بغداد اليوم – بغداد
منذ أن أقرّ مجلس النواب المدونة الجعفرية كإطار موازٍ لقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، دخل النقاش حول تنظيم الأسرة والطلاق والحضانة في العراق مرحلة جديدة، لم يعد فيها الخلاف محصورًا بين مؤيّد لقانون مدني ورافض لقانون مذهبي، بل أصبح السؤال أعمق: هل تؤدي المدونة الجعفرية فعلًا إلى تقليل حالات الطلاق وتعزيز تماسك الأسرة كما يقول مؤيّدوها، أم أنّها تعيد توزيع كلفة الانفصال على النساء والأطفال، وتحوّل الخوف من فقدان الحضانة إلى كابح صامت لأي خطوة نحو الطلاق، من دون أن تعالج أسباب الأزمة البنيوية التي رفعت معدلات الانفصال إلى مستويات مقلقة خلال السنوات الماضية؟
من هذا الباب تحديدًا جاء تصريح رئيس ديوان الوقف الشيعي في ديالى، مزهر التميمي، الذي أقرّ اليوم الخميس بتحقق "أولى ثمار" تطبيق القانون الجعفري، متحدثًا عن "انخفاض تدريجي في حالات الطلاق" بوصفه نتيجة مباشرة للمدونة الجديدة، ومعتبرًا أنّ التفاعل المجتمعي مع الندوات والفعاليات التي نظمها الديوان في ديالى ومحافظات أخرى يعكس "أهمية بناء الأسرة وتصحيح مسارها"، بما سيرتد إيجابًا على المجتمع على المدى المتوسط والبعيد. التميمي يربط بين واقع شهد، كما يقول، ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات الطلاق خلال السنوات الماضية، وبين لحظة تشريعية جديدة يُفترض أن تجعل الزواج والطلاق يتحركان داخل إطار فقهي أكثر صرامة، وأن تمنح للأسرة فرصة إضافية قبل الانهيار عبر ما تسميه بعض الجهات الدينية "إجراءات الإصلاح قبل التفريق".
ماذا تقول أرقام الطلاق عن "الانخفاض التدريجي"؟
لكنّ النقاش لا يتوقف عند هذا الخطاب التفاؤلي، لأنّ سؤال الأرقام وسؤال الخوف يسيران جنبًا إلى جنب في هذا الملف. فمن جهة أولى، تشير بيانات مجلس القضاء الأعلى المنشورة خلال الأعوام الأخيرة إلى أنّ العراق سجّل في 2021 و2022 و2023 أرقامًا تقارب أو تتجاوز 70 ألف حالة طلاق سنويًا، مع تذبذب محدود بين عام وآخر، لكن من دون أن تظهر قفزة واضحة في اتجاه الانخفاض المستقر، بل بقي المنحنى عاليًا على نحو جعل الطلاق واحدًا من أكثر الظواهر الاجتماعية إثارة للقلق. وفي 2024، ظلّ المعدّل الشهري أعلى من 5 آلاف حالة في معظم الأشهر، وتجاوز في بعض الأشهر 6 آلاف حالة، ما يعني أنّنا أمام أزمة ممتدة زمنيًا، لا مجرّد موجة عابرة يمكن لقانون واحد أن يوقفها خلال بضعة أشهر.
ومن جهة ثانية، يستند التميمي ومعه النائبة زهرة البجاري، التي تحدثت في تصريحات سابقة عن "انخفاض تاريخي" في حالات الطلاق، إلى أرقام شهرية محددة تفيد بأنّ المعدّل الذي كان يقترب، بحسب ما تقول، من 9 آلاف حالة طلاق شهريًا، انخفض في الأشهر الأخيرة إلى نحو 5,800 حالة كرقم تقريبي، ويتم تقديم هذا الانخفاض على أنّه "أولى ثمار" المدونة الجعفرية. غير أنّ هذا الربط المباشر بين القانون وبين أي تراجع عددي، ولو جزئي، يطرح إشكالات مهنية في قراءة الإحصاءات؛ إذ يتجاهل عوامل أخرى محتملة كتراجع عدد عقود الزواج نفسها، وتغيّر أنماط تسجيل الطلاق، والضغوط الاجتماعية والقانونية التي قد تدفع بعض الأزواج، خصوصًا النساء، إلى تجنّب اللجوء إلى القضاء من الأساس.
الخوف من الحضانة… الطلاق الذي يتأجّل بدل أن يختفي
هنا تحديدًا تبرز نقطة الخوف التي تثيرها ناشطات حقوقيات ومحاميات ومحامون يتعاملون مع ملفات الأسرة في المحاكم يوميًا. فالمسار الجعفري، كما تمّ شرحه في الندوات والبيانات الرسمية، يختلف عن قانون 188 في أكثر من زاوية حاسمة، أهمها تضييق حالات التفريق القضائي المتاحة للزوجة، مقابل إبقاء سلطة الطلاق بيد الزوج واسعة نسبيًا وفق الفقه الجعفري، فضلًا عن تغيير قواعد الحضانة في أعمار معيّنة للأطفال بما يميل لصالح الأب. هذه المعطيات تجعل كثيرًا من النساء يشعرن أنّ الدخول إلى مسار الطلاق في ظل المدونة الجعفرية يعني احتمالًا أكبر لفقدان الحضانة أو للتعرّض لضغط قانوني وديني مزدوج، فتتراجع بعضهن خطوة إلى الوراء، ويفضّلن البقاء في زيجات مضطربة بدل مواجهة مصير غير مضمون مع أولادهن.
تسري في الخلفية روايات متواترة عن أمهات خسرن حضانة أطفالهن بعد تحويل قضاياهن من المسار المدني إلى المسار الجعفري، وأخرى عن نساء نزحن إلى إقليم كردستان أو إلى محافظات أخرى بحثًا عن بيئة قانونية أقل تشددًا في قضايا الحضانة. وتستند بعض التقارير الصحفية والحقوقية إلى أرقام غير رسمية تتحدث عن مئات الأمهات اللواتي أُخذت منهن الحضانة بعد تطبيق المسار الجعفري، وآلاف الحالات التي تغيّرت فيها وضعية الأطفال القانونية لمصلحة الأب، وهي أرقام قد يختلف حول دقتها، لكنّ مجرد انتشارها بهذا الزخم يكشف حجم القلق الذي تشعر به النساء أمام قانون يُنظر إليه في بعض الأوساط بوصفه ينقل ميزان القوة بشكل حاد داخل الأسرة.
في هذا السياق، يصبح من المشروع أن نسأل: هل الانخفاض الذي يتحدث عنه التميمي في ديالى، إن ثبت رقميًا، هو تعبير عن "سعة" اجتماعية وقانونية جديدة تحمي الأسرة، أم عن "تقييد" غير معلن لحقّ الطلاق، خصوصًا بالنسبة للنساء؟ فإذا كانت امرأة تفكر ألف مرة قبل أن تفتح ملف طلاق خوفًا من أن تفقد أطفالها بموجب قواعد حضانة أكثر تشددًا لصالح الأب، فإنّ غياب الدعوى من سجلات المحكمة لا يعني بالضرورة أنّ الزواج أكثر استقرارًا، بل قد يعني أنّ الخلاف هرب من قاعة المحكمة إلى داخل البيت، وتحوّل إلى شكل آخر من أشكال العنف الصامت أو الهجر أو الإقصاء. وعندما يقيس الخطاب الرسمي "نجاح" القانون بعدد أقل من أحكام الطلاق، من دون أن يقيس في المقابل مستويات العنف الأسري، أو شعور النساء بالأمان القانوني، أو جودة الحياة داخل الأسرة، فإنّه قد يكون يركّز على نصف الصورة فقط، ذلك النصف الذي يظهر في الجداول والإحصاءات السنوية.
تفاوت المحافظات وصعوبة الحكم العام على تجربة واحدة
إلى جانب ذلك، يطرح خبراء في القانون والاجتماع سؤالًا آخر لا يقلّ أهمية: كيف يمكن تقييم أثر المدونة الجعفرية في ظاهرة الطلاق، في بلد يتميّز أصلًا بتباين كبير بين المحافظات، وبفوارق اجتماعية واقتصادية وثقافية حادة بين المدن والأرياف، وبين الوسط والجنوب وإقليم كردستان؟ عندما يقول التميمي إنّ "ديالى كانت من المحافظات التي سجلت معدلات مرتفعة للطلاق، إلا أنّ المسار بدأ يتغير تدريجيًا"، فهو يقدّم ملاحظة محلية يمكن أن تكون صحيحة جزئيًا في نطاق جغرافي محدّد، لكن تحويلها إلى "حكم عام" على مستوى العراق يحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية موحّدة، وإلى مقارنة زمنية تمتد لسنوات قبل المدونة وبعدها، وإلى عزل أثر القانون عن أثر العوامل الأخرى، من بطالة وفقر وهجرة ونزوح وتغيّر في الثقافة الدينية والإعلامية.
ثمّ إنّ الخطاب الديني الداعم للمدونة يركّز، في الغالب، على فكرة "إصلاح ذات البين" و"منح فرصة أكبر للأسرة قبل الطلاق"، وفي هذا ما يمكن أن يُعدّ هدفًا مشروعًا وطبيعيًا لأي منظومة تشريعية، لكنّ السؤال يبقى: من يدفع ثمن هذه "الفرصة الإضافية" عندما تكون كفّة السلطة والقرار داخل الأسرة مختلّة منذ البداية؟ فإذا تحوّل القانون إلى أداة تمنح طرفًا واحدًا قدرة أكبر على فرض شروطه على الآخر، فإنّ الإبقاء على الزواج لا يعني بالضرورة إنقاذ الأسرة، بل ربما يعني إطالة أمد معاناة داخلية مغلقة عن عين القانون نفسه.
بين رقم الطلاق وعدالة الأسرة… أين ينجح القانون وأين يفشل؟
من هنا، يبدو النقاش حول "أولى ثمار القانون الجعفري" أوسع بكثير من عنوان يتحدّث عن انخفاض في رقم معيّن لحالات الطلاق المسجّلة خلال شهر أو أكثر. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي تعديل في قوانين الأحوال الشخصية لا يمكن اختزاله في رقم مطلق يقلّ أو يزيد، بل في مزيج أعقد من المؤشرات، يبدأ بمستوى الشعور بالعدالة والإنصاف لدى الطرف الأضعف في المعادلة، وغالبًا ما تكون المرأة، ويمرّ بمدى قدرة القانون على حماية الأطفال من أن يتحوّلوا إلى ضحايا نزاع طويل، وينتهي بقدرته على بناء توازن حقيقي بين حرمة الأسرة وحرمة الفرد، فلا تكون الأولى ذريعة لسحق الثاني.
ما يقوله التميمي اليوم، وتردّده معه البجاري وشخصيات دينية وسياسية أخرى، يفتح نافذة على خطاب رسمي يريد أن يقدّم المدونة الجعفرية كعلاجٍ لأزمة الطلاق في العراق. لكنّ ما تقوله الأرقام الممتدة لسنوات، وما ترويه المحاكم ومحاميات الأسرة والناشطات الحقوقيات، وما يظهر في شكاوى الأمهات والآباء على حدّ سواء، يشير إلى أنّ الصورة أكثر تشابكًا؛ فهناك أزمة حقيقية في بنية الأسرة العراقية تفجّرت تحت ضغط الفقر والبطالة والتحوّلات الاجتماعية والرقمية، وأنّ أي قانون جديد، بما في ذلك المدونة الجعفرية، إذا لم يُقرَأ على ضوء هذه العوامل جميعًا، سيبقى جزءًا من الجدال أكثر ممّا يكون جزءًا من الحل.
في المحصلة، قد يكون من المبكر جدًّا إعلان أنّ القانون الجعفري "نجح" في خفض نسب الطلاق لمجرّد أنّ بعض المحافظات سجّلت انخفاضًا عدديًا في شهر أو أكثر. ما يبدو أوضح حتى الآن هو أنّ القانون نقل مركز الثقل في معركة الطلاق والحضانة، وأعاد رسم موازين القوة داخل الأسرة، وأنّ النساء، تحديدًا، أصبحن يواجهن معضلة جديدة: إمّا البقاء في زيجات مضطربة خوفًا من فقدان الحضانة، أو خوض معركة قانونية شاقة في ظلّ منظومة تشريعية تمنح الطرف الآخر، في كثير من الأحيان، أفضلية واضحة. بين خطاب "الانخفاض التدريجي" وواقع "الخوف المتزايد"، ستتحدّد في السنوات المقبلة الإجابة الفعلية عن سؤال جوهري: هل أضاف القانون الجعفري إلى تماسك الأسرة العراقية، أم أنّه نقل الأزمة من دفاتر القضاء إلى قيود البيوت المغلقة؟
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم