سياسة / ملفات خاصة 8-12-2025, 12:08 | --
+A -A

ما هي المكاسب؟


أسرار سقوط الأسد وانسحاب الفصائل من دمشق.. مغامرة العراق في سوريا من 2011 حتى 2024

بغداد اليوم – بغداد

في فجر يوم 8 كانون الأول 2024، كانت الطرق الترابية والفرعية الممتدة بين محيط مرقد السيدة زينب في ريف دمشق وبين معابر البوكمال والميدان تشهد حركة انسحاب متسارعة لفصائل عراقية ظلّت لسنوات تتمركز هناك، إذ تركت العصائب والنجباء مواقعها حول المرقد وفي منطقة ريف دمشق باتجاه الحدود العراقية تاركة خلفها الأسلحة والمعدات، ولحقت بها كتائب حزب الله وفصائل الطفوف وسيد الشهداء من البوكمال والميدانين في مشهد ما زال كثيرون داخل الأوساط الأمنية يصفونه حتى اللحظة بأنه غير مفهوم بالكامل، خاصة مع تزامنه مع سقوط نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع المعروف سابقاً باسم الجولاني إلى سدة الحكم في دمشق، الأمر الذي جعل الانسحاب المتعجل ليس مجرد تفصيل ميداني، بل خاتمة لمسار سياسي وأمني بدأ قبل ثلاثة عشر عاماً عندما اتخذت بغداد قرار دعم الأسد، ثم تحوّل هذا القرار تدريجياً من موقف سياسي إلى أموال تُضخ ومقاتلين يعبرون الحدود، ليطرح اليوم سؤالاً مباشراً: ماذا جنى العراق من هذه السياسة بعدما سقط المشروع الذي راهن عليه في سوريا، ومعه المشروع الأوسع الذي قادته إيران هناك.

من قرار الدعم السياسي إلى "العمق الاستراتيجي"

منذ عام 2011، حين بدأت ملامح الأزمة السورية بالتصاعد، اتخذت حكومة نوري المالكي خياراً استراتيجياً بالوقوف إلى جانب نظام الأسد، لم يكن الأمر في بدايته يتجسد في إرسال مقاتلين أو تشكيلات، بل في قراءة سياسية تقول إن سقوط دمشق سيعني، بشكل أو بآخر، انفتاح الحدود أمام موجة من الجماعات المتطرفة التي يمكن أن تنقل المعركة إلى الداخل العراقي، وعلى هذا الأساس تشكلت قناعة داخل دائرة القرار تفترض أن حماية النظام السوري هي نوع من "الدفاع عن بغداد من بعيد"، ومع مرور الأشهر والسنوات تحولت هذه القناعة إلى قنوات دعم مالي وسياسي، فدخل الملف السوري في أدبيات القوى الحاكمة في العراق باعتباره "ملف العمق الاستراتيجي"، وبدأت تخرج من بغداد، عبر قنوات علنية أحياناً وسرية في أغلب الأحيان، أموال ودعم لوجستي وغطاء سياسي، من دون أن يمر هذا التحول الكبير في السياسة الخارجية عبر مؤسسات الدولة الدستورية، ومن دون أن يجري نقاش برلماني شفاف حول حجم الالتزامات التي تترتب على بلد منهك داخلياً وهو يفتح على نفسه باب حرب طويلة خارج حدوده.

من المال إلى المقاتلين: تثبيت الفصائل على الأرض السورية

هذا التحول من موقف سياسي إلى دعم مالي لم يتوقف عند حدّه الأول، ومع مرور الوقت انفتح الباب واسعاً أمام مرحلة ثانية أكثر حساسية، إذ انتقلت الصورة من عراق يعلن تعاطفه مع نظام حليف ويدعمه مالياً، إلى عراق تُقاتل على أرضه فصائل، ثم تقاتل باسمه فصائل على أرض دولة أخرى، فبدأت تتشكل في سوريا، على امتداد سنوات، مواقع ثابتة لفصائل عراقية بمختلف عناوينها، تتحرك تحت شعار حماية المقامات الدينية أو الدفاع عن "محور" إقليمي، وتتمركز خصوصاً في محيط السيدة زينب الذي عُد رمزاً مهماً للطائفة الشيعية، وفي مناطق عدة من ريف دمشق وعلى طريق البوكمال، ومع اتساع هذا الحضور، لم يعد الحديث عن دعم من بعيد، بل عن مشاركة مباشرة في جبهات قتال، وهو ما يلخصه الخبير في الشؤون الأمنية صادق عبد الله عندما يقول في حديثه لـ"بغداد اليوم"، اليوم الاثنين (8 كانون الأول 2025)، إنّ "مرور الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد في دمشق يستدعي قراءة متأنية لسلسلة الأحداث المتسارعة التي قادت في النهاية إلى وصول الجولاني إلى سدة الحكم في سوريا، وما تبعها من متغيرات واسعة"، مضيفاً أنّ "الفصائل العراقية، بمختلف عناوينها، كانت متواجدة بقوة في عدة مناطق سورية، خصوصاً محيط السيدة زينب الذي يُعد رمزاً مهماً للطائفة الشيعية، وقدّمت آلاف المقاتلين خلال صدّ الهجمات المتكررة التي شنتها تنظيمات أغلبها متطرفة طوال سنوات"، وهو توصيف يعكس بوضوح حجم الكلفة البشرية التي تحمّلها العراق على أرض غير أرضه، من دون أن يكون ذلك محكوماً بقرار سيادي مكتمل الأركان.

شبكة ارتباط بين بغداد وطهران ودمشق

ومع تراكم السنوات، لم يبقَ الملف السوري في خانة "الدعم الوقائي" أو "المواجهة خارج الحدود" كما طُرح في بداياته، بل أصبح جزءاً من شبكة ارتباط معقدة بين بغداد وطهران ودمشق، دخلت فيها الفصائل العراقية بوصفها أحد أهم أدوات التنفيذ على الأرض، وارتبطت فيها قرارات التمويل والتسليح والتحشيد بخطوط اتصال عابرة للحدود، ومع أن الدولة العراقية كانت، من الناحية الشكلية، تنأى بنفسها عن إعلان رسمي صريح بوجود قوات لها في سوريا، إلا أن الواقع الميداني كان يقول إن آلاف المقاتلين العراقيين يقاتلون هناك، وإن خطوط الإمداد تعبر من العراق إلى سوريا، وإن جزءاً من المال العام، بشكل مباشر أو غير مباشر، يذهب لتغذية هذه الجبهات، ما أدى إلى خلق فجوة بين ما يُعلن وما يُمارس، وبين خطاب عن "سياسة عدم التدخل" وواقع عن انخراط عميق في واحدة من أعقد حروب المنطقة.

أسباب الانسحاب والسياق الأوسع

وعندما وصل النظام السوري إلى لحظة الانهيار، لم يعد ممكناً استمرار هذا النمط من الحضور، لا من الناحية الميدانية ولا من الناحية السياسية، إذ وجد المقاتلون العراقيون أنفسهم أمام سلطة تتساقط، وجيش سوري "هش" ومتباين الولاءات، وخرائط نفوذ يُعاد رسمها بسرعة من قبل قوى إقليمية ودولية، وهنا يعود صادق عبد الله ليشرح أنّ "ثلاثة أسباب موضوعية كانت وراء قرار الانسحاب، أولها تخلّي نظام الأسد عن القتال وتراجع جاهزيته، وثانيها هشاشة مؤسسته العسكرية وتفاقم خلافاته الداخلية، أما السبب الثالث فهو وجود تفاهمات وضمانات إقليمية ودولية لتجنب أي صدام مباشر، مع الالتزام بعدم المساس بالمقدسات الشيعية وعلى رأسها مرقد السيدة زينب"، موضحاً في الوقت نفسه أنّ "عملية الانسحاب لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن قرار شامل شمل كامل محور المقاومة، إذ انسحب آلاف المقاتلين من حزب الله والمستشارين الإيرانيين وفصائل من جنسيات متعددة، ما يكشف أن القرار كان مركزياً ومرسوماً وفق خارطة طريق إقليمية ودولية دفعت الجولاني إلى سدة السلطة في دمشق"، ويتابع أنّ "الضمانات التي وُضعت قبل عام منعت اندلاع تصادم دموي كان قد يؤدي إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، وربما استنزاف كبير للفصائل العراقية، فضلاً عن إمكانية انجرار عواصم إقليمية إلى تدخل مباشر في الملف السوري"، ما يعني أن قرار الخروج، مثل قرار الدخول، لم يُصنع في مؤسسات الدولة العراقية، بل جاء ضمن سياق أوسع كانت بغداد فيه، رسمياً، الحلقة الأضعف والأكثر تأثراً، لا الحلقة القادرة على فرض شروط أو حماية مكاسب.

أين المكاسب؟

عند هذه النقطة تحديداً، يصبح السؤال الذي يفرض نفسه ليس كيف انسحبت الفصائل أو بأي توقيت، بل كيف تحولت سياسة دعم سياسية في 2011 إلى قنوات مالية غير شفافة، ثم إلى قتال مباشر عبر آلاف المقاتلين، ثم انتهت، بعد سقوط مشروع بشار وإيران في سوريا، إلى انسحاب متعجل ترك على الأرض أسلحة ومقار ودماء، من دون أن يقابل كل ذلك مكسب واضح للدولة العراقية، فهل استطاع هذا المسار أن يمنع دخول التنظيمات المتطرفة إلى الداخل العراقي أم أن العكس هو الذي حدث حين تمدد داعش من الأرض السورية نفسها ودخل إلى الموصل والأنبار وصلاح الدين في اللحظة التي كان فيها قسم من القدرات العراقية مستنزفاً في جبهات خارجية، وهل يمكن القول إن الذين دافعوا عن خيار الانخراط العميق في الحرب السورية يتحملون اليوم جزءاً من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن البيئة التي سمحت لداعش بالدخول، حتى لو لم يكن ذلك مسؤولية جنائية مباشرة، باعتبار أن القرار بتحويل سوريا إلى ساحة مفتوحة للقتال ساهم في تفكيك منظومة الحدود والردع وغيّب جزءاً من التركيز عن جبهة الداخل.

دماء العراقيين وأسئلة المسؤولية والتعويض

وما دام الخبير الأمني نفسه يؤكد أن الفصائل "قدّمت آلاف المقاتلين" في تلك الجبهات، فإن السؤال الإنساني المرافق يبقى حاضراً بإلحاح أيضاً، إذ تقف أمام هذا الرقم عائلات عراقية فقدت أبناءها في معارك على أرض دولة أخرى، من دون أن يكون هناك تعريف واضح لموقع هؤلاء في منظومة الدولة، هل هم شهداء حروب وطنية قاتلوا ضمن قرار سيادي، أم ضحايا سياسة غير مكتملة، ومن الذي سيعوضهم، مادياً ومعنوياً ورمزياً، ومن سيتحمل مسؤولية إرسالهم إلى معركة انتهت بانسحاب على عجل وسقوط المشروع الذي قيل لهم إنه يستحق أن تُدفع من أجله الدماء، وهل يمكن القول إن هذه الدماء ذهبت سدى عندما ننظر إلى الخريطة اليوم فنرى أن النظام الذي دُعم قد سقط، وأن النفوذ الإيراني الذي استُثمر في تثبيته تراجع أو اختلف شكله، وأن العراق، بكل ما قدّمه، لا يملك موقعاً مقرراً في دمشق الجديدة ولا قدرة على تحويل تلك التضحيات إلى نفوذ سياسي أو ضمانات أمنية أو مكاسب اقتصادية.

ماذا جنى العراق؟

بهذا الشكل، ومن خلال تتبع الخط من لحظة اتخاذ قرار سياسي بدعم الأسد، إلى فتح قنوات المال، ثم عبور المقاتلين، ثم الانسحاب المتعجل بعد سقوط النظام ومشروعه ومشروع إيران معه، يتضح أن السؤال "ماذا جنى العراق" لم يعد سؤالاً انفعالياً أو شعارياً، بل صار عنواناً ضرورياً لأي مراجعة جدية لملف ظل لسنوات يُقدَّم على أنه جزء من حماية الأمن القومي، ثم انتهى من دون أن يترك وراءه سوى كلفة ثقيلة على مستوى المال والدم والسيادة، فيما تبقى مسؤولية من اتخذوا تلك القرارات ومن صمتوا عليها ومن استفادوا منها، مسؤولية مفتوحة على نقاش لم يبدأ بشكل مؤسسي حتى الآن، رغم أن مرور عام على سقوط النظام في دمشق وانسحاب الفصائل العراقية من سوريا يمنح بغداد فرصة نادرة لتقول بوضوح: ما الذي حدث، من قرر، من دفع الثمن، ومن سيحاسَب، وما إذا كانت البلاد مستعدة لتكرار تجربة مشابهة في ساحة أخرى، أم أنها ستتعامل مع هذا الملف باعتباره درساً مكلفاً يجب ألا يتكرر.

تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار