بغداد اليوم - بغداد
تتجه الضغوط الأمريكية على العراق، يومًا بعد آخر، من رسائل سياسية مبطّنة إلى خطاب مباشر وصريح يربط بين استمرار الدعم وشكل الحكم داخل بغداد، وحدود نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. آخر هذه الإشارات برزت في تغريدة النائب الجمهوري في الكونغرس جو ويلسون، الذي تحدّث علنًا عن ضرورة "تحرير العراق من قبضة إيران"، وربط مستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية بجملة شروط تمسّ البنية العميقة للعلاقة بين الدولة العراقية والفصائل.
بالتوازي، يتحرك المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق، مارك سافايا، بوصفه الواجهة التنفيذية لهذه الرؤية، وسط خطاب واضح يقوم على مبدأ: لا سلاح خارج الدولة، ولا أموال عامة تُضخّ في الفصائل، ولا شيكات مفتوحة بلا شروط سياسية وأمنية.
تأتي هذه التطورات في لحظة عراقية حسّاسة؛ مفاوضات مكثفة لتشكيل حكومة جديدة، وجدل واسع حول مستقبل الحشد والفصائل، وضغوط اقتصادية ومالية تجعل أي أزمة مع واشنطن أكثر كلفة من أي وقت مضى.
من تغريدة ويلسون إلى محاولة تقييد المساعدات عبر قانون الدفاع
في تغريدته الأخيرة، لم يكتفِ جو ويلسون بالتعبير عن القلق من النفوذ الإيراني في العراق، بل قدّم ما يشبه "وثيقة شروط" سياسية وأمنية؛ إذ أشاد بقيادة الرئيس ترامب وبالمبعوث مارك سافايا، مشيرًا إلى أنّ الكونغرس مستعدّ لدعم الرئيس بأحكام جديدة في قانون تفويض الدفاع الوطني تربط – للمرة الأولى – تقديم المساعدة لقوات الأمن العراقية باتّخاذ بغداد خطوات "حقيقية" لوقف دعم الفصائل المدعومة من إيران.
وتشير خطوط هذا المسار إلى:
-تقييد جانب من المساعدات الأمنية والعسكرية للعراق بسلوك الحكومة تجاه الفصائل.
-تحويل الفصائل إلى هدف مباشر للتشريعات الأمريكية، عبر حزم عقوبات أو تصنيفات إضافية.
-إدخال ملف النفط والمال إلى قلب الاشتراطات، من خلال الدعوات إلى تدقيق دولي في عوائد النفط والتحويلات، والتأكد من عدم استخدام مؤسسات كالبنك المركزي ووزارات النفط والنقل والصناعة كقنوات تمويل غير مباشر.
بهذه الصورة، لا يعود الموضوع مجرد خطاب سياسي عابر، بل مقاربة تشريعية تسعى إلى جعل الضغط على الفصائل جزءًا بنيويًا من علاقة بغداد – واشنطن.
رسائل ضغط معقّدة لا "خطة غزو" جديدة
في الداخل، تُقرأ هذه الإشارات بعيون مختلفة. المختص في الشؤون السياسية والاستراتيجية، جاسم الغرابي، يرى في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ التصريحات الأمريكية من طراز "تحرير العراق من قبضة إيران" هي في جوهرها رسائل ضغط أكثر من كونها خططًا جاهزة للتنفيذ.
ويبيّن الغرابي أنّ تكرار هذا الخطاب في توقيتات متقاربة يحمل أبعادًا عدّة، من بينها:
-التأكيد على أنّ الملف العراقي ما يزال حاضرًا بقوة في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظلّ تداخل ملفات الطاقة والأمن والفصائل.
-محاولة إعادة ضبط قواعد الاشتباك السياسي مع إيران عبر بوابة بغداد؛ فالتلويح بربط المساعدات والغطاء المالي بالدور الذي تلعبه الفصائل يمثّل أداة تفاوضية في أي تسوية أوسع مع طهران.
-اختبار المزاج الداخلي العراقي؛ إذ تراقب واشنطن ردود فعل القوى السياسية والشارع والنخب تجاه أي خطاب خارجي يتحدّث عن "تغيير السلوك" أو "إصلاح من الخارج".
ويحذّر الغرابي من أنّ تحويل هذه التصريحات إلى محور لاستقطاب داخلي حاد قد يفتح الباب أمام انقسامات بين من يرون في الضغط الأمريكي فرصة لتقوية الدولة، وبين من يرونه بوابة لوصاية جديدة، مؤكّدًا أنّ المعادلة المعقولة هي أن تبقى قرارات الإصلاح والسيادة عراقية خالصة، لا جزءًا من صراع رسائل بين واشنطن وطهران.
الحكومة الجديدة في قلب العاصفة
على مستوى عملي، تُترجم هذه اللغة مباشرة في ملف تشكيل الحكومة الجديدة. فالقضية لم تعد مجرّد توزيع حقائب بين الكتل، بل أيضًا كيفية قراءة العواصم الفاعلة – وفي مقدمتها واشنطن – لطبيعة الأسماء التي ستتولى الوزارات السيادية والأمنية والاقتصادية.
الخبير في الشؤون الاستراتيجية، حسين الأسعد، يحذّر في حديثه لـ"بغداد اليوم" من تداعيات إسناد مناصب رسمية لشخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة، مؤكّدًا أنّ "الدفع بأسماء مقربة من الأجنحة المسلحة داخل التشكيلة الوزارية المرتقبة سيؤثر مباشرة على استقرار الوضع الداخلي، كما سيضعف موقع العراق في علاقاته مع المجتمع الدولي، خصوصًا الولايات المتحدة".
ويشير الأسعد إلى أنّ الرسائل الأمريكية الأخيرة حاسمة في رفض منح أي غطاء رسمي للفصائل داخل مؤسسات الدولة، وأن تجاهل ذلك قد يُفهم في واشنطن على أنّه تحدٍّ مباشر، ويفتح الباب أمام ردود فعل اقتصادية ومالية وأمنية لا يستطيع الاقتصاد العراقي تحمّلها بسهولة، في ظل حساسية ملفات الدولار، والعقود النفطية، والتعاون الأمني والاستخباري.
ويذكّر بأنّ العالم يراقب رمزية التعيينات؛ فوزير يحمل خلفية قريبة من فصيل مسلح لا يُقرأ فقط محليًا، بل يُسجَّل خارجيًا على أنّه تكريس لنفوذ السلاح في مفاصل الدولة، بما ينعكس على تصنيفات المخاطر، وتدفّقات الاستثمار، وأنماط التعاون الدولي مع بغداد.
أدوات الضغط وحدود الاستجابة العراقية
ما يمنح هذه التصريحات وزنًا إضافيًا هو أنّها لا تأتي في الفراغ؛ فقد فعّلت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة حزمة واسعة من أدوات الضغط على أطراف عراقية وإيرانية على حد سواء، من العقوبات الفردية، إلى تشديد القيود على المنظومة المصرفية، وصولًا إلى إدخال شروط سياسية في مسارات المساعدة الدفاعية.
في المقابل، تؤكد أوساط حكومية عراقية أنّ ملف السلاح والفصائل لا يمكن حسمه بقرار خارجي فقط، بل يرتبط بطبيعة التوازنات الداخلية وبمستقبل الوجود العسكري الأجنبي نفسه، في إشارة إلى أنّ أي مقاربة لنزع السلاح أو إعادة تنظيمه تحتاج إلى حوار وطني داخلي متزامن مع أي تفاهمات مع واشنطن أو غيرها.
بين واشنطن وطهران والشارع العراقي.. من يكتب المعادلة النهائية؟
بين تغريدة ويلسون، وضغوط مبعوث ترامب مارك سافايا، وتحذيرات الخبراء في بغداد، يتشكّل أمام العراق حقل ألغام سياسي وأمني:
-القبول الكامل بالشروط الأمريكية قد يخلق صدامًا داخليًا مع الفصائل وقوتها البرلمانية والشعبية، ويفتح باب مواجهة داخلية جديدة.
-تجاهل هذه الشروط قد يقود إلى تشديد خانق في ملفات الدولار، والعقود النفطية، والتعاون الأمني، وربما إلى موجة عقوبات تستهدف مؤسسات وأسماء داخل الدولة نفسها.
بين هذين الحدّين، تبدو المعادلة الواقعية أقرب إلى البحث عن "منطقة وسط" عراقية: دولة تستعيد قرارها تدريجيًا من سطوة السلاح غير المنضبط، وعلاقة خارجية لا تسمح بتحويل العراق إلى ساحة تصفية حساب بين واشنطن وطهران، ونظام سياسي يحاول إصلاح نفسه من الداخل قبل أن تُفرض عليه إصلاحات من الخارج.
ما هو واضح حتى الآن أنّ مرحلة الغموض في الخطاب الأمريكي انتهت؛ اللغة اليوم أكثر صراحة، وأقرب إلى "عقد مشروط" جديد مع بغداد: دعم أمريكي مشروط، فصائل تحت المجهر، وحكومة مقبلة ستُختبر – منذ يومها الأول – في قدرتها على إدارة هذا التوازن الدقيق، من دون أن تنزلق البلاد مجددًا إلى فوضى لا يملك أحد ترف دفع ثمنها.
تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - بغداد أدانت وزارة الخارجية، اليوم الأربعاء ( 8 نيسان 2026 )، الاعتداء على القنصلية الكويتية وهجوم البصرة الصاروخي. وقالت الوزارة في بيان تلقته "بغداد اليوم"، إنها "تعرب عن إدانتها واستنكارها الشديدين للاعتداء الذي استهدف