سياسة / ملفات خاصة 6-12-2025, 00:21 | --
+A -A

كواليس مظلمة


الزوراء تُهيأ للاستثمار؟.. تحقيق لـ"بغداد اليوم" يكشف مخطط "القضم التدريجي" لأكبر متنزه بالعاصمة

بغداد اليوم - بغداد

شهدت بغداد خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في مساحاتها الخضراء وارتفاعاً في معدلات التلوث، بالتزامن مع توسع مشاريع استثمارية تتجه نحو استغلال الأراضي العامة والزراعية داخل المدينة وحزامها. وتُظهر بيانات رسمية وتقارير بيئية أن العاصمة تخسر أجزاء واسعة من غطائها الأخضر تحت تأثير التحويل العمراني غير المنظم، وضعف الرقابة، وتزايد الضغوط السكانية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، تتقدم مشاريع استثمارية على حساب ملكيات عامة كان يُفترض أن تشكل متنفساً حضرياً أساسياً وسط مدينة تُصنَّف اليوم ضمن أكثر مدن العالم تلوثاً.

هذا التحقيق يسلط الضوء على واحدة من أبرز هذه الملفات، من خلال تتبع التحركات المتعلقة بمتنزه الزوراء، وآليات طرح الفرص الاستثمارية، وطبيعة الجهات المتقدمة لها، وكيفية انتقال مساحات محددة من نطاق الملك العام إلى دائرة المشاريع الخاصة، ضمن نمط يتكرر في مواقع مختلفة من بغداد.

يبدو الجدل حول متنزه الزوراء، للوهلة الأولى، وكأنه موجة جديدة من الشائعات التي اعتادت عليها مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ما تكشفه المعلومات التي حصلت عليها "بغداد اليوم" من مصادر متعددة يشير إلى صورة مختلفة: تحركات استثمارية تجري بهدوء، مسارات تخصيص وتمرير تسير خلف الكواليس، وشبكة من المستفيدين تعمل على تحويل المساحات العامة والأراضي الخضراء في بغداد إلى مشاريع ربحية مغلقة، في وقت تتصدر فيه العاصمة قوائم أكثر مدن العالم تلوثاً، وتعاني تراجعاً حاداً في نصيب الفرد من المساحات الخضراء.

الزوراء بين النفي الرسمي والتحرك الصامت

بعد سلسلة الحملات الإعلامية التي اجتاحت مواقع التواصل وروّجت لوجود نية بتخصيص متنزه الزوراء وتحويله إلى مجمعات سكنية، سارعت أمانة بغداد إلى النفي أكثر من مرة، وأكدت في بيانات وتصريحات متلفزة أن المتنزه "خط أحمر" ولا توجد أي خطة لتجزئته أو تغييره. لكن مصدراً مطلعاً تحدث لـ"بغداد اليوم"، مشترطاً عدم الكشف عن اسمه، يؤكد أن ما جرى في الكواليس لم يكن في مستوى حدة النفي العلني، بل سار في اتجاه مختلف تماماً.

يقول المصدر إن "التحرك الحالي لا يتحدث عن المتنزه كله دفعة واحدة، بل يبدأ من برج الزوراء والمساحات الخضراء المحيطة به، عبر فرصة استثمارية يجري تهيئتها بطريقة هادئة تدريجياً، من خلال مستثمر واحد يقود المشهد، لكنه لا يظهر في الواجهة بشكل مباشر"، مضيفاً أن "الملف جرى التعامل معه منذ البداية على أنه مشروع يجب أن يمر بأقل قدر ممكن من الجدل، لذلك تم العمل على خطواته داخل غرف مغلقة، بعيداً عن الرأي العام".

مستثمر واحد بعدة واجهات.. وكيف تم ترتيب المنافسة

المعلومات التي حصلت عليها "بغداد اليوم" من مصادر خاصة في إحدى الجهات الرقابية، تؤكد أن الإحالة المفترضة للمشروع كان يفترض، وفق الإجراءات الرسمية، أن تُعرض على ثلاث شركات على الأقل لضمان تنافس حقيقي وشفاف، لكن ما حدث فعلياً هو تقديم شركتين فقط إلى المنافسة، كلتاهما – بحسب هذه المصادر – ترتبطان بالمستثمر الأصلي بعلاقات مالية وإدارية مباشرة، مع وجود "تفاهمات مسبقة" بينهما حول مسار العطاء.

وتشير هذه المصادر إلى وجود "نقوصات واضحة" في أوليات الشركتين، سواء في حجم الخبرة أو القدرة المالية أو اكتمال الوثائق، لكنها قُبلت في مرحلة الفرز، وجرى التعامل معها بوصفها شركات مؤهلة، في وقت جرى تجاهل شركات أخرى أو عدم فتح الباب أمامها من الأساس. وتقول إحدى الشخصيات التي تابعت الملف من داخل لجنة فرعية في أمانة بغداد لـ"بغداد اليوم"، شريطة عدم ذكر الاسم: "لم نر منافسة حقيقية، بل ترتيباً لعطاء يضمن بقاء المشروع في يد مجموعة واحدة، مع تعدد الواجهات فقط".

تحكم بالإعلان و"تجفيف" المعلومات

مصدر آخر يعمل في قطاع الإعلان التجاري يؤكد أن المستثمر المتقدم للمشروع، أو الجهات المرتبطة به، عمل منذ البداية على التحكم بالمساحات الإعلانية في الصحف والمواقع الرسمية التي تُستخدم عادة للترويج للفرص الاستثمارية، بحيث لا تظهر تفاصيل فرصة برج الزوراء بالشكل الذي يسمح بخلق اهتمام أوسع أو جذب منافسين محتملين.

وبحسب هذا المصدر، فإن "جزءاً من خطة تمرير المشروع تمثّل في تجفيف المعلومات، وعدم نشر إعلان واسع ومعاد عن تفاصيل الفرصة، والاكتفاء بدورة إعلانية محدودة جداً، مع الاعتماد على شبكة العلاقات الداخلية لإيصال المعلومة إلى الجهة المستهدفة مسبقاً". ويضيف أن "هذه الطريقة ليست جديدة، بل استخدمت سابقاً في ملفات أخرى، حيث يتحول الإعلان الشكلي إلى مجرد استيفاء لإجراء قانوني، بينما يكون الترتيب الحقيقي قد حُسم في الخلفية".

جهات تسهّل.. لماذا وكيف تستفيد؟

التحقيقات الأولية التي أجرتها "بغداد اليوم" تشير إلى أن تمرير مثل هذه المشاريع يحتاج إلى أكثر من توقيع واحد؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بأمانة بغداد أو هيئة استثمار، بل بشبكة أوسع من الموظفين والمسؤولين والوسطاء الذين يتحركون على خط واحد: تحويل الملك العام أو المساحات الخضراء إلى "فرصة" يمكن توزيع منافعها على عدة أطراف.

مصادر خاصة تحدثت لـ"بغداد اليوم" تؤكد أن "بنية الفساد في ملف الأراضي ببغداد تقوم على ثلاث حلقات رئيسية: تغيير صفة الأرض (من خضراء أو خدمية إلى استثمارية أو سكنية)، تسريع الموافقات بعيداً عن الاعتراضات المهنية أو البيئية، ثم تسويق المشروع كحل سكني أو خدمي لا يمكن معارضته بسهولة"، موضحة أن "كل حلقة من هذه الحلقات تعني حصة من العوائد؛ من عمولات الاستشارات، إلى نسب من أرباح البيع، وصولاً إلى تمويل نشاطات سياسية وانتخابية لبعض القوى النافذة".

وتضيف إحدى الشخصيات التي عملت سابقاً في ملف التخطيط العمراني: "في حالات كثيرة، لا يُنظر إلى المتنزه أو الأرض الزراعية بوصفهما فضاءً عاماً، بل بوصفهما رصيداً مالياً مجمداً يمكن تسييله متى ما توفرت الظروف، ولهذا نجد إصراراً على إدخال هذه الأراضي في مسارات الاستثمار، حتى لو كانت المدينة تعاني نقصاً خطيراً في المساحات الخضراء".

من مطار المثنى إلى الزوراء.. نمط يتكرر

ما جرى سابقاً في مطار المثنى، كما يقول عدد من المختصين في التخطيط الحضري تحدثوا لـ"بغداد اليوم"، يقدم مثالاً لا يمكن فصله عن المشهد الحالي؛ فبدلاً من تطوير المساحات الخضراء وتحويلها إلى متنفس واسع أو حديقة كبرى، جرى تحويل الموقع إلى أبراج ومجمعات، لتخسر بغداد مساحة كانت مرشحة لتكون جزءاً من البنية البيئية للمدينة.

اليوم، يسود القلق من تكرار النمط نفسه في الزوراء، مع اختلاف في الأسلوب: ليس عبر إعلان صريح بتحويل المتنزه، بل عبر "قضم تدريجي" يبدأ من برج، ومساحة محيطة، وخدمات ملحقة، ثم يتوسع لاحقاً بحجة التطوير أو تحديث البنى التحتية داخل المتنزه. وهنا تحذر مصادر بيئية من أن "فتح الباب لمرة واحدة سيجعل من الصعب إغلاقه لاحقاً، وسيتحول المتنزه تدريجياً من فضاء عام مفتوح إلى مجمعات مغلقة، بواجهات استثمارية مختلفة".

من يفتح الطريق؟.. دور القرارات واللجان والواجهات السياسية

مصادر إدارية مطلعة ترى أن المشروع ما كان له أن يصل إلى هذه المرحلة لولا وجود "إرادة سياسية" تغطيه، ولو بشكل غير معلن، مشيرة إلى أن "القرارات المتعلقة بالأراضي ذات الحساسية العالية لا تمر من دون غطاء، سواء من داخل مجلس الوزراء، أو عبر لجان عليا في أمانة بغداد، أو من خلال كتل سياسية تمتلك نفوذاً داخل المؤسسات التنفيذية".

وتقول شخصية سياسية سابقة لـ"بغداد اليوم" إن "السيطرة على الأراضي داخل بغداد تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحد من أهم مصادر النفوذ الاقتصادي والمالي لعدد من القوى، سواء عبر واجهات تجارية، أو شركات مقاولات، أو مستثمرين محليين واجهتهم معلنة لكن انتماءهم الفعلي معروف"، مضيفة أن "بعض هذه المشاريع لا يهدف فقط إلى الربح المباشر، بل إلى خلق واقع جديد يمنح هذه القوى سيطرة طويلة الأمد على مفاصل المدينة".

تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية.. مثال أوسع على المنطق نفسه

قضية الزوراء ليست معزولة؛ فهي جزء من مسار أوسع يتعلق بتحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية داخل حزام بغداد وخارجها. دراسات متعددة عن العشوائيات والتمدد العمراني تشير إلى أن تجريف الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مجمعات سكنية ومناطق عشوائية بات ظاهرة مقلقة تهدد البنية البيئية للمدينة، وتزيد من حدة التلوث ودرجات الحرارة.

وتؤكد بحوث تناولت السكن العشوائي في بغداد أن جزءاً كبيراً من هذا التمدد حدث على حساب الأراضي الزراعية المحيطة بالمدينة، عبر سلسلة من التجاوزات التي بدأت ببناء بسيط ثم تحولت إلى أحياء كاملة، في ظل ضعف تطبيق القوانين، وتداخل المصالح بين متنفذين محليين ووكلاء يبيعون الأراضي بطريقة غير رسمية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى أمر واقع يجري التعامل معه بحلول ترقيعية.

بغداد المدينة الأكثر تلوثاً.. الأرقام تشرح ثمن "الاستثمار" غير المنظم

في السنوات الأخيرة، ظهرت بغداد بشكل متكرر في قوائم أكثر مدن العالم تلوثاً في الهواء، ووصلت، بحسب بيانات منصات مراقبة جودة الهواء العالمية، إلى صدارة تصنيف "أكثر المدن تلوثاً" في أيام عديدة خلال عام 2025، مع متوسط تركيز للجسيمات الدقيقة (PM2.5) في عام 2024 بلغ نحو 40.5 ميكروغرام لكل متر مكعب، أي ما يعادل أكثر من ثماني مرات الحد السنوي الموصى به من قبل منظمة الصحة العالمية، ما يضع جودة الهواء في العاصمة ضمن تصنيف "غير صحي" بشكل مستمر تقريباً.

في الوقت نفسه، تظهر دراسات عن المساحات الخضراء في بغداد تراجعاً حاداً في حصة الفرد من المساحات الخضراء؛ إذ تشير إحدى الدراسات إلى أن نصيب الفرد في المدينة لا يتجاوز 0.02 متر مربع من المساحات الخضراء، في حين أن المعايير التخطيطية المعتمدة للمناطق الحارة مثل بغداد توصي بما لا يقل عن 12 متر مربع للفرد، كما أن نسب الغطاء الأخضر في العاصمة تراجعت من أكثر من 28% قبل عقود إلى نحو 12% فقط خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس خسارة متسارعة للمناطق المزروعة لصالح البناء والإسفلت.

هذه الأرقام لا يمكن فصلها عن التحولات في استخدامات الأرض؛ فكل متنزه يُقتطع، وكل أرض زراعية تُحوَّل إلى إسمنت، تعني حرارة أعلى، وتلوثاً أكبر، وجودة حياة أدنى لملايين السكان الذين يعيشون في مدينة تتوسع أفقياً من دون توازن بيئي.

من يستفيد من فوضى الأراضي.. ومن يدفع الثمن؟

بحسب مسؤول سابق في قطاع التخطيط، تحدث لـ"بغداد اليوم" بشرط عدم ذكر اسمه، فإن "السوق العقارية في بغداد أصبحت واحدة من أهم قنوات تدوير الأموال، سواء كانت أرباحاً مشروعة أو أموالاً تبحث عن غطاء قانوني، وبالتالي فإن تحويل الأراضي العامة والزراعية إلى مشاريع استثمارية أو سكنية يخلق مساحة مثالية لجني أرباح سريعة، مع إمكانية إخفاء المصادر الحقيقية للتمويل".

ويضيف: "حين يتم تغيير توصيف أرض من زراعية أو خضراء إلى سكنية أو استثمارية، فإن قيمتها السوقية تقفز أضعافاً مضاعفة، وهنا تكمن مصلحة كثير من المتنفذين، سواء عبر الحصول على نسب من بيع الأراضي، أو الدخول كشركاء صامتين في المشاريع، أو استخدام هذه الأصول لاحقاً كضمانات للحصول على تمويلات جديدة".

في المقابل، يدفع سكان المدينة الثمن على شكل تراجع في جودة الهواء، وارتفاع في درجات الحرارة، ونقص في المساحات العامة، وتآكل في هوية المدينة البصرية والعمرانية، فضلاً عن زيادة الضغط على البنى التحتية التي لم تُصمّم لتحمل هذا الحجم من التوسع غير المنظم.

القضاء والرقابة.. هل يمكن إيقاف المسار قبل فوات الأوان؟

رغم أن إجازة الاستثمار الخاصة بمشروع برج الزوراء والمساحات المحيطة به لم تصدر رسمياً حتى لحظة كتابة هذا التحقيق، إلا أن المؤشرات التي رصدتها "بغداد اليوم" عبر مصادرها داخل أكثر من جهة، تفيد بأن الترتيبات تسير بوتيرة متسارعة لاستكمال الأوراق المطلوبة وإصدار الموافقات خلال الفترة المقبلة، ما يستدعي تدخلاً مبكراً من القضاء والهيئات الرقابية، قبل أن يتحول المشروع إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.

مصدر رقابي يؤكد أن "القانون يمنح مجالاً واسعاً للطعن في أي مشروع استثماري يثبت أنه خالف شروط المنافسة أو تضمن تضارب مصالح أو تسبب بأضرار بيئية جسيمة، لكن المشكلة تكمن في أن التحرك غالباً ما يأتي متأخراً، بعد أن تكون العقود قد وُقعت، والأبراج قد ارتفعت". ويضيف: "إذا لم يُنظر إلى ملف الزوراء بوصفه قضية رأي عام، وليس فقط فرصة استثمار، فإن الباب سيبقى مفتوحاً لمشاريع أخرى تستهدف ما تبقى من المساحات العامة في بغداد".

الزوراء كاختبار.. والملف جزء من سلسلة أوسع

حماية متنزه الزوراء اليوم لا تتعلق فقط بمساحة خضراء محددة، بل بمبدأ واضح: هل تبقى الملكية العامة في بغداد قابلة للمساومة تحت عنوان الاستثمار والحلول السكنية، أم أن هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها مهما كانت المبررات؟

ما تكشفه المعطيات الأولية عن ملف برج الزوراء، وما جرى سابقاً في مطار المثنى ومناطق أخرى، وما تتعرض له الأراضي الزراعية في حزام العاصمة، يشير إلى وجود نمط متكرر يحتاج إلى مواجهة واضحة، لا مجرد بيانات نفي.

هذا التحقيق يأتي ضمن سلسلة تعمل عليها "بغداد اليوم" حول السيطرة على أراضي الدولة والمواطنين والمساحات الخالية والخضراء في بغداد، وآثار ذلك على البيئة والمدينة والمجتمع. وفي الحلقات المقبلة، سيتم التوقف عند أمثلة أخرى لتحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية، والجهات التي تقف وراءها، وكيف ترتبط هذه العمليات بشبكات مصالح أوسع سياسياً ومالياً، في مدينة أصبحت، وفق المؤشرات العالمية، من بين أكثر مدن العالم تلوثاً، بينما تتراجع فيها المساحات الخضراء إلى مستويات غير مسبوقة.

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14