أمن / ملفات خاصة 17-12-2025, 15:02 | --
+A -A

الحاضنة الأخيرة


احتمالات جديدة: هل ينجح "الكونكريت" في عزل العراق عن داعش وحرائق الداخل السوري؟

بغداد اليوم – بغداد

من تصريحات لجنة الأمن والدفاع النيابية يمكن التقاط ملامح العقل الأمني العراقي وهو ينظر إلى الغرب، إلى شريط حدودي يزيد على 600 كيلومتر مع سوريا تحوّل خلال العقد الماضي إلى شريان خطير لنقل المقاتلين والسلاح والفكرة المتطرفة في آن واحد.

النائب ياسر وتوت يلخّص لـ"بغداد اليوم"، هذه الرؤية حين يقول إنّ تأمين المسار الحدودي بين العراق وسوريا يمثّل أولوية قصوى للأمن الوطني العراقي، ولا سيّما أنّ بعض مقاطعه تتسم بتعقيدات كبيرة من حيث التضاريس والبيئة، موضحًا أنّ هذه التحديات دفعت إلى تبنّي ما يسمّيه “استراتيجية ثلاثية متداخلة” يأتي في مقدّمتها الجدار العازل الكونكريتي، على أن تتكامل معه الكاميرات الحرارية، والطائرات المسيّرة، وخطوط الدفاع المنتشرة على الأرض، والجهد الاستخباري المستمر.

في ظاهر الأمر، تبدو بغداد وكأنّها تحاول رسم خطّ فاصِل بين عراق ما بعد هزيمة داعش وسوريا التي ما زالت تعيش ارتدادات سقوط النظام السابق وتحوّلها إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين وصراعاتهم، لكن السؤال الذي يفرض نفسه في العمق أبعد من صورة الجدار ذاته: هل يعني تحصين الحدود أنّ خطر التنظيم يتراجع فعلًا، أم أنّ العراق يعزل نفسه عن موجة مقبلة ستنفجر في الداخل السوري أولًا قبل أن تبحث عن ثغرات جديدة إلى الداخل العراقي؟

خلال الأعوام الأخيرة تكثّفت أعمال التحصين على طول الحدود العراقية – السورية، وأعلنت قيادة حرس الحدود استكمال مئات الكيلومترات من الجدار الكونكريتي ضمن مشروع بدأ منذ 2022، مع تأكيد أنّ العمل جارٍ “لإغلاق الفراغات الأمنية” التي ظلّت لسنوات تمثّل ممرّات نموذجية لعبور عناصر د1عش وشبكات التهريب بين البلدين. هذا الجدار، الذي يتراوح ارتفاعه بين ثلاثة وأربعة أمتار في بعض المقاطع، يتكامل مع خندق وسياج شائك وأبراج مراقبة ونقاط ثابتة، فيما تغطّي كاميرات حرارية وطائرات مسيّرة مساحات واسعة من الصحراء الغربية، حتى أنّ مسؤولين عراقيين تحدّثوا عن أنّ النسبة الأكبر من الشريط الحدودي باتت خاضعة لرقابة مباشرة عبر مركز تحكّم يتلقّى صورًا لحظية من مئات الكاميرات ومنصّات الطائرات من دون طيّار. هذا التحوّل من حدود مخترقة إلى حدود تُعامَل كجبهة متقدّمة لم يكن مجرّد خيار هندسي، بل جاء تحت ضغط تجربة “الخلافة” بين 2014 و2017، ثم تحت تأثير المتغيّرات السورية بعد سقوط النظام وصعود سلطة انتقالية هشّة على أنقاضه، وما تبعه من إعادة انتشار للفصائل الجهادية وعلى رأسها داعش في البادية السورية ومحيطها.

بادية سوريا بعد سقوط النظام: ملاذ مفتوح للتنظيم

في الجانب السوري من الخطّ الحدودي لم يعد التنظيم يمتلك مدنًا يتفاخر برفع رايته فوق مبانيها؛ فقد أُسدل الستار منذ آذار 2019 على آخر جيب معلن لـ“الخلافة” في الباغوز، لكنّ المساحة التي يتحرّك فيها اليوم، بحسب تقارير أممية وأوروبية، تمتد من البوكمال على تخوم العراق مرورًا ببادية دير الزور والرقة ووصولًا إلى محيط تدمر والسخنة والقلمون الشرقي وتلول الصفا، في حزام صحراوي – جبلي قليل السكان يصعب ضبطه بالكامل من أي طرف. هذه الجغرافيا، بما فيها من وديان وعروق رملية ومسالك فرعية غير ممسوكة، تشبه غرفة تنفّس للتنظيم؛ فبين الارتفاعات الصخرية والممرّات الوعرة يعيد بناء شبكات صغيرة قادرة على تنفيذ كمائن ضدّ أرتال عسكرية، وزرع عبوات ناسفة على الطرق، واستهداف نقاط تفتيش، ثم التلاشي مجدّدًا في الصحراء. تقديرات مراكز بحث متخصّصة تشير إلى أنّ بضعة آلاف من مقاتلي د1عش ما زالوا نشطين في سوريا والعراق مجتمعَيْن ضمن نمط حرب عصابات لا يحتاج إلى كتلة بشرية ضخمة بقدر حاجته إلى ملاجئ آمنة وخطوط تمويل واتصالات، ومع تفكّك السلطة في سوريا وتعدّد مراكز القرار بين حكومة انتقالية في دمشق وقوى محلّية في الشمال الشرقي وأخرى في الشمال الغربي، تتحوّل هذه الفراغات السياسية والأمنية إلى بيئة مواتية لتنظيم يقتات تاريخيًا على الهشاشة والفوضى أكثر ممّا يقتات على السيطرة الإدارية المباشرة.

التنظيم لم يعد يكتفي بالتموضع في عمق الصحراء، بل يحاول استثمار حزام ريفي يمتدّ حول المدن الكبرى مثل حلب وحمص ودير الزور والرقة وريف دمشق، حيث تتداخل خرائط السيطرة بين قوات النظام وقوات محليّة وقوى خارجية. وزير الداخلية السوري الحالي، أنس خطاب، أكد أنّ عناصر التنظيم “ينتشرون الآن في المدن السورية الكبرى بسبب عدم رضاهم عن الحكومة الحالية”، في إشارة إلى انتقال جزء من الخطر من هوامش البادية إلى قلب الحواضر، حيث تكون قدرة الدولة على الضبط أكبر نظريًا، لكنها أكثر هشاشة حين يتقاطع الاستياء السياسي مع هشاشة المنظومة الأمنية الوليدة.

الهول والسجون المغلقة: خزان بشري مؤجل

غير أنّ معادلة الخطر لا تتشكّل في البادية وحدها، بل في مخيّمات وسجون الشمال الشرقي، وعلى رأسها مخيّم الهول الذي تحوّل في خطاب المسؤولين الدوليين إلى ما يشبه “القنبلة الموقوتة”. تقارير أمريكية وأوروبية حديثة تُقدّر عدد من ما زالوا محتجزين في مخيّمَيْ الهول وروج وبقية مواقع الاحتجاز التابعة لـ“قوات سوريا الديمقراطية” بنحو عشرات الآلاف بين رجال ونساء وأطفال، غالبيتهم ممّن يُشتبه بانتمائهم أو انتماء عائلاتهم إلى د1عش، وقد مرّت سنوات طويلة على سقوط “الخلافة” من دون أن يُحسم مصيرهم القضائي أو الإنساني بصورة واضحة. داخل هذه المخيّمات نشأت، وفق روايات صحافيين ومنظمات، أحياء ظلّ تسيطر عليها نساء متشدّدات يفرضن أنماطًا من الضبط الاجتماعي والعقاب، ويحوّلن الخيام إلى غرف تلقين لأطفال لم يعرفوا من العالم سوى أسلاك المخيّم وصوره، بل إنّ تقارير عدّة تحدّثت عن محاولات تهريب منظّمة لعناصر من التنظيم، وعن هجمات متكررة استهدفت العاملين الإنسانيين والحراس، في ما يشبه إعادة إنتاج مصغّرة لمناطق نفوذ عقائدي مغلق داخل أرض يفترض أنّها تحت سيطرة خصوم التنظيم.

بالنسبة للعراق تحديدًا لا يمثّل الهول أزمة بعيدة، فبغداد أعادت خلال السنوات الماضية آلافًا من مواطنيها من المخيّم ضمن برامج إعادة تأهيل وإدماج اجتماعي متدرّجة، لكنّ هذا المسار لم يحسم جوهر السؤال: ماذا عن عشرات الآلاف الذين ما زالوا عالقين بين رفض دولهم إعادتهم وخشية القوى المحلّية من إطلاق سراحهم أو محاكمتهم ضمن منظومة قضائية هشّة؟ هذا التناقض بين ضرورة الإغلاق لأسباب أمنية وإنسانية، وتردّد كثير من الدول في استعادة رعاياها، يجعل من المخيّمات خزّانًا مؤجّلًا للتجنيد، يراقبه التنظيم كمن ينتظر اللحظة المناسبة لإعادة تدوير جزء من هذه الكتلة البشرية في مشروعه، سواء عبر سيناريوهات هروب جماعي، أو صفقات مبهمة، أو تفجّر أمني مفاجئ يعيد رسم خطوط السيطرة في الشمال الشرقي السوري.

تحوّلات نشاط داعش بين سوريا والعراق: من الخلافة إلى التمرّد المستتر

إذا كان الجدار العازل على الحدود يحاول قطع الطريق على المقاتلين والأسلحة القادمة من سوريا، فإنّ المعطيات الرقمية التي صدرت عن القيادة المركزية الأمريكية وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة ترسم صورة أكثر تعقيدًا لمسار د1عش في الأعوام الأخيرة. تقارير عسكرية ودولية أشارت إلى أنّ التنظيم تبنّى خلال فترات رصد محدّدة عشرات، بل مئات، الهجمات في سوريا وحدها، استهدفت في معظمها قوات قسد في الشمال الشرقي، إلى جانب عمليات في البادية الوسطى وهجمات رمزية في مراكز حضرية، في ما يشبه المزج بين أسلوب الاستنزاف اليومي في الأطراف والضربات عالية الصدى في العمق. وفي الوقت نفسه سجّل المسار الأمني في العراق منحًى مختلفًا نسبيًا، إذ تُجمع تقارير أممية وأوروبية وأمريكية على أنّ مستوى تهديد داعش داخل الأراضي العراقية أصبح “قابلًا للإدارة”، بفعل استعادة القوات العراقية السيطرة على معظم المناطق التي كانت خاضعة للتنظيم، وتثبيت وجود أمني في أطراف المدن ومناطق الأحزمة، وتطوير قدرات الاستخبارات العسكرية وجهاز مكافحة الإرهاب، واستمرار دعم بعثة الناتو في بناء قدرات المؤسّسات الأمنية العراقية.

الأرقام المتاحة توضّح أنّ معدّل الهجمات التي يتبنّاها التنظيم في العراق تراجع قياسًا بذروة نشاطه قبل سنوات، وأنّ أغلبها يحدث في مناطق ريفية أو جبلية في صلاح الدين وديالى وكركوك ونينوى والأنبار، على شكل هجمات صغيرة تستهدف نقاط تفتيش أو مزارعين في الحقول أو أرتالًا مدنية وعسكرية على طرق فرعية. في هذا السياق يصبح الجدار العازل جزءًا من مسار تضييق رقعة الحركة، بحيث يُدفَع ما تبقّى من خلايا التنظيم إلى العمق السوري بدل أن يحافظ على القدرة على التنقّل بين مسرحَيْ العمليات. لكنّ النجاح في تقليص الهجمات لا يعني إلغاء احتمالية عودة التنظيم، لأنّ البنية العميقة التي استثمر فيها منذ 2013 لم تُعالَج بالكامل؛ من ثغرات الحكم المحلي في بعض المناطق إلى الفساد، مرورًا بملفّات النزوح الطويلة، ووصولًا إلى استخدام السجون كمخزون محتمل للتجنيد وإعادة إنتاج شبكات الولاء العقائدي والاقتصادي.

حين تنظر بغداد إلى الجدار فهي لا ترى فقط كتل الكونكريت الممتدة عبر الصحراء، بل ترى أيضًا تحوّل الجغرافيا السورية إلى ما يشبه “مفرخة احتمالات” جديدة. سقوط النظام السابق لم يؤدّ إلى استقرار، بل إلى انتقال السلطة إلى منظومة انتقالية هشّة تحاول التوفيق بين مراكز نفوذ متناقضة، من فصائل جهادية سابقة تحاول تقديم نفسها بوصفها سلطة أمر واقع، إلى قوى كردية تتفاوض على دورها في الجيش والحدود والنفط، إلى أدوار دولية متنافسة تسعى كلٌّ منها إلى تثبيت موطئ قدم في إعادة تشكيل سوريا المقبلة. داخل هذه اللوحة المعقّدة يتحرّك داعش بوصفه لاعبًا يستفيد من الفجوات، فيجذب مقاتلين ساخطين من فصائل أُقصيت من السلطة، أو من عناصر سابقة في الجيش والأجهزة الأمنية فقدت امتيازاتها، ويقدّم نفسه أحيانًا كبديل متطرّف لكنّه واضح، في بيئة يزداد فيها الغموض وفقدان الثقة بالقوى التقليدية.

ما الذي لا يراه الساتر الكونكريتي؟ ثغرات الداخل قبل ثغرات الحدود

السيناريو الأكثر واقعية لعودة داعش في العراق لا يبدأ من ثغرة في الساتر، بل من ثغرة في العقد الاجتماعي والسياسي. فالتنظيم، في موجته الأولى، لم يدخل المدن العراقية على ظهور المدرّعات بقدر ما دخل على ظهر الإحساس بالخذلان لدى شرائح واسعة شعرت أنّ الدولة لا تمثّلها، وأنّ التهميش والاعتقالات العشوائية وغياب العدالة جعلت من التمرّد خيارًا أقلّ سوءًا من الخضوع. بعد عقد تقريبًا لا تزال بعض هذه العوامل حاضرة بأشكال جديدة؛ بطالة عالية في محافظات محرّرة، ملفّات تعويض وإعمار متأخرة، نزوح طويل الأمد، فساد ينخر في مؤسّسات الخدمات، خطاب سياسي يستثمر في الهويات الضيّقة أكثر ممّا يستثمر في المواطنة. هذه البيئة، إن لم تُعالَج جذورها، يمكن أن تقدّم للتنظيم نسخة محدّثة من أرضية الانطلاق، حتى لو تغيّر الاسم أو الشعار أو راية الفصيل الذي يستثمر فيها. الجدار هنا يمنع المقاتل القادم من البوكمال، لكنّه لا يمنع ولادة المقاتل المحتمل في قرية مهمّشة على تخوم حمرين، أو في مخيّم نازحين لا أفق له في الأنبار أو نينوى، أو في حيّ حضري يعجز عن الحصول على أبسط خدمات الدولة بينما يشاهد شبكات الفساد تتضخّم بلا مساءلة.

في المقابل لا يمكن التقليل من القيمة العملانية للاستراتيجية الحدودية الثلاثية التي تتبنّاها بغداد. فالحدود السورية – العراقية كانت لعقود نقطة رخوة تستغلّها التنظيمات المتطرّفة وشبكات التهريب بالتوازي، ومن ثمّ فإنّ تحويلها إلى جبهة مراقَبة بالكونكريت والكاميرات والطائرات المسيّرة يغيّر قواعد اللعبة على مستوى الزمن والمسافة والكلفة. التقارير التي رصدت تقدّم أعمال الجدار نقلت عن مسؤولي حرس الحدود أنّ هذا المشروع لا يستهدف داعش وحده، بل يهدف أيضًا إلى قطع طرق التهريب التي تغذّي اقتصادًا موازيًا للمليشيات والجماعات المسلّحة العابرة للحدود، وأنّ الغاية هي “إغلاق الممرّات أمام كلّ ما يهدّد الأمن الوطني، من الإرهاب إلى المخدرات والسلاح”. هذا الربط بين الإرهاب والاقتصاد غير الشرعي يعكس إدراكًا متزايدًا بأنّ التنظيمات المتطرّفة لا تعيش في فراغ، بل داخل شبكات أوسع من الفاعلين غير الرسميين الذين يتقاطعون معها في المصالح أحيانًا، حتى لو اختلفوا في الأيديولوجيا والشعارات.

بين الساتر المادي والعقد الاجتماعي: أيّ عودة ممكنة لداعش؟

في النهاية لا يقدّم الجدار العازل جوابًا حاسمًا عن سؤال عودة داعش، بل يقدّم إطارًا جديدًا لطريقة طرح السؤال. الحدود، بما فيها من أبراج وكاميرات وخنادق، يمكن أن تؤخّر عودة التنظيم إلى العراق، وأن تقلّص قدرته على التحرك بين مسارح سوريا والعراق، وأن ترفع كلفة التسلّل والتهريب، لكنّها لا تُبطِل قدرة الفكرة على أن تجد لها حاملًا جديدًا حين تتكرّر ظروف الظلم والفراغ. وفي المقابل فإنّ ترك سوريا، بمخيّماتها وسجونها وباديتها الممزّقة، من دون تسوية سياسية مستقرّة، ومن دون حلول جدّية لملفّات الاحتجاز وإعادة التأهيل، يعني ببساطة ترحيل المشكلة إلى أجل غير مسمّى لا أكثر.

العراق، في هذه المعادلة، لا يملك رفاهية انتظار ما ستقرّره العواصم الكبرى بشأن مستقبل سوريا أو مستقبل الوجود العسكري الدولي؛ ولذلك يبدو أنّه اختار أن يرفع ستارًا كونكريتيًا بينه وبين الفوضى غربًا، فيما يبقى التحدّي الحقيقي في قدرته على رفع ستار سياسي واجتماعي في الداخل، يحمي مواطنيه من إعادة إنتاج الظروف التي جعلت من داعش ممكنًا في المقام الأوّل. بين الجدارين، المادي والرمزي، ستتحدّد في السنوات المقبلة حقيقة ما إذا كانت عودة التنظيم مجرّد احتمال نظري يُلوَّح به في تقارير الاستخبارات، أم خطرًا يتقدّم ببطء تحت رمال البادية السورية وداخل ثغرات الداخل العراقي في آن واحد.

تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار