بغداد اليوم – بغداد
حين صوّت مجلس مفوّضي هيئة الإعلام والاتّصالات على أوّل لائحة رسميّة لتنظيم الألعاب الإلكترونيّة في العراق، بدا القرار في ظاهره خطوة تقنيّة تخصّ قطاعًا ترفيهيًّا يزداد اتّساعًا بين فئة الشباب، لكنّه في عمقه فتح بابًا أوسع لسؤال يتجاوز حدود الشاشات إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في الفضاء الرقمي، وحدود ما يمكن تنظيمه أو ضبطه، وما يمكن أن يتحوّل إلى أداة تقييد جديدة تحت عناوين الحماية والأمن والسِّلم المجتمعي. في بلد عاش لسنوات على قرارات متقطّعة بحجب بعض الألعاب، وعلى موجات غضب شبابيّة رافضة لتجريم هواياتهم المفضّلة، تبدو هذه اللائحة الجديدة محاولة متأخّرة لترتيب المشهد، لكنّها أيضًا نقطة اختبار حقيقيّة لمدى قدرة المؤسّسات على الانتقال من منطق المنع العشوائي إلى منطق التنظيم الرشيد.
لائحة صغيرة.. أسئلة كبيرة
الخبير في التقنيات الرقميّة علي العمران، علّق في حديثه لـ"بغداد اليوم"، على أهمّية وتداعيات الخطوة قائلًا إنّ "إقرار مجلس مفوّضي هيئة الإعلام والاتّصالات أوّل لائحة رسميّة لتنظيم الألعاب الإلكترونيّة في العراق يُمثّل نقلة نوعيّة طال انتظارها نحو حماية حقوق المستخدمين، ولا سيّما فئة الأطفال والمراهقين، وتعزيز الممارسات الصحيّة والمسؤولة في قطاع يشهد نموًّا متسارعًا". ينظر العمران إلى القرار بوصفه محاولة لوضع حدّ لحالة الفراغ التنظيمي التي سمحت خلال السنوات الماضية بتضارب القرارات بين السلطة التشريعيّة والجهات التنفيذيّة، وبين حملات الحظر والحجب من جهة، وواقع الاستخدام الواسع وغير المنضبط من جهة أخرى، في ظلّ غياب إطار قانوني واضح يحدّد المسؤوليّات والحقوق والالتزامات.
العمران يرى أنّ جوهر التغيير يكمن في كون اللائحة "تؤسّس لإطار قانوني واضح ينظّم علاقة المستخدمين بمقدّمي خدمات الألعاب والمنصّات الرقميّة، ويضع أسسًا لحماية الخصوصيّة، وضبط المحتوى، وتنظيم الإعلانات والعمليّات الشرائيّة داخل الألعاب، بما يحدّ من الاستغلال والممارسات غير المسؤولة". هذه النقطة تفتح مجالًا واسعًا للنقاش حول اقتصاديات الألعاب الإلكترونيّة داخل العراق؛ فالملايين من العمليّات الشرائيّة الصغيرة التي يجريها اللاعبون عبر البطاقات المصرفيّة أو البطاقات المسبقة الدفع كانت تتمّ سابقًا في منطقة ضبابيّة، لا يعرف فيها المستخدم حجم ما يُسحب من أمواله بصورة دقيقة، ولا إلى أيّ مدى تلتزم المنصّات بقواعد حماية البيانات أو منع الاستغلال، ولا توجد آليّات رقابيّة محلّية فاعلة على ما يجري داخل هذه العوالم التفاعليّة التي تخلط بين اللعب والإنفاق والتواصل الاجتماعي في آن واحد.
من الحظر إلى التنظيم
ومع ذلك، ينبّه العمران إلى أنّ أهمّية القرار "لا تكمن في صدوره فحسب، بل في آليّات تطبيقه، ونجاح اللائحة مرهون بوضوح التعليمات التنفيذيّة، واعتماد معايير تصنيف عمري دقيقة، وتوفير قنوات فعّالة لتلقّي شكاوى المستخدمين ومعالجتها بشفافيّة وسرعة". هنا يتحوّل النقاش من مستوى النوايا إلى مستوى البنية المؤسّسيّة؛ فالعراق الذي شهد في عام 2019 قرارًا من مجلس النوّاب بحظر بعض الألعاب بدعوى تشجيعها على العنف وتهديدها للسِّلم المجتمعي، عرف أيضًا هشاشة في التطبيق، وازدواجيّة بين الخطاب الرسمي الذي يدين هذه الألعاب، والواقع الفعلي الذي استمرّ فيه اللاعبون بالوصول إليها عبر أدوات تجاوز الحجب، في مشهد يكشف الفارق بين قرار سياسي سريع وبين سياسة عامّة مدروسة تملك أدوات التنفيذ والرقابة والتقييم.
من هذه الزاوية تحديدًا، تبدو اللائحة الجديدة بمثابة محاولة لإعادة تعريف دور الدولة في هذا الملف، ليس فقط كجهة حظر أو سماح، بل كمنظّم يحاول أن يوازن بين ثلاثة أبعاد متشابكة: حماية الفئات الهشّة من الأطفال والمراهقين من الإدمان والأذى النفسي والسلوكي؛ احترام حقوق المستخدمين البالغين في الوصول إلى المحتوى الترفيهي الذي يختارونه؛ وعدم خنق فرص الاستثمار في صناعة الألعاب والرياضات الإلكترونيّة التي تمثّل أحد أسرع القطاعات نموًّا في الاقتصاد الرقمي عالميًّا. لذلك يشدّد العمران على ضرورة "الحذر من مخاطر المبالغة في القيود أو فرض أعباء تنظيميّة تثقل كاهل المطوّرين المحلّيين، فيجب تحقيق توازن دقيق بين حماية المستخدمين ودعم الابتكار والاستثمار في الاقتصاد الرقمي". فالمشكلة، كما يراها، ليست في وجود قواعد تنظّم عمل المنصّات، بل في أن تتحوّل هذه القواعد إلى متاهة بيروقراطيّة تُبعد المستثمرين، أو إلى أداة انتقائيّة تُستخدم للضغط على جهات بعينها تحت عناوين أخلاقيّة وأمنيّة تبدو في ظاهرها محايدة.
اقتصاد الألعاب والعملة الافتراضية
في قلب لائحة تنظيم الألعاب الإلكترونية يقف ملف شديد الحساسية غالبًا ما يُهمَل في النقاش العام، هو اقتصاد الألعاب والعملة الافتراضية؛ هذا العالم الذي يتحرّك خارج جدران المصارف التقليدية، وتتشابك فيه بطاقات الشحن المباعة في محالّ الاتّصالات والأكشاك مع محافظ رقمية عابرة للحدود، وصفقات شراء أسلحة افتراضية وأزياء رقمية وشخصيات مميّزة، لكنها في المحصّلة تستهلك جزءًا متزايدًا من دخل العائلات العراقية، خصوصًا في البيوت التي تحوّل فيها اللعب اليومي إلى نمط حياة لا مجرّد تسلية عابرة، حيث يدفع اللاعب الصغير مبالغ متفرّقة تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في نهاية الشهر تتحوّل إلى رقم حقيقي يضغط على ميزانيّة الأسرة، فيما تبقى حركة هذه الأموال بلا شفافية كافية حول نسبة ما يذهب فعلًا إلى الشركات المالكة للمنصّات، وما يتسرّب عبر وسطاء محلّيين في سوق رمادية تمتدّ من باعة بطاقات الشحن إلى حسابات مموّهة على منصّات دولية، وفي هذا السياق تبدو اللائحة الجديدة أمام امتحان مزدوج؛ فهي من جهة مطالَبة بوضع قواعد واضحة للإعلانات الموجّهة داخل الألعاب، ومنع نماذج "القمار المقنّع" التي تتجسّد في صناديق الحظّ والجوائز العشوائية المصمّمة لاستدراج المزيد من الإنفاق، ومن جهة أخرى مطالَبة بفتح الملف المسكوت عنه المتعلّق بتتبّع مسارات هذه المدفوعات الافتراضية وربطها بأنظمة رقابية ومصرفية محلّية، بما يسمح بحماية المستخدمين من الاستغلال، وفي الوقت نفسه منع تحوّل هذا الاقتصاد غير المرئي إلى منصّة محتملة لغسل الأموال أو تمويل أنشطة خارج إطار القانون.
الأساس القانوني وحدود الدستور
في خلفيّة هذا النقاش كلّه، يبرز سؤال قانوني ودستوري لا يمكن القفز عليه: على أيّ قوانين ستستند هذه اللائحة فعلًا، وما مدى انسجامها مع الدستور العراقي؟ فالمادة 38 من الدستور تنصّ على كفالة حرّية التعبير عن الرأي بكلّ الوسائل، وحرّية الصحافة والإعلام، وحرّية الاتّصال والاتّصالات، على أن تنظَّم هذه الحريّات بقانون. هنا يبدأ الجدل بين خبراء القانون الدستوري وحقوق الإنسان؛ فالبعض يرى أنّ تنظيم الألعاب الإلكترونيّة يمكن أن يُدرج ضمن سلطة الدولة في حماية النظام العام والآداب العامّة، شريطة احترام معايير الضرورة والتناسب، وألّا يتحوّل إلى ذريعة لمصادرة المحتوى أو التضييق على التعبير الرقمي. في المقابل، يطرح آخرون تساؤلًا حادًّا عمّا إذا كانت اللائحة ستكون امتدادًا لقرارات سابقة ذات طابع سياسي أو أخلاقي أكثر منه قانوني، فيُخشى أن تصبح "مظلّة دستوريّة" لقرارات حظر انتقائي تحت عنوان حماية الأطفال أو مكافحة العنف، من دون سند قضائي واضح أو رقابة برلمانيّة فعّالة.
هؤلاء يشيرون إلى أنّ هيئة الإعلام والاتّصالات، وهي تستند إلى قوانين تنظيم البثّ والاتّصالات، تحتاج أن توضّح للرأي العام والبرلمان معًا كيف ستُطبَّق اللائحة: هل ستُعدّ مجرّد تعليمات تنظيميّة داخل نطاق الصلاحيات الممنوحة لها، أم ستُستخدم كقاعدة لتقييد المحتوى يترتّب عليها حجب منصّات وألعاب أو ملاحقة قانونيّة لمستخدمين ومطوّرين؟ وهل سيُسمح بالطعن في قراراتها أمام القضاء الإداري أو المحكمة الاتّحاديّة، أم ستبقى قراراتها عمليًّا بمنأى عن الرقابة الفاعلة؟ بين قراءة ترى في اللائحة تفعيلًا منطقيًّا للصلاحيّات التنظيميّة، وأخرى تخشى أن تتحوّل إلى أداة بيد مزاج سياسي أو أمني متغيّر، يبقى الامتحان الحقيقي في النصوص التفصيليّة والتعليمات التنفيذيّة التي لم تُكشف كاملة بعد، وفي مدى خضوعها لمبادئ الدستور لا لأهواء اللحظة.
بين حماية المستخدمين وخنق الابتكار
على الضفّة الأخرى من النقاش، تبرز مخاوف عائلات وشرائح اجتماعيّة واسعة من الآثار السلوكيّة والصحّيّة لبعض الألعاب التي تقوم على العنف أو المقامرة المقنّعة أو الخطاب السام، وقد عاشت هذه العائلات في السنوات الماضية حالة من التناقض بين دعوات رجال دين وتربويّين وخبراء نفسيّين لمواجهة "اجتياح الألعاب العنيفة" لغرف الأطفال، وبين واقع اقتصادي وثقافي جعل الهاتف الذكي الملاذ الوحيد للترفيه في أحياء فقيرة ومدن تفتقر إلى مساحات اللعب الآمنة والبدائل الثقافيّة المنظّمة. من هنا، تبدو عبارة العمران حين يقول إنّ "اللائحة تبعث برسالة طمأنة للأسر والمجتمع بأنّ الدولة تتعامل بجدّية مع تأثيرات الألعاب الإلكترونيّة الصحّيّة والسلوكيّة، وقد تسهم في خلق بيئة أكثر أمانًا للاعبين، وتشجّع في الوقت ذاته على نموّ صناعة الألعاب والرياضات الإلكترونيّة بشكل منظّم ومستدام"، بمثابة رهان على إمكانيّة أن تتحوّل اللائحة إلى عقد جديد بين الدولة والمجتمع حول الفضاء الرقمي، بدل أن تكون مجرّد عنوان إضافي في سجلّ طويل من السياسات غير المكتملة.
لكن هذا الرهان، كما يوضّح الخبير نفسه، يحتاج إلى بنية تشاركيّة أوسع في التطبيق، فلا يكفي أن تصدر اللائحة عن مجلس مفوّضين، بل يجب، كما يقول العمران، إشراك المطوّرين، وخبراء الصحّة والسلوك، ومنظّمات المجتمع المدني في مراحل التطبيق والتقييم المستمرّ، حتّى تتحوّل اللائحة من نصّ قانوني إلى "أداة فاعلة تعزّز الاستخدام الآمن والمسؤول للألعاب الإلكترونيّة في العراق". هذا الإشراك لا يعني فقط عقد ورش عمل أو ندوات، بل إدماج هذه الأطراف في آليّات صنع القرار، وفي مراجعة دوريّة للائحة بما يتلاءم مع سرعة تطوّر تقنيات الألعاب وأساليب الاستغلال فيها، من صناديق الحظّ إلى الأنظمة الإدمانيّة المصمَّمة بعناية، وصولًا إلى بيئات اللعب المفتوحة التي تختلط فيها غرف الدردشة بالمحتوى غير الخاضع لأيّ حدود جغرافيّة.
هل تصبح اللائحة سياسة وطنيّة أم أداة عابرة؟
في الخلفية، يبقى سؤال السياسات العامّة حاضرًا بقوّة: هل تمثّل اللائحة بداية انتقال حقيقي من منطق "حظر لعبة هنا، وتجريم أخرى هناك" إلى منطق سياسة وطنيّة متكاملة للألعاب الإلكترونيّة والفضاء الترفيهي الرقمي؟ أم أنّها ستُضاف إلى قائمة الأدوات القانونيّة التي تُستخدم انتقائيًّا تحت ضغط حدث إعلامي أو حملة غضب عابرة؟ الإجابة، كما يوحي مسار القرارات السابقة، ستعتمد على ما إذا كانت الهيئة والجهات الحكوميّة الأخرى قادرة على بناء منظومة متكاملة تشمل تصنيفًا عمريًّا واضحًا، وآليّات رقابة شفّافة، وأدوات تظلّم فعّالة للمستخدمين، وسياسات تعليميّة وتوعويّة ترافق اللائحة بدل أن تترك الأسر وحدها في مواجهة الشاشات. وبين الفرصة التي تتيحها هذه اللائحة لفتح الباب أمام صناعة ألعاب محلّية، وتنظيم بطولات رياضات إلكترونيّة، واستقطاب استثمارات رقميّة جديدة، وبين خطر الانزلاق إلى خطاب رقابي متشدّد يعيد إنتاج صور سابقة من الوصاية على الذائقة والسلوك، سيتحدّد مستقبل هذه الخطوة: إمّا أن تكون بداية سياسة جديدة للفضاء الرقمي في العراق، أو أن تظلّ مجرّد عنوان جميل فوق بنية قديمة لم تتغيّر.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية والسياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات