سياسة / أمن / ملفات خاصة 12-12-2025, 15:35 | --
+A -A

السلاح الفتاك


ما ينتظر العراقيين "أسوأ من الاحتلال".. اختصار لرسائل وتحركات واشنطن تجاه بغداد - عاجل

بغداد اليوم – بغداد

بينما تنشغل القوى السياسية في بغداد بمفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة واستحقاقات ما بعد الانتخابات، يخرج من واشنطن صوت عراقي يعرف دهاليز القرار الأمريكي ليضع المشهد في إطار أكثر قسوة. المقيم في العاصمة الأمريكية والمطّلع على كواليس الملف العراقي، انتفاض قنبر، يختصر المخاوف بجملة صادمة: ما ينتظر العراق قد يكون "أسوأ من الاحتلال"، لأنّ المعركة المقبلة قد لا تكون بدبابات على الأرض، بل بسلاح مالي اسمه قطع الدولار عن بغداد إذا لم تُلبِّ الطبقة السياسية الشروط التي جاء بها مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مارك سافايا. هذه المقاربة تفتح سؤالًا ثقيلًا: ماذا يعني أن يصبح شريان الدولار القادم من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ورقة ضغط مركزية في علاقة واشنطن ببغداد بإدارة ترامب الحالية، وكيف يمكن أن تنعكس معركة كهذه على اقتصاد هشّ يعتمد بالكامل تقريبًا على العملة الأمريكية؟

من أمريكا إلى بغداد… تحذير من "سلاح فتاك"

في أكثر من إطلالة إعلامية وتعليق، شدّد انتفاض قنبر على أنّ العراق لا يواجه اليوم خطر اجتياح عسكري جديد بقدر ما يواجه خطرًا ماليًّا يمكن أن يشلّ الدولة من الداخل. تحذيره لا يتحدّث عن احتمال نظري، بل عن مسار تصعيدي بدأت مؤشراته بالظهور منذ أعوام، عندما شدّدت وزارة الخزانة الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي القيود على مزاد العملة، وأخرجت عددًا من المصارف العراقية من دائرة التعامل بالدولار بحجة تورّطها في تهريب العملة وتمويل شبكات مرتبطة بإيران. من هذه الزاوية، يصبح حديث قنبر عن "الأسوأ من الاحتلال" محاولة لوصف سيناريو لا يحتاج إلى جندي واحد على الأرض: يكفي أن تُغلِق واشنطن وتُضيّق صنبور الدولار، تدريجيًّا أو دفعة واحدة، حتى تصبح رواتب الموظفين، واستيراد الغذاء والدواء، وسعر الدينار، والحياة اليومية للمواطنين، رهينة قرار سياسي–مالي يصدر في نيويورك وواشنطن.

عقدة الدولار العراقي… حين تمرّ إيرادات النفط من بوابة الفيدرالي

منذ عام 2003، تمّ تثبيت آلية خاصة لإدارة عائدات النفط العراقي؛ إذ تُودَع الأموال في حسابات لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، قبل أن تُستخدم لتمويل واردات العراق وسدّ احتياجات الموازنة بالدولار. هذه الصيغة جعلت من الولايات المتحدة شريكًا قسريًّا في الدورة المالية العراقية، ومن حسابات الفيدرالي بوابة إلزامية لكل دولار يدخل إلى بغداد. بالتوازي مع ذلك، ظلّ البنك المركزي العراقي يدير "مزاد العملة" لتغطية الاستيراد وتحويلات القطاع الخاص، ما فتح الباب أمام ممرّات التهريب والفساد واستغلال الفجوة بين السعر الرسمي والموازي. ومع تراكم الشبهات حول خروج مليارات الدولارات من العراق إلى دول مجاورة بشبهات غسل أموال وتمويل شبكات خاضعة للعقوبات، بدأت واشنطن تنظر إلى هذا المسار بوصفه نقطة ضعف يمكن أن تتحوّل إلى أداة عقاب وضبط في آن واحد.

خلال السنوات الأخيرة، ترجمت الخزانة الأمريكية هذه الرؤية إلى خطوات ملموسة: تشديد على المنصّة الإلكترونية للتحويلات الخارجية، حظر عدد من المصارف من الوصول إلى الدولار، وفرض تدقيق دقيق على كل عملية تحويل، وصولًا إلى رفض طلبات يُشتبه أنّها مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات أو شبكات تهريب. هذه التجربة أظهرت للعراقيين، عمليًّا، معنى أن تكون حياة الاقتصاد معلّقة بخيط واحد اسمه "موافقة الفيدرالي"، وأعطت لكلام قنبر اليوم وزنًا إضافيًّا، لأنّ العراقيين رأوا بأعينهم كيف يمكن لسلسلة إجراءات أمريكية أن ترفع الدولار في السوق الموازي، وتربك الأسواق، وتضغط على الحكومة في غضون أسابيع.

شروط سافايا… من الفصائل إلى الدولار

في هذه اللحظة الحساسة، جاء مبعوث ترامب إلى العراق، مارك سافايا، بخريطة مطالب يُقال إنّها تمثّل خلاصة تفكير الإدارة الجديدة تجاه بغداد: دولة واحدة وسلاح واحد، وقف تمويل الفصائل المسلحة من المال العام، ضبط منافذ تهريب الدولار إلى إيران وسوريا ولبنان، وتحديد موقع أوضح للعراق في معادلة الصراع بين واشنطن وطهران. هذه الشروط، وإن لم تُعلن جميع تفاصيلها رسميًّا، يجري تداولها في الكواليس بوصفها "سقف" الموقف الأمريكي في المرحلة المقبلة، على أن تكون ورقة الفيدرالي وسلاح الدولار هي الأداة الأكثر فاعلية لدفع بغداد نحو هذا السقف.

من هنا، يقرأ قنبر المشهد بوصفه انتقالًا من مرحلة "النصح والتحذير" إلى مرحلة "الإملاء عبر الأدوات المالية". فإذا قبلت القوى المسيطرة في بغداد – سياسيًّا وعسكريًّا – بالشروط الأمريكية، يمكن أن يبقى الدولار يتدفق مع بعض القيود والضوابط؛ أمّا إذا قرّرت الاستمرار في ازدواجية المواقف، فيرى قنبر أنّ الرد الأمريكي لن يكون هذه المرة على شكل بيانات ومذكرات احتجاج، بل على شكل تشديد متدرّج على قنوات الدولار، قد يصل في أقصى صوره إلى تقييد حادّ أو شبه تجميد لاستخدام الاحتياطات العراقية بالدولار.

ما معنى "قطع الدولار" عمليًّا؟

عندما يحذّر قنبر من "قطع الدولار عن العراق"، لا يتحدّث بالضرورة عن إيقاف كليّ وفوري لكل التحويلات، فهذا سيناريو مكلف للجميع، ويفتح على فوضى مالية عالمية لا تريدها واشنطن. ما يتحدّث عنه أقرب إلى مسار عقابي متدرّج، يمكن أن يشمل:

تضييق أوسع على المصارف العراقية وحرمان مزيد منها من التعامل بالدولار، ما يحوّلها إلى مؤسسات محليّة عاجزة عن تمويل التجارة الخارجية؛ تشديد سقوف التحويلات المسموح بها عبر المنصّة، بما يدفع التجار إلى السوق السوداء ويرفع سعر الصرف ويُضعف الدينار؛ وربّما في مرحلة متقدمة، استخدام ورقة الاحتياطات نفسها، عبر فرض صيغ معيّنة لاستخدامها أو التلويح بتجميد جزء منها في حال اعتُبر أنّ الحكومة العراقية ماضية في سياسات تناقض المطالب الأمريكية.

في صورة كهذه، يتبدّى الفارق بين الاحتلال العسكري والضغط المالي: الأوّل يدمّر البنى التحتية ويؤدي إلى صدامات مسلّحة مباشرة، أمّا الثاني فيخنق الدولة تدريجيًّا من الداخل، ويحوّل كلّ ملفّ – من الرواتب إلى الكهرباء إلى الغذاء – إلى ورقة مساومة على الطاولة السياسية. هنا تحديدًا يبدو كلام قنبر عن "الأسوأ من الاحتلال" أقرب إلى تحذير من انهيار صامت، لا يُرى في الشوارع دبابات، لكن يراه المواطن كل يوم في سعر صرف يتصاعد، ومشاريع متوقفة، وحكومة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها من دون إذن من الفيدرالي.

هل لدى العراق خيارات حقيقية للخروج من قبضة الفيدرالي؟

في مواجهة هذا السيناريو، يكثر الحديث في بغداد عن "تنويع الشركاء" والتوجّه نحو الصين وروسيا، أو التسوية بعملات غير الدولار، أو حتى بناء احتياطات بعملات أخرى. لكنّ هذه الأفكار تصطدم بجملة حقائق صلبة: النفط العراقي ما زال يُسعّر بالدولار، الأسواق العالمية تتعامل بالدولار بوصفه عملة مرجعية، والنظام المصرفي العراقي ضعيف البنية وغير قادر، في وضعه الراهن، على إدارة صدمة انتقال مفاجئ إلى نظام تسويات جديد. إضافة إلى ذلك، أي انزياح كبير عن الدولار يحتاج إلى مظلّة سياسية دولية مختلفة، ووقت طويل لبناء ثقة الأسواق والجهات المموّلة، وهو ترف زمني لا يبدو متاحًا في ظل وضع اقتصادي واجتماعي هشّ وضغوط داخلية متراكمة.

بهذا المعنى، فإنّ الحديث عن "الخروج من قبضة الفيدرالي" قد يكون هدفًا استراتيجيًّا بعيد المدى، لكنه ليس درعًا واقعيًّا في مواجهة سيناريوهات الضغط السريعة التي يحذّر منها قنبر. على المدى القصير، يبقى العراق مكشوفًا إلى حدّ كبير أمام الأدوات الأمريكية، ما يجعل ساحة المناورة الحقيقية ليست فقط اقتصادية، بل سياسية أيضًا: أين يقف العراق في صراع المحاور، وكيف يوزّع كلفة علاقاته مع واشنطن وطهران، وأيّ خطاب يدير به ملفّ الفصائل والسلاح والدولة؟

سؤال اللحظة: هل تتعلّم بغداد قبل فوات الأوان؟

يبني انتفاض قنبر تحذيره على قناعة مفادها أنّ واشنطن، في نسختها الجديدة، لا تنوي استمرار الوضع كما كان؛ وأنّ زيارة سافايا إلى بغداد ليست جولة مجاملة بل بداية مسار ضغط جدّي عنوانه "إمّا تغيير فعلي في سلوك الدولة العراقية، وإمّا مواجهة منظومة ضغوط قاسية في مقدّمتها سلاح الدولار". في المقابل، يقدّم سافايا نفسه، في بيانه، صورة "الشريك المستعد للدعم" حين يؤكّد أنّ الولايات المتحدة، "في ظل قيادة الرئيس ترامب، تقف على استعداد كامل لدعم العراق خلال هذه المرحلة الحساسة"، وأنّه وفريقه "ملتزمون بالعمل عن كثب مع القادة العراقيين من أجل ترسيخ دولة قوية ومستقبل مستقر وعراق سيّد قادر على رسم مصيره في الشرق الأوسط الجديد".

بين تحذير قنبر من "ما هو أسوأ من الاحتلال" إذا استُخدِم الفيدرالي كسلاح عقابي، وحديث سافايا عن "خيار موحّد وعقلاني" يفتح باب الدعم الأمريكي، يتشكّل إطار الضغط الجديد على بغداد: عصا الدولار من جهة، وجزرة "الدعم والشراكة" من جهة أخرى. في هذه المساحة الضيقة، تقف الدولة العراقية أمام امتحان جديد: هل تملك القدرة على صياغة موقف موحّد ومتوازن يجنّب البلاد سيناريو الخنق المالي، ويمنع تحوّل احتياطاتها وأموال نفطها إلى أداة لإعادة تشكيل قرارها السياسي، أم أنّ استمرار التردّد والتجاذب الداخلي سيمنح واشنطن الذريعة لاستعمال أقسى ما لديها من أدوات، فيجد العراقيون أنفسهم فجأة في قلب أزمة مالية خانقة، لا تشبه الاحتلال في صورها، لكنّها قد تتجاوزه في عمق أثرها وتمزيق ما تبقّى من قدرة الدولة على الإمساك بمصيرها الاقتصادي والسياسي؟

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار