها؟ تقارير بحثية صادرة عن مراكز تعنى بالحوكمة والفساد تبيّن أنّ مليارات الدولارات من المال العام هُدرت أو هُرّبت خلال السنوات الماضية، وأنّ صعوبة تتبّع هذه الأموال لا تلغي حقيقة أنّ نمط النهب تَحوّل إلى سلوك بنيوي في مؤسّسات الدولة، وليس إلى حالات فردية معزولة. في تحليلات أخرى، يجري الحديث عن أنّ دور "الدولة الموازية"، أي الشبكات الحزبية والمسلّحة والاقتصادية المحيطة بجسد الدولة، هو الأخطر في "تسويغ" التصرف بالمال العام، وجعله أداة للغنيمة السياسية لا موردًا للمصلحة العامة.

في هذا السياق، تصبح الرواية الدينية المشوّهة جزءًا من منظومة أوسع لإنتاج التبرير. بعض القوى السياسية تستثمر في الخطاب الطائفي أو الهويّاتي لإقناع جمهورها بأنّ المال المأخوذ من الدولة هو "تعويض عن ظلم تاريخي"، أو "حقّ لمكوّن حُرم لسنوات"، أو "نصيب شرعي" من ثروة يرى أصحابها أنّها نُهبت أصلًا من مناطقهم. دراسات عن "تزاوج" الطائفية والفساد في العراق تتحدّث عن أنّ الخطاب الديني المسَيّس يسهم في خلق بيئة نفسية تعتبر الدولة "غريبة" عن المجتمع، وتُشرعن، ضمنًا أو صراحة، التلاعب بالموارد العامة لمصلحة الجماعة أو الحزب أو الميليشيا.

المال العام بين الغنيمة والعقد الاجتماعي

هنا يكتسب تصريح الجبوري أهميته؛ فهو يقطع الطريق على محاولة استدعاء المذهب أو المرجعية لتغطية جريمة سرقة منظّمة. حين يقول إنّ الفساد "لا يرتبط بقومية أو مذهب، بل يجمع المتورطين به غياب الضمير"، فهو ينقل النقاش من ساحة "الفتوى" إلى ساحة "الأخلاق" و"ضمير الدولة". فحتى لو نجح بعض الفاسدين في إقناع دوائر ضيقة بأنّ ما يمارسونه ليس سرقة بل "شطارة"، فإنّ النصوص الفقهية المكتوبة لا تؤيّدهم، والقانون لا يحميهم، والواقع الاجتماعي يقدّمهم بوصفهم مافيات تستولي على "قوت الشعب" وتترك الفقر يتسلّل إلى البيوت في بلد نفطي غني.

البعد الأخطر في أسطورة "المال السائب" أنّها لا تكتفي بتبرير السرقة الفردية، بل تُستخدم لتطبيع شكل من أشكال "الاقتصاد السياسي للغنيمة". حين تتحوّل "المكاتب الاقتصادية" للأحزاب والفصائل إلى بوابات إلزامية للعقود والمناقصات، يصبح المال العام قنطرة لتمويل ماكينة سياسية وانتخابية وأمنية، لا موازنة لخدمات الصحة والتعليم والبنية التحتية. الدراسات العراقية عن الفساد الإداري والمالي تشير إلى أنّ نهب المال العام، واستخدام المنصب العام لأغراض خاصة، يحتلّان موقعًا متقدّمًا ضمن أشكال الفساد، وأنّ معالجة هذه الظاهرة تتطلّب، إلى جانب تشديد القانون، بناء ثقافة نزاهة تجعل الاعتداء على المال العام خطيئة اجتماعية لا يمكن تبريرها بخطاب ديني أو سياسي.

تفكيك أسطورة "المال السائب" كجزء من معركة الإصلاح

في ضوء هذا كلّه، يمكن إعادة صياغة السؤال الشعبي "هل توجد فتاوى تجيز سرقة المال العام؟" إلى سؤال أدقّ: من الذي يستفيد من ترويج هذه الأسطورة؟ التحقيق في الفتاوى المكتوبة، من دار الإفتاء في القاهرة إلى استفتاءات النجف وقم، يُظهر توافقًا عابرًا للمذاهب على أنّ المال العام أمانة لا تُستباح، وأنّ الاعتداء عليه أشدّ جرمًا من الاعتداء على المال الخاص. أمّا الذين يروّجون لفكرة "المال السائب" بوصفه مالًا مباحًا، فهم، في الغالب، جزء من منظومة ترى الدولة "غنيمة" لا عقدًا اجتماعيًا، وتحتاج إلى خطاب ديني مفصّل على مقاسها كي تواصل عملها دون حرج.

ما يقترحه تصريح الجبوري، مدعومًا بما تكشفه الفتاوى الموثّقة، هو قلب المعادلة: بدل استخدام الدين لتبرير سرقة المال العام، يمكن أن يتحوّل الخطاب الديني نفسه إلى حليف أساسي لخطاب المساءلة. حين يذكّر الفقه بأنّ من يتخوّض في "مال الله بغير حقّ" فله النار يوم القيامة، وحين تؤكّد الدراسات أنّ الفساد المالي يهدّد وحدة المجتمع واستقرار العقد السياسي، يصبح من الممكن بناء تحالف بين المنابر الدينية والهيئات الرقابية والقضاء والإعلام الاستقصائي لكسر سردية "المال السائب"، وإعادة تعريف المال العام في الوعي الجمعي بوصفه مالًا له مالكون حقيقيون: ملايين العراقيين الذين يدفعون ثمن هذا النهب من تعليم أبنائهم، وصحّتهم، وخدماتهم، وأمنهم اليومي.

في النهاية، لا تشير أيّ من المصادر الفقهية الكبرى التي جرى الرجوع إليها إلى فتوى واحدة تجيز سرقة المال العام باسم "المال السائب". الموجود، في المقابل، هو نصوص متضافرة تشدّد على حرمة المال العام، وتعتبر الاعتداء عليه خيانة كبرى. ما يعنيه ذلك سياسيًا أنّ معركة الفساد في العراق ليست مع "النصّ الديني" بقدر ما هي مع منظومة تستغل هذا النص وتشوّهه لتغطية مصلحة ضيّقة. وحين يُقال إنّ "العراق لن يسير في المسار الصحيح ما لم تُطلَق حملة حقيقية لكشف كبار الفاسدين ورفع الحصانة عنهم"، يكون جزء من هذه الحملة إعادة تفكيك أسطورة "المال السائب"، وفضحها أمام الناس كذريعة أُريد لها أن تحوّل السارق إلى "شاطر"، فيما يبقى المال العام، في عين الشرع والقانون، أقدس من أن يُستباح تحت أيّ عنوان.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14