أمن / ملفات خاصة 10-12-2025, 16:26 | --
+A -A

حجب اللودو


الدولة تحارب الألعاب بـ"شراسة" وتهادن السلاح المنفلت والفساد والمخدرات.. أي رسالة تُرسل للمجتمع؟

بغداد اليوم - بغداد

في أقل من شهرين، انتقلت وزارة الاتصالات من قرار حظر منصّة Roblox إلى قرار حجب لعبة اللودو، مستخدمة لغة متقاربة في كلا البيانين: حماية الأسرة العراقية، صون القيم الأخلاقية والتربوية، وتحجيم مخاطر الابتزاز الإلكتروني والمحتوى "غير المنسجم مع التقاليد". ففي 20 تشرين الأول 2025 أعلنت الحكومة حظر منصّة Roblox على مستوى العراق، بدعوى أنها تتيح تواصلاً مباشراً بين المستخدمين يمكن أن يعرّض الأطفال والمراهقين للاستغلال والابتزاز، وأن بعض المحتوى فيها يتعارض مع "القيم الأخلاقية" و"التقاليد الاجتماعية"، كما قالت الوزارة إن القرار جاء بعد "دراسة ومراقبة ميدانية" رأت في المنصّة مخاطر أمنية واجتماعية وسلوكية متعددة.

بعدها بأسابيع، جاء الدور على لعبة اللودو، حيث أعلنت الوزارة في 9 كانون الأول 2025 أن وزيرة الاتصالات هيام الياسري قررت حجب اللعبة "بشكل نهائي" لحماية العائلة العراقية من "الابتزاز الإلكتروني والهدم الأخلاقي"، مؤكدة أن الحجب يستند إلى الصلاحيات المخوّلة لها وإلى قرارات المحكمة الاتحادية العليا، مع ربط مباشر بين نظام الرهانات داخل اللعبة وبين خلافات زوجية ومشاكل أسرية ووقائع ابتزاز ومحتوى "منحرف" في غرف الدردشة.

وبين هذا التشديد على لعبة إلكترونية بعينها، تبقى أسئلة الأولويات معلّقة؛ إذ يتحرك القرار بسرعة لفرض حجب على "اللّودو" بدعوى حماية الأسرة من الابتزاز والانحدار الأخلاقي، بينما ما تزال ملفات السلاح المنفلت، وشبكات الفساد، وتوسع سوق المخدرات، حاضرة بثقلها اليومي في الشارع العراقي من دون مقاربة شبيهة في الحزم أو الوضوح، الأمر الذي يدفع كثيرين للتساؤل بهدوء عمّا إذا كانت الدولة قد جعلت من لعبة هاتف أولوية أمنية تتقدم، عملياً، على مواجهة هذه التحديات الأعمق.

استغراب من القرار: تنظيم المحتوى الرقمي أولى من الحجب

في هذا السياق، يبرز موقف حقوقي ناقد يحاول أن يقرأ القرارات من زاوية مختلفة عن الرواية الرسمية، حيث علّق الناشط الحقوقي علي الحبيب، على قرار وزارة الاتصالات العراقية القاضي بحجب لعبة "اللودو" الإلكترونية، موضحاً في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنهم "يستغربون من قرار وزارة الاتصالات القاضي بحجب لعبة اللودو الإلكترونية بدعوى حماية العائلة العراقية من مخاطر الابتزاز الإلكتروني والانحدار الأخلاقي، فالمعالجة الحقيقية للمشكلات الرقمية لا تكون بتقييد التطبيقات والألعاب بل عبر بناء ثقافة رقمية وحلول تشريعية وتوعوية مستدامة".

ويضيف الحبيب أن "وزارة الاتصالات كان من الممكن أن تتجه نحو تنظيم المحتوى الرقمي أو إطلاق حملات توعية وتعزيز الرقابة الأسرية بدل الحجب الكامل، واللعبة بحد ذاتها ليست مصدر التهديد، بل سلوكيات المستخدمين وضعف توعيتهم بآليات الحماية الرقمية"، ليربط بذلك بين منطق الحجب الشامل وبين غياب الاستثمار في أدوات التربية الرقمية والضبط الذاتي داخل المجتمع.

ويحذر الناشط الحقوقي من أن "الحجب بهذا الشكل غير المدروس قد يخلق رد فعل سلبياً لدى الجمهور ويدفع البعض للاعتماد على وسائل التفاف تقنية كخوادم الـVPN، وهو ما يزيد من المخاطر الإلكترونية بدل الحد منها"، قبل أن يحدد، بلغة تشخيصية مباشرة، أن "التحديات الحقيقية التي تواجه البيئة الرقمية في العراق تتمثل في انتشار أساليب الاحتيال والابتزاز الإلكتروني عبر شبكات التواصل دون أن تكون مرتبطة بالضرورة بألعاب ترفيهية، وغياب برامج توعية وطنية تستهدف الآباء والمراهقين لتعزيز الاستخدام الآمن للتقنيات، وضعف التشريعات الخاصة بحماية البيانات والجرائم الإلكترونية مقارنة بالدول المتقدمة، والحاجة إلى دعم كوادر التحقيق الرقمي وتطوير قدرات المؤسسات الرسمية في كشف وتتبع الجرائم الإلكترونية".

ومن هذا التشخيص ينتقل الحبيب إلى تأطير المبدأ العام، معتبراً أن "اللعب عبر الإنترنت نشاط ترفيهي عالمي، والواجب الحكومي لا يكمن في ملاحقته وحظره، بل في توفير بيئة رقمية آمنة وتنظيمية تمنع استغلاله في ممارسات ضارة، ويجب أن ترتكز المعالجات على برامج تعليم رقمي في المدارس والجامعات، ورقابة أبوية، وتعاون تشريعي قضائي يحمي حقوق المستخدمين"، ليختم بالقول إن "حماية المجتمع العراقي تتحقق عبر استراتيجيات طويلة الأمد تعزّز الوعي والمسؤولية الرقمية، لا من خلال قرارات مفاجئة بحجب ألعاب أو تطبيقات".

بهذين القرارين، تضع الدولة العراقية نفسها في موقع "الحارس الأخلاقي" للفضاء الرقمي، وتقدّم نفسها كطرف يتدخل لإغلاق منصّات وألعاب عندما ترى أن ضررها يفوق منفعتها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل المشكلة فعلاً في Roblox واللودو كألعاب، أم في البيئة الرقمية الأوسع التي يتحرك فيها الأطفال من دون حماية كافية، وما الذي يمكن أن تقدمه سياسة الحجب على مستوى النتائج الفعلية، لا على مستوى الرسائل الرمزية؟

تشخيص الظاهرة: لعبة واحدة لا تخلق الخطر، بل تكشف ضعف المنظومة

إذا وضعنا العناوين الأخلاقية جانباً، وقرأنا الظاهرة كملف سياسات عامة، يتضح أن Roblox واللودو ليستا سوى واجهة لثغرات أعمق في منظومة الحماية الرقمية في العراق، فوجود حالة حدث يبلغ 14 عاماً يدير 16 شبكة ابتزاز دولية عبر لعبة واحدة يشير إلى قدرات تنظيمية وتواصليّة لدى القاصرين لم تواكبها منظومة ردع وحماية موازية، كما يظهر أن الطفل لم يتلقَّ تعليماً رقمياً كافياً يعرّفه معنى الخصوصية، وحدود التعامل مع الغرباء، وخطورة مشاركة الصور والبيانات مقابل مكافآت داخل اللعبة أو عملات افتراضية.

من جهة أخرى، لا توجد حتى الآن سياسة وطنية متكاملة لحماية الطفل رقمياً، بمعنى وجود قانون واضح يحدد مسؤوليات الشركات المزودة للخدمة والمنصّات العالمية، ويؤطّر واجبات الدولة في الوقاية والتتبع والدعم النفسي والقانوني للضحايا، ويحدد آليات التنسيق بين وزارات الاتصالات والتربية والداخلية والعدل والجهات الرقابية. ما يوجد فعلياً هو نصوص عامة في قانون العقوبات وقوانين الجرائم المعلوماتية تعالج الابتزاز والتشهير والتهديد، لكنها لا تتعامل بتفصيل مع وضع القاصر داخل هذه المعادلة ولا مع خصوصية الفضاء التفاعلي المفتوح الذي تمثّله المنصّات العابرة للحدود.

إلى جانب ذلك، يبرز غياب التربية الرقمية المنظمة في المدارس والبيوت، فلا توجد في المناهج مادة ممنهجة تشرح للطالب ما هي البيانات الشخصية، وكيف يُدار الوقت على الشاشات، وما معنى أن يكون "الصديق" داخل اللعبة شخصاً مجهولاً يمكن أن يتحول إلى مصدر تهديد، ولا توجد برامج تدريب واسعة للأهل توضّح لهم كيفية استخدام أدوات الرقابة الأبوية وضبط عمليات الشراء داخل اللعبة، وكيفية قراءة مؤشرات الخطر على سلوك الأبناء عندما يتحول اللعب إلى عزلة أو خوف أو سرّية غير مبررة.

كل ما سبق يعني أن قرار الحجب، في صيغته الحالية، لا يستهدف فقط منصّة محددة، بل يتحرك في فراغ مؤسساتي أكبر، حيث تحاول الدولة ضبط النتائج من دون أن تعالج أسباب هشاشة البيئة الرقمية من جذورها، وحيث يتحول التركيز إلى "اسم اللعبة" بدلاً من "طريقة الاستخدام" والأدوات التي تحمي الطفل حتى لو انتقل إلى منصّة أخرى.

حدود الحجب: من حماية معلنة إلى فتح أبواب التفاف أخطر

من الناحية التقنية، يمكن للدولة أن تحجب Roblox أو اللودو باستخدام حجب عناوين IP، أو حجب DNS، أو التصفية على مستوى SNI/TLS، أو حتى التفتيش العميق للحزم، ويمكنها ملاحقة تطبيقات VPN ومحاولة تقييدها عبر بصمات الشبكة، لكن خبراء التقنية يعلمون أن الحجب الشامل والمطلق في بيئة إنترنت مفتوحة يبقى هدفاً صعب التحقيق، وأن النتيجة المتوقعة في الغالب هي انتقال المستخدمين، وخصوصاً المراهقين، إلى أدوات الالتفاف مثل VPN وخوادم البروكسي، ما يفتح بوابة أوسع لمخاطر لا تتعلق باللعبة فقط، بل بالمحتوى الكامل الذي يصبح متاحاً خارج إطار التصفية المحلية.

التجارب الدولية تشير إلى أن عدة دول منعت Roblox لأسباب تتعلق بسلامة الأطفال أو بالمحتوى الجنسي أو بالمقامرة أو بقضايا أيديولوجية، فيما فرضت دول أخرى قيوداً على خصائص معينة داخل المنصّة أو على صناديق الغنيمة والشراء العشوائي، لكن أغلب النقاشات في هذه البلدان انتهت إلى فكرة مشتركة تقريباً مفادها أن المنع وحده لا يكفي، وأن الأطفال يلجؤون بسرعة إلى أدوات الالتفاف عندما يغيب البديل التربوي والرقابي، وأن المنصّة المحجوبة غالباً ما تُستبدل بأخرى قد تكون أقل شهرة وأضعف التزاماً بمعايير السلامة.

في الحالة العراقية، حظر Roblox لا يلغي قابلية الأطفال للبحث عن منصّات أخرى مشابهة، وحظر اللودو لا يبدّد قابلية بعض الأسر على اللجوء إلى تطبيقات مراهنات أو ألعاب قمار مقنّعة، كما أن استخدام VPN يجعل الطفل يتحرك في فضاء أبعد من رقابة مزوّد الخدمة المحلي، وربما يعرّضه لمواقع احتيال وروابط خبيثة وتطبيقات ملوّثة، وبالتالي يصبح القرار الذي اتخذ عنوان "حماية الطفل" سبباً غير مباشر في تعريضه لمخاطر أوسع، ما لم تُواكبه طبقة قوية من التوعية والرقابة الأسرية وبناء المهارات الرقمية الدفاعية.

إضافة إلى ذلك، فإن اعتماد سياسة حجب متتابعة من دون شفافية كافية في شرح المعايير، وطريقة تقييم المخاطر، ومدة سريان الحظر، وآلية مراجعته، يمكن أن يفتح الباب لتوسيع دائرة المنع لاحقاً بحيث تشمل منصّات تواصل أو محتوى معرفياً أو ترفيهياً تحت عناوين عامة مثل "الأمن المجتمعي" و"القيم الأخلاقية"، وهو ما يطرح تساؤلات حول التوازن بين حماية القاصر وحماية الحق في الوصول إلى المعرفة والفضاء الرقمي المفتوح للبالغين.

ما العمل؟ من منطق "إغلاق اللعبة" إلى منطق "إدارة الخطر الرقمي"

الخروج من هذه المفارقة يتطلب تغيير زاوية النظر من سؤال "أي لعبة نمنع؟" إلى سؤال "كيف ندير الخطر الرقمي المحيط بالطفل؟"، وهذا التغيير يفرض مقاربة مركّبة تجمع بين التشريع، والسياسات التربوية، والشراكات التقنية، ودور الأهل، وقدرات إنفاذ القانون.

على مستوى التشريع والسياسة العامة، يحتاج العراق إلى إطار وطني واضح لحماية الطفل في البيئة الرقمية، يحدد تعريفات دقيقة للإساءة والاستغلال والابتزاز عندما يكون الضحية قاصراً، ويُلزم مزوّدي الخدمة بتوفير أدوات رقابة أبوية سهلة ومترجمة، ويُلزم المنصّات العالمية التي تعمل في البلاد بالتجاوب مع طلبات الحجب الجزئي للمحتوى، والتعاون في التحقيقات، واحترام معايير خصوصية القاصرين، مع إنشاء وحدة وطنية متخصصة تنسّق بين الوزارات والهيئات القضائية والرقابية في هذا الملف بدلاً من ترك كل حالة تُدار كردّ فعل منفصل.

على مستوى العلاقة مع المنصّات، يمكن للحكومة أن تسلك طريقاً مختلفاً عن الحجب الكامل عبر التفاوض مع Roblox وغيرها لتشديد الضوابط داخل العراق، مثل تقييد بعض غرف الدردشة المفتوحة للقُصّر، وتعزيز أدوات الإبلاغ عن التحرّش والابتزاز باللغة العربية، وإتاحة لوحات تحكّم خاصة للأهل، وتطوير قنوات اتصال مباشرة بين فرق الأمن السيبراني العراقية وفِرق السلامة في هذه الشركات، بحيث يصبح التعامل مع الحالات الخطرة أسرع وأكثر فاعلية، ويصبح الحظر الشامل خياراً أخيراً في حال فشل كل أشكال التعاون.

على مستوى المدرسة، إدماج التربية الرقمية في المناهج لم يعد ترفاً، بل ضرورة، من خلال دروس منتظمة تشرح للطلاب معنى البيانات الشخصية، وحدود مشاركة الصور، ومخاطر مشاركة كلمات المرور، وكيفية التصرّف عند التعرّض لطلب غير مريح أو تهديد، وكيفية إدارة الوقت على الشاشات من دون أن يتحول اللعب إلى إدمان، وهذا النوع من التعليم يقلّل احتمالات الوقوع ضحية حتى لو استمرت المنصّات في العمل ولم تُحجب.

أما على مستوى الأسرة، فنقطة البداية تكمن في الاعتراف بأن الهاتف الذكي لم يعد لعبة صامتة، بل فضاءً اجتماعياً ومالياً، وأن ترك الطفل لساعات طويلة مع الهاتف من دون أي متابعة يتناقض مع فكرة الحماية، ولذلك يحتاج الأهل إلى إرشادات عملية واضحة: تحديد أوقات اللعب، اختيار الألعاب بالتفاهم مع الطفل، تفعيل ميزات الرقابة الأبوية، منع الشراء داخل التطبيقات من دون موافقة، متابعة قوائم الأصدقاء داخل المنصّات، وخلق مناخ ثقة يسمح للطفل بالاعتراف بأي تجربة مزعجة من دون خوف من العقاب، حتى لا يخفي المشكلة حتى تتفاقم.

وعلى مستوى إنفاذ القانون، حالة الطفل البالغ 14 عاماً الذي أُديرت عبره شبكات ابتزاز دولية تطرح الحاجة إلى وحدات متخصصة في جرائم استغلال الأطفال رقمياً، تمتلك مهارات تحليل البيانات، والتعاون عبر الحدود مع المنصّات والدول، والقدرة على التعامل النفسي والقانوني مع الضحايا الصغار، بحيث لا يتحولون إلى متهمين لمجرد أنهم شاركوا عن جهل صورة أو بيانات.

بين سلطة الحجب ومسؤولية البناء

حجب Roblox وحظر اللودو يبعثان رسالة واضحة بأن الدولة العراقية مستعدة لاستخدام سلطتها التنظيمية لحماية ما تعتبره "الأمن المجتمعي" و"القيم الأخلاقية"، وهذه الرسالة قد تبدو مطمئنة لجزء من الرأي العام القلق على الأطفال، لكنها تظل خطوة جزئية في معركة أعمق ضد الاستغلال الرقمي والابتزاز والعزلة الاجتماعية التي يمكن أن تولّدها بعض أنماط استخدام الألعاب والمنصّات، فخطر الفضاء الرقمي لا ينحصر في تطبيق واحد، بل يتوزع على شبكة معقّدة من العلاقات والسلوكيات والتقنيات، والحل الواقعي لا يكون في إغلاق نافذة بعد أخرى فحسب، بل في بناء قدرة المجتمع والدولة على إدارة هذا الفضاء بعقلانية، عبر القانون والتربية والتعاون الدولي ودور الأسرة، حتى لا يتحول الحظر من أداة حماية إلى مجرد إجراء رمزي يدفع الأطفال إلى زوايا أكثر خطورة، ويترك الأسئلة الجوهرية من دون إجابة.

تقرير: محرر الشؤون الأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14