بغداد اليوم – بغداد
يتحرّك ملف تجنيد شباب عراقيين للقتال في صفوف الجيش الروسي في الحرب الدائرة على الأراضي الأوكرانية عبر مسارات متعدّدة، تجمع بين تقارير إعلامية وحقوقية تتحدّث عن مئات وربما آلاف المقاتلين الذين جرى استقطابهم من دول الشرق الأوسط، وبين مواقف سياسية عراقية تشكّك في دقّة هذه الأرقام وتعدّها مبالغة لا تستند إلى معطيات ميدانية واضحة، في وقت ما زالت فيه الحكومة تؤكّد التزامها المعلن بعدم زجّ العراقيين في صراع خارجي.
السروط: الأرقام مبالغ بها والظاهرة غير مرصودة داخل المدن
وصف عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية السابق، عباس السروط، التقارير التي تتحدث عن تجنيد عراقيين للقتال في الحرب الروسية – الأوكرانية بأنّها "مبالغ بها"، مبينًا أنّ هناك نقاطًا مهمّة تكشف خفايا ما يُتداول في هذا الملف.
وقال السروط في حديث لـ"بغداد اليوم" إنّ "الوصول إلى موسكو ليس بالأمر السهل، إذ توجد سلسلة من التعقيدات تبدأ بالحصول على الفيزا، مرورًا بضرورة توفّر سيولة مالية، ما يجعل الحديث عن تجنيد المئات أو الآلاف من العراقيين أمرًا يفتقر إلى الواقعية".
وتساءل: "من أيّ مناطق جاء هؤلاء الذين يُقال إنّهم جُنّدوا؟ وهل رُصدت فعليًّا مثل هذه الظاهرة في المدن العراقية؟"، مؤكّدًا أنّ "التقارير المتداولة تحمل قدرًا كبيرًا من المبالغة وكأنّ هناك توجّهًا لإيصال رسالة مفادها أنّ بغداد تدعم موسكو، بينما الواقع مختلف".
وأضاف أنّ "العديد من التقارير الإعلامية الصادرة من وسائل غربية تتضمّن معلومات غير دقيقة وتحتاج إلى تحقيق جاد"، لافتًا إلى أنّه "في حال كان هناك تجنيد لآلاف الأشخاص، فأين هم؟ وكيف يمكن أن تغيب هذه الظاهرة عن عوائلهم والمجتمع؟".
وأكّد السروط أنّ "ما يُنشر في بعض الصحف والقنوات يثير الكثير من علامات الاستفهام"، مبينًا أنّ "القراءة المتأنية لما بين السطور توصِل إلى أنّ موضوع التجنيد منظّم أو ممنهج داخل العراق غير مثبت ولم يُسجّل بشكل رسمي".
وأشار إلى أنّه "في حال وجود أعداد محدودة ذهبت للقتال، فقد يكون ذلك بدوافع فردية، مثل الحصول على رواتب أو امتيازات أو جنسية، لكنّ الحديث عن تجنيد واسع ومنظّم للعراقيين للزجّ بهم في الحرب الروسية – الأوكرانية يبقى غير مؤكّد ولا يستند إلى وقائع واضحة".
روايات دولية عن شبكات تجنيد عابرة للحدود
في مقابل هذه المقاربة المتحفّظة التي يقدّمها السروط، تتحدّث تقارير صحفية وحقوقية دولية وإقليمية عن مسار مختلف، يشير إلى وجود شبكات تجنيد تستهدف الشباب من دول عربية، من بينها العراق، عبر قنوات رقمية وشركات وساطة، بوصفهم "متطوّعين" أو "متعاقدين" مع الجيش الروسي في أوكرانيا. وتذهب بعض هذه التقارير إلى طرح أرقام تصل إلى مئات وربما آلاف المقاتلين الذين غادروا خلال الأعوام الماضية، لكن دون أن تُحسم الصورة بأرقام عراقية رسمية معلنة.
وتشير هذه التقارير إلى أنّ بعض عمليات الاستقطاب تتمّ عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، خصوصًا قنوات على "تلغرام" تعرض تفاصيل عن الرواتب وشروط العقود وإمكانية الحصول على الإقامة أو الجنسية الروسية، فيما تتحدّث شهادات عن شبكات وساطة تتكفّل باستصدار التأشيرات وتنظيم السفر وتسهيل الوصول إلى مراكز التسجيل أو معسكرات التدريب داخل روسيا، مقابل عمولات مالية.
القضاء العراقي يدخل على خطّ الملف
على المستوى الداخلي، لم يقتصر التعامل مع الملف على التتبّع الإعلامي؛ إذ شهدت محاكم عراقية، خلال الفترة الماضية، فتح دعاوى جزائية ضدّ متهمين بتجنيد عراقيين وإرسالهم إلى ساحات القتال في أوكرانيا. فقد أصدرت محكمة الجنايات في إحدى محافظات الفرات الأوسط حكمًا بالسجن المؤبّد بحق متهم أُدين بتشكيل مجموعات ونقلها إلى خارج البلاد، استنادًا إلى قانون مكافحة الاتجار بالبشر، بعد ثبوت قيامه بالتنسيق مع وسطاء لتوقيع عقود لصالح الجيش الروسي مقابل مبالغ مالية.
وتتحدّث مصادر قضائية وأمنية عن أنّ هذه القضية ليست الوحيدة، بل جزء من مسار أوسع لكشف حلقات تجنيد متفرّقة، بعضها يعمل تحت غطاء شركات سفر أو عقود عمل، وبعضها الآخر يتحرّك في مساحة رمادية بين الوساطة التجارية والنشاط العسكري غير المعلن، في ظلّ صعوبة حصر كل الحالات التي تغادر عبر طرق غير نظامية أو ممرات تهريب.
اقتصاد مأزوم يدفع الشباب إلى خيارات خطرة
في خلفية هذا الملف، تقف عوامل اقتصادية واجتماعية معروفة في العراق؛ فمعدّلات البطالة بين الشباب ما زالت مرتفعة، وفرص العمل المستقرّ داخل البلاد محدودة، فيما يشير خبراء الاقتصاد إلى أنّ أعدادًا متزايدة من الشباب تبحث عن أيّ منفذ للهجرة أو العمل في الخارج، حتى وإن كان ذلك في دول تشهد نزاعات أو حروبًا.
وتنقل بعض الشهادات التي وثّقتها تقارير ميدانية أنّ شبابًا عراقيين قَبِلوا بعقود القتال في أوكرانيا بدافع الحصول على رواتب بالدولار، وتعويضات محتملة لعائلاتهم، مع وعود بالإقامة أو الجنسية، مُعتبرين أنّ ما يحصلون عليه في أشهر قليلة هناك يعادل ما يمكن أن يجنوه في سنوات داخل سوق العمل العراقي. وفي هذه البيئة، تصبح الفوارق بين "قرار فردي" و"ظاهرة اجتماعية" أقلّ وضوحًا، خصوصًا حين تتداخل الحاجة الاقتصادية مع نشاط شبكات تجنيد عابرة للحدود.
بين التشكيك والحاجة إلى حسم رسمي للملف
بين رواية التقارير الدولية التي تتحدث عن تجنيد منظّم لمئات وربما آلاف العراقيين في الحرب الروسية – الأوكرانية، ورواية عباس السروط الذي يشدّد على أنّ الأرقام المتداولة مبالغ بها وأنّ ما يمكن الحديث عنه لا يتجاوز حالات فردية بدوافع شخصية، يبقى الملف مفتوحًا على أسئلة لم تُحسم بعد: ما الحجم الفعلي للعراقيين الذين جرى استقطابهم؟ وما نوع القنوات التي استُخدمت في تجنيدهم؟ وهل تتحرّك هذه القنوات داخل العراق كجزء من شبكات منظّمة، أم بوصفها مبادرات وسطاء أفراد؟
حتى الآن، لا توجد بيانات رسمية تفصيلية تعلنها الحكومة عن عدد المجنّدين، أو عن مصير من قُتل منهم في جبهات القتال، أو عن حجم الشبكات التي جرى تفكيكها بالفعل. لكنّ وجود أحكام قضائية، إلى جانب استمرار صدور تقارير إعلامية وحقوقية من داخل العراق وخارجه، يجعل من هذا الملف واحدًا من الملفات التي تتطلّب مقاربة أكثر شفافية من قبل السلطات، سواء عبر إعلان نتائج تحقيقات واضحة، أو عبر تشديد الرقابة على قنوات التجنيد والسفر والعقود، بما يحول دون تحوّل الفقر والبطالة إلى بوّابة تدفع الشباب العراقيين إلى حروب لا علاقة لبلادهم بها، ولا تدخل ضمن خيارات سياستها الخارجية المعلنة.
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات