اقتصاد / ملفات خاصة 17-12-2025, 16:00 | --
+A -A

هبط أكثر من 90%


الأمطار وحدها لا تكفي: الجفاف يهدد الأمن الغذائي للعراقيين.. والاكتفاء الذاتي بـ"مهب الريح"

بغداد اليوم - بغداد

تضع موجة الجفاف الحالية العراق أمام اختبار صعب في واحد من أهمّ ملفات أمنه الغذائي، وهو ملفّ الاكتفاء الذاتي من محصول الحنطة. لجنة الزراعة والمياه النيابية أقرت بشكل واضح بأنّ ارتدادات الجفاف وصلت بالفعل إلى هذا الملف، مع التحفّظ على إصدار حكم نهائي بحجم الضرر قبل اتّضاح صورة الموسم المطري بالكامل.

وقال عضو اللجنة، النائب ثائر الجبوري، في حديث لـ"بغداد اليوم"، إنّ العراق يواجه خلال عام 2025 أحد أقسى مواسم الجفاف منذ عشرات السنين، موضحًا أنّ خطورة الموقف تتمثل في الانخفاض الحاد في الخزين المائي الإستراتيجي للسدود الرئيسية بنسبة تجاوزت 90 في المئة، إضافة إلى وجود فراغ خزني يُقدَّر بعشرات المليارات من الأمتار المكعبة. هذه الأرقام تتقاطع مع تقديرات دولية سابقة حذّرت من هبوط مخزون العراق المائي خلال السنوات الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة، نتيجة تراجع الواردات في نهري دجلة والفرات، وتأثير التغيّر المناخي، وسوء الإدارة الداخلية للموارد المائية.

تراجع الخزين المائي وتقليص الخطة الزراعية

يشرح الجبوري أنّ محدودية الإطلاقات المائية في حوضي دجلة والفرات تمثّل عاملًا إضافيًا في تفاقم الأزمة، رغم محاولات بغداد المستمرة للتوصل إلى تفاهمات أكثر استقرارًا مع أنقرة وطهران بشأن تقاسم المياه. ويؤكّد أنّ الموجة المطرية الأخيرة لا يمكن اعتبارها مؤشرًا مطمئنًا، لأنّ كميات الخزن المتحققة، بحسب قراءات وزارة الموارد المائية، ما تزال أقل بكثير من الحاجة الفعلية لعبور الأزمة الحالية. هذا التراجع الحاد في الخزين دفع وزارة الزراعة إلى تقليص الخطة الزراعية للحنطة بنسب عالية، خصوصًا في المناطق المعتمدة على الريّ السطحي من الأنهار والقنوات الرئيسة، وهو ما يعني عمليًا تقليل المساحات المزروعة مقارنة بالمواسم الماضية، وإعادة ترتيب أولويات توزيع المياه لصالح الشرب والاستخدامات الأساسية قبل الزراعة. تقارير سابقة لوزارة الموارد المائية ومنظمات دولية أشارت إلى أنّ العراق خسر خلال سنوات قليلة جزءًا كبيرًا من قدرته على التخزين في السدود والخزانات، مع تسجيل مستويات متدنية في بحيرات مثل الثرثار، وحدوث فجوة واضحة بين ما تحتاجه البلاد من مياه وبين المتاح فعليًا في خزاناتها.

من سنوات الاكتفاء الذاتي إلى موسم القلق على الإنتاج

خلال السنوات الثلاث الماضية، تبنّت الحكومة خطابًا يعتمد على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحنطة، مستندة إلى أرقام إنتاج قياسية. تقديرات وزارة الزراعة ووزارة التجارة تشير إلى أنّ حاجة العراق السنوية من الحنطة تتراوح بين 4.5 و5 ملايين طن، فيما تجاوز الإنتاج في بعض المواسم 6 ملايين طن، مع وجود خزين إستراتيجي في الصوامع يكفي لأكثر من عام. هذا الإنجاز تمّ عبر حزمة سياسات شملت دعم سعر شراء الحنطة من الفلاحين بأسعار تفوق السعر العالمي، وتوفير بذور محسّنة عالية الإنتاجية، وتشجيع التوسع في الزراعة الصحراوية باستخدام الآبار والريّ المحوري.

لكنّ موجة الجفاف الحالية قلبت المعادلة من جديد. تقارير دولية، من بينها تقارير لوكالة "رويترز" ومنظمات متخصّصة في مراقبة الأمن الغذائي، تتحدث الآن عن أنّ إنتاج الحنطة في الموسم 2025/2026 مهدّد بالتراجع بنسب قد تصل إلى 30–50 في المئة إذا استمرت ظروف الشح المائي، مع توقّعات بأن يضطر العراق لاستيراد ما لا يقل عن 2.4 مليون طن لتغطية النقص المحتمل، بعد ثلاث سنوات من الحديث عن الاكتفاء الذاتي. هذه الصورة تجعل من تصريح لجنة الزراعة والمياه، بأنّ الجفاف ترك أثرًا مباشرًا على خطط الاكتفاء من الحنطة، تأكيدًا لمخاوف سبق أن طرحتها منظمات دولية حذّرت من هشاشة أي إنجاز في ملف الحبوب ما لم يُعالج أصل المشكلة المتمثل في المياه.

الزراعة بين الأنهار والآبار: حلول عاجلة ومخاطر بعيدة المدى

النظام الزراعي في العراق اليوم يتحرك على خطّين رئيسيين: زراعة تعتمد على مياه الأنهار وقنوات الريّ التقليدية، وزراعة تعتمد على المياه الجوفية في الصحراء باستخدام أنظمة الريّ الحديثة. في ظروف الجفاف، جرى تقليص الخطة الزراعية التي تعتمد على المياه السطحية، مع اشتراط استخدام الريّ الحديث في المساحات التي تستمر زراعتها لتقليل الهدر. بالتوازي، توسعت مشاريع الزراعة الصحراوية في النجف وكربلاء والأنبار والجنوب، مع الاعتماد الكبير على الآبار العميقة والريّ المحوري. هذه المشاريع أسهمت في تعويض جزء من النقص وزيادة إنتاج الحنطة في السنوات السابقة، لكنها تضع ملفات جديدة على الطاولة، في مقدمتها استدامة المخزون الجوفي، وكلفة الطاقة اللازمة لتشغيل منظومات الضخّ والريّ، واحتمال انخفاض مناسيب المياه الجوفية إذا استمر السحب بمعدلات مرتفعة من دون إدارة صارمة. تقارير فنية لمنظمات دولية، مثل منظمة الأغذية والزراعة "فاو"، حذّرت من أنّ الإفراط في الاعتماد على الزراعة المعتمدة على الآبار، في سياق مناخي يتّجه نحو مزيد من الجفاف، قد يحوّل المياه الجوفية إلى مورد مهدّد بالنضوب على المدى المتوسط، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى ملف الأمن الغذائي.

الخضرة والغطاء النباتي والتصحر

أزمة الجفاف لا تنعكس على الحنطة وحدها، بل تمتد إلى صورة الزراعة والغطاء النباتي في البلاد بشكل عام. تقارير رسمية وأخرى دولية تشير إلى أنّ مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في وسط العراق وجنوبه تضررت نتيجة تراجع الحصص المائية والملوحة العالية، ما أدى إلى انخفاض إنتاج البساتين، وتراجع أعداد النخيل في بعض المناطق، وتحوّل أراضٍ زراعية إلى مساحات متصحّرة أو شبه مهجورة. في الوقت ذاته، يتراجع الغطاء النباتي الذي كان يشكل أحزمة خضراء حول عدد من المدن والقرى، الأمر الذي ساعد في زيادة العواصف الترابية ورفع كلفتها الصحية والاقتصادية. مشاريع الحزام الأخضر والتحريج ما زالت محدودة ومتقطعة، ولم تتحول إلى برامج وطنية واسعة بالوتيرة التي تتناسب مع حجم التصحر والاندثار الزراعي الجاري.

الأمن الغذائي تحت ضغط المناخ والسياسات المائية

ما تطرحه لجنة الزراعة والمياه النيابية من ملاحظات حول أثر الجفاف على الحنطة يرتبط مباشرةً بملف الأمن الغذائي لعشرات الملايين من العراقيين. تقارير مشتركة لمنظمات دولية متخصّصة في رصد أوضاع الغذاء، من بينها "فاو" و"فيوز نت"، تشير إلى أنّ فئات واسعة في المناطق الريفية المتضررة من شحّ المياه تعاني من ضغط متزايد في تأمين الغذاء، وأنّ بعض الفئات انتقلت عمليًا إلى أوضاع تصنَّف "هشّة غذائيًا"، مع اعتماد أكبر على البطاقة التموينية، وتقليل تنوّع الغذاء، واللجوء إلى الاقتراض وبيع الأصول البسيطة لتعويض الدخل الزراعي المفقود. في الوقت نفسه، سجّلت محافظات عدّة موجات نزوح داخلي مرتبطة بشكل مباشر بندرة المياه وتدهور الإنتاج الزراعي، ما يعني أنّ الجفاف لا يهدد فقط كمية الحنطة المنتجة، بل بنية الريف نفسه وقدرته على الاستمرار كمصدر رئيسي للغذاء.

الحاجة إلى مقاربة جديدة للماء والزراعة

تُظهر مجمل هذه المعطيات أنّ التعامل مع الجفاف بوصفه حالة استثنائية مؤقتة لم يعد كافيًا. تصريحات النائب ثائر الجبوري عن انخفاض الخزين الإستراتيجي بنسبة تتجاوز 90 في المئة، وتقليص الخطة الزراعية للحنطة، والاعتماد المتزايد على الزراعة الديمية والآبار، تعكس واقعًا يحتاج إلى مراجعة أعمق لسياسات الماء والزراعة معًا. على المستوى الخارجي، يبقى ملف التفاوض مع دول المنبع حول حصص العراق المائية عنصرًا حاسمًا، لكنّه لا يغني عن إصلاح داخلي لمنظومة الريّ، وتقليل الهدر، وتحديث البنى التحتية للقنوات والسدود، وربط دعم الفلاحين بمدى التزامهم بالأنظمة الحديثة في الريّ وإدارة التربة. وعلى المستوى الداخلي، تبرز الحاجة إلى ربط خطاب الاكتفاء الذاتي بقدرة حقيقية على حماية الموارد المائية، وتنويع القاعدة الزراعية، وحماية المجتمعات الريفية من الانهيار، بدل الاكتفاء بإعلان أرقام الإنتاج في موسم واحد أو موسمين. في ضوء ذلك، يصبح حديث لجنة الزراعة والمياه عن تأثر ملف الاكتفاء الذاتي من الحنطة بالجفاف ليس مجرّد توصيف لوضع طارئ، بل إشارة إلى أنّ سياسات إدارة الماء والزراعة في العراق بحاجة إلى إعادة بناء شاملة إذا أرادت البلاد أن تحول الاكتفاء من شعار متكرر إلى واقع مستقر يمكن الصمود أمام موجات الجفاف المقبلة.

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14