سياسة / ملفات خاصة 4-12-2025, 21:10 | --
+A -A

معادلة التلويح بالقوة


كيف أصبح العراق "أمريكيا"؟ خارطة النفوذ من اغتيال المهندس إلى سافايا وقانون الحشد ومؤتمر السلام

بغداد اليوم – بغداد

منذ لحظة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الضربات الجوية التي استهدفت ثلاثة من أهم المواقع النووية الإيرانية "قضت تماماً" على قدرة طهران على التخصيب، بدأ البيت الأبيض يتحدث عن عراق "مختلف" و"أكثر صداقة" مع واشنطن. في الأيام الأخيرة كرر ترامب الفكرة نفسها بصياغة أكثر مباشرة: "العراق كان مختلفاً تماماً منذ ضربنا إيران بقاذفات B-2 ودمرنا قدراتها النووية… العراق الآن أكثر صداقة ويتحدث معنا، ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني رشحني مع عشرات الدول لجائزة نوبل للسلام".

لكن خلف هذا الخطاب الانتصاري، يطرح سؤال ثقيل في بغداد: هل غيّرت الضربة النووية فعلاً طبيعة المشهد العراقي، أم أن الأمر لا يعدو كونه قراءة سياسية انتقائية تحاول ربط مسار داخلي معقّد بقرار عسكري جرى على بعد مئات الكيلومترات من الحدود؟

في هذا السياق، يصف عضو مركز التنمية عدنان محمد التميمي تصريح ترامب بأنه "غامض ولا يشير إلى مضمون واضح"، ويرى في حديثه لـ"بغداد اليوم" أن الإشارة إلى أن "العراق بات مختلفاً بعد استهداف المواقع النووية الإيرانية" عبارة "غير دقيقة ولا تحمل مدلولاً محدداً"، ويمكن فهمها أكثر كرسالة سياسية عن "انتهاء الرمزية التي كانت تتعامل بها إيران عبر امتلاك القدرة النووية والمفاعلات والمواقع الكبرى التي جرى استهدافها"، لا كتشخيص واقعي لما يجري داخل العراق.

من أوباما إلى بايدن: إدارة أزمة عن بُعد

لأكثر من عقد، تشكلت سياسة واشنطن تجاه العراق على قاعدة "تقليل الكلفة" لا إعادة بناء الشراكة. إدارة باراك أوباما أنهت الوجود القتالي الواسع عام 2011، ثم عادت بترتيبات محدودة عندما تمدد تنظيم داعش بعد 2014، في معادلة تقوم على دعم جوي واستخباري، مع ترك عبء البر للحكومة العراقية والفصائل الحليفة لها.

جو بايدن ورث هذا الإرث وأضاف عليه طبقة جديدة: حوارات استراتيجية متلاحقة، إعلان إنهاء "المهام القتالية" للقوات الأمريكية في 2021، والانتقال رسمياً إلى دور استشاري، مع الإبقاء على بنية عسكرية واستخبارية قادرة على التدخل عند الحاجة. ثم جاء الاتفاق الأمني على سحب أغلب القوات بحلول نهاية 2026، مع بقاء حضور محدود لدعم العمليات في سوريا، في إطار انتقال تدريجي من "تحالف دولي" إلى علاقة ثنائية أوسع اقتصادياً وسياسياً.

في هذه المرحلة، كان الخطاب العام في واشنطن يتحدث عن "تقليص الانخراط في الشرق الأوسط" والتركيز على آسيا، فيما كان العراق يتأرجح بين ضغط الفصائل المرتبطة بطهران للمطالبة بالانسحاب الكامل، وحاجة المؤسسة الرسمية إلى مظلة موازنة مع النفوذ الإيراني، من خلال التعاون مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي.

ترامب القديم: اغتيال سليماني والمهندس وتغيير معادلة الردع

نسخة ترامب الأولى في البيت الأبيض تركت في العراق علامة يصعب تجاوزها: قرار اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس بضربة مسيّرة قرب مطار بغداد مطلع 2020.

هذا الهجوم لم يكن مجرد تصفية لقيادة عسكرية رفيعة، بل إشارة صلبة إلى استعداد واشنطن لنقل الصراع مع إيران إلى قلب المساحة العراقية. بعدها تصاعدت عمليات الاستهداف المتبادل بين القوات الأمريكية والفصائل، وتعمقت قناعة جزء من الطبقة السياسية العراقية بأن البلد تحول عملياً إلى ساحة تصفية حساب بين واشنطن وطهران.

مع ذلك، ظلت بنية السياسة الأمريكية في تلك المرحلة محكومة بمعادلة "الضغط الأقصى" على إيران عبر العقوبات، مقابل محاولة الحفاظ على خطوط تواصل مع الحكومة في بغداد، من دون الذهاب إلى إعادة هندسة كاملة لمعادلة السلطة داخل العراق.

ترامب 2: ضرب النووي الإيراني وربط العراق بحرب الردع

في ولايته الثانية، انتقل ترامب إلى مستوى مختلف من التصعيد: قاذفات الشبح B-2 شاركت في واحدة من أكبر الضربات التشغيلية لاستهداف ثلاثة من أهم مواقع التخصيب الإيرانية في نطنز وأصفهان وفوردو، في عملية قال البنتاغون لاحقاً إنها أخرت البرنامج النووي الإيراني نحو عامين.

إيران ردت بالصواريخ على إسرائيل وعلى قواعد أمريكية، لكن إحدى الجبهات الخلفية لهذا الاشتباك كانت العراق نفسه: ميليشيات مرتبطة بطهران ضربت حقول غاز ونفط تشغّلها شركات أمريكية في إقليم كردستان، ما أدى إلى تعطيل جزء واسع من إنتاج الإقليم، لترد واشنطن بضغط شديد على بغداد انتهى بإعادة فتح خط تصدير النفط عبر تركيا بعد أكثر من عامين من التوقف.

في هذا السياق، يمكن فهم جزء من خطاب ترامب عن "عراق مختلف"؛ فالمواجهة المباشرة مع إيران أعادت بعض التوازن في ملفات الطاقة، وسمحت لواشنطن بانتزاع تنازلات عراقية في ملف خط الأنابيب، كما منحت الإدارة الأمريكية فرصة للقول إن نفوذ طهران تراجع، وإن بغداد عادت أقرب إلى واشنطن.
لكن هذا "الاختلاف" يبقى محدوداً في ساحة معينة، لا في بنية النفوذ السياسي داخل الدولة العراقية.

عدنان التميمي يلتقط هذه المفارقة بدقة؛ فهو يقرّ بأن "القضاء على تلك المواقع – إن صح حدوثه – قد يكون مؤثراً على طهران"، لكنه يؤكد أن "الوضع في العراق مختلف تماماً، فالتأثير الإيراني ما زال واضحاً في العديد من القوى والتيارات السياسية، نتيجة تراكم العلاقات لسنوات طويلة والروابط السياسية والاقتصادية وحتى الدينية". ويضيف أن ترامب "أغفل الكثير من العوامل المؤثرة في العراق، ويحاول تضخيم عمليات قصف المواقع النووية رغم عدم وجود أي تقارير رسمية حتى الآن تؤكد تدمير تلك المفاعلات وما تحتويه من كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب".

الحكومة العراقية نفسها سارعت، بعيد الضربات، إلى التنديد باستهداف المنشآت النووية داخل إيران والتحذير من "مخاطر جسيمة على الاستقرار في المنطقة"، في إشارة تعكس استمرار حساسية بغداد من الانزلاق إلى موقع الطرف في حرب مفتوحة بين واشنطن وطهران.

مبعوث خاص، قانون الحشد، و"السلام" بوصفه بوابة جديدة

المسار الجديد في سياسة ترامب تجاه العراق لا يقتصر على الضربات العسكرية. تعيين مارك سافايا مبعوثاً خاصاً للرئيس إلى العراق وإقليم كردستان جاء مع تصريحاته المتكررة عن "تغييرات كبيرة قادمة في العراق" وضرورة حسم ملف السلاح خارج الدولة، وهي تصريحات تزامنت مع عودة الولايات المتحدة بقوة إلى تفاصيل ملفات النفط والغاز والطاقة في بغداد وأربيل.

بالتوازي، تضغط إدارة ترامب على مشروع قانون جديد لهيئة الحشد الشعبي، ترى فيه مراكز بحث أمريكية ودوائر في وزارة الخارجية خطوة نحو "تأبيد نفوذ الفصائل" وتشبيهه بنموذج الحرس الثوري. التحركات الأمريكية، سواء عبر اتصالات مباشرة مع الحكومة أو عبر رسائل علنية، تعكس رغبة واضحة في فرملة القانون بصيغته الحالية.

في الوقت نفسه، يحاول ترامب إعادة تقديم نفسه كـ"صانع سلام" في الشرق الأوسط: خطط متعددة المراحل لإنهاء حرب غزة، مبادرات سياسية، وقمة شرم الشيخ للسلام التي شارك فيها أكثر من عشرين زعيماً، وكان حضور العراق فيها محط جدل داخلي، خصوصاً لكونها ترتبط بمسار إقليمي يمهد لهندسة علاقات جديدة مع إسرائيل.

ضمن هذا المناخ، يفاخر ترامب بأن دولاً – من بينها العراق – رشحته لجائزة نوبل للسلام، في إطار ما يعتبره جزءاً من "جهود إنهاء الحروب" وإعادة بناء توازن إقليمي جديد.

عراق ترامب بين الرواية الأمريكية والواقع المحلي

الصورة التي ترسمها واشنطن اليوم لعراق "أكثر صداقة" و"أقل خضوعاً لهيمنة إيران" تستند إلى عناصر حقيقية جزئياً: تراجع البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة، تغيّر معادلة الردع في الإقليم، ضغط أمريكي نشط في ملفات الطاقة، وتحرك دبلوماسي–اقتصادي واسع تقوده شخصيات مثل مارك سافايا.

لكن القراءة التي يقدمها عدنان التميمي تذكر بأن العراق ليس معادلة أمنية تُقاس بحجم الضربات الجوية. فالتأثير الإيراني في بنية الأحزاب والتيارات، وتشابك المصالح الاقتصادية، وطبيعة الشبكات الدينية والاجتماعية، كلها عوامل تجعل من الصعب الحديث عن "تحول نوعي" في موقع العراق بين ليلة وضحاها.

التميمي يذهب أبعد حين يؤكد أن "تأثير إيران داخل العراق سيبقى مستمراً بغض النظر عن مصير مواقعها النووية، إذ إن قطع العلاقات معها أمر صعب بحكم الحاجة الاقتصادية وتشابك الملفات العالقة بين البلدين". هذا التشخيص يضع تصريح ترامب في حجمه الطبيعي: جزء من سردية سياسية تريد ربط الضربة لإيران بإنجازات متخيلة في العراق، أكثر مما تعكس تحولاً جوهرياً داخل بغداد.

بين الرواية الأمريكية والواقع العراقي… أين يتجه البلد؟

ما تغيّر فعلاً هو طريقة مقاربة واشنطن للعراق: من سياسة أوباما وبايدن القائمة على تقليل الانخراط المباشر وإدارة الأزمة من الخلف، إلى سياسة أكثر هجومية في عهد ترامب تستخدم القوة العسكرية داخل إيران، وتضغط على الحشد، وتستثمر في مسار "السلام" لتثبيت حضور أمريكي طويل الأمد في المنطقة.

ومع ذلك، فإن هذه المقاربة – مهما بلغت من قوة – تصطدم بحدود ما يمكن أن يفعله الخارج في بلد تتشابك فيه السلاح بالسياسة، والاقتصاد بالعقيدة، والجوار بالداخل. وبين خطاب "العراق المختلف" الذي تروّج له واشنطن وواقعٍ سياسي لا يزال محكوماً بتوازنات النفوذ على الأرض، تبدو التحولات المعلنة أقرب إلى إعادة توزيع الأدوار لا إلى تغيير جوهري في بنية السلطة، فيما يستمر العراق في موقعه الحرج بين محورين لا يتوقفان عن تعديل قواعد اللعبة.

تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

تعطيل الدوام الرسمي في اقليم كردستان وميسان ليوم غدٍ الخميس 

بغداد اليوم -بغداد اعلنت حكومة اقليم كردستان، اليوم الاربعاء ( 8 نيسان 2026 )، تعطيل الدوام الرسمي في كافة الدوائر والمؤسسات الحكومية ليوم غد الخميس. وقالت دائرة الإعلام والمعلومات بالاقليم في بيان تلقته "بغداد اليوم"، إنه "وفقاً للتقويم

اليوم, 13:20