أمن / ملفات خاصة 2-12-2025, 14:31 | --
+A -A

تحذير علني


خطابات "الإشارات الثقيلة" تتصادم فوق بغداد.. المقاومة تردّ على رسائل سافايا بـ"نبرة أعلى"

بغداد اليوم – بغداد

يبدو المشهد العراقي في الأيام الحالية محكوماً بحركة بطيئة تحت السطح تشبه انتقال الضغط من طبقة جيولوجية إلى أخرى، حيث تتقاطع سرديات المقاومة مع إشارات إقليمية لا تتوقف عن التراكم، بينما تقترب المنطقة من لحظة تبدو فيها الخرائط الأمنية والسياسية وكأنها وسط عملية إعادة تشكيل عميقة تتجاوز حدود النزاعات التقليدية، وتتشابك فيها ساحات لبنان واليمن والعراق وغزة وإيران ضمن سياق واحد لا يمكن قراءته بالعناصر المنفصلة، بل بوصفه كتلة واحدة تتحرك تحت تأثير موجة ما بعد طوفان الأقصى، وهي الموجة التي أعادت ترتيب موازين القوة في المنطقة ودفعت الفصائل العراقية إلى مراجعة بنيتها القتالية والتقنية، على نحو يجعلها تتحدث الآن بلغة تبدو أكثر ثقة بالنفس وأقل اكتراثاً بمعادلات الردع القديمة.

فحديث عضو المجلس السياسي لحركة النجباء فراس الياسر إلى وكالة تسنيم لا يقدَّم بوصفه سلسلة تصريحات منفصلة، بل بوصفه خريطة ذهنية لمقاومة ترى أن لحظة ما قبل طوفان الأقصى انتهت، وأن المسافات التي كانت تحدّ من قدرتها على التأثير في ميادين خارج الحدود لم تعد ذات جدوى، وأن التطوير الذي يجري داخل تشكيلاتها لا يقتصر على تحديث الطائرات المسيّرة أو الذكاء الاصطناعي أو تعزيز التحصينات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء تصور عملياتي جديد يقوم على إعادة رسم بنك الأهداف، واعتبار أن أي مواجهة قادمة قد تتطلب مستوى من المبادرة يجعل الفعل العسكري غير مرتبط بتوقيتات الآخرين، وأن التعاون المتصاعد مع القوات المسلحة اليمنية يمنح هذا التحول بعداً تقنياً في مجال الصواريخ والتوجيه والاستهداف، ويعطي الفصائل شعوراً بأن وحدة الساحات لم تعد شعاراً سياسياً أو إعلامياً، بل إطاراً عملياتياً قابلاً للتحقق في ظروف معينة وبوسائط تتطور بسرعة.

ويرى الياسر أن رسائل مبعوث ترامب مارك سافايا تمثل تدخلاً واضحاً في الشأن العراقي، وتكشف حجم القلق الأميركي من تصاعد حضور فصائل المقاومة. ويكشف من خلال اللغة المتدرجة في مقابلة طويلة، عن قناعة راسخة بأن العراق، بما يمثله من ثقل شعبي وحشد قانوني لفصائل المقاومة، يشكل نقطة تماس حساسة في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، وأن وجود القوات الأمريكية لا يُقرأ داخل ذهنية المقاومة بوصفه ترتيبات عسكرية عابرة أو بقايا مهمة محددة زمنياً، بل بوصفه جزءاً من بنية النفوذ التي تُبقي المجال الجوي العراقي تحت سيطرة واشنطن، وتمنع بغداد من تطوير منظومات دفاع جوي مستقلة، وتتيح لإسرائيل تنفيذ عمليات عبر المجال العراقي دون قدرة الدولة على الرد أو حتى المنع، الأمر الذي يجعل الوجود الأمريكي يُعرّف داخل خطاب المقاومة بصفته وجوداً غير صديق، بل مُنتجاً لتهديد سياسي وأمني في آن واحد، ما يفتح الباب أمام احتمال أن يُعاد استهداف القواعد الأمريكية إذا تغيرت الظروف أو إذا انزلقت المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وفي العمق ذاته، يتشكل خط تحليلي موازٍ يقدّمه الأمين العام لحزب النهضة حكمت سليمان، وهو خط لا يُعادله أو يناقضه، بل يضيف إليه طبقة أخرى تشبه الطبقة التي تكشف البنية التحتية للصراع. فالرجل ينطلق من تقدير مفاده أن إسرائيل بعد طوفان الأقصى لم تعد تتعامل مع الملف الفلسطيني أو المواجهة مع إيران كمحاور منفصلة، بل كخط واحد يتحرك من أطراف غزة إلى عمق سوريا ولبنان واليمن والعراق، وأن الضربة التي طالت طهران في حرب الأيام الاثني عشر ليست نهاية فصل، بل مقدمة لفصل جديد لم يُفتح بعد، وأن الصحافة العبرية والمؤسسات الأمنية الإسرائيلية الباحثة في مستقبل الاشتباك تتحدث بوضوح عن أن صفحة المواجهة لم تغلق، وأن ما سيأتي قد يشمل ساحات لم تُستهدَف سابقاً بهذه الكثافة، ضمن تصور إسرائيلي يرى أن بقاء بيئات المقاومة الحليفة لإيران على وضعها الحالي يمثل تهديداً مستقبلياً لا يمكن تجاهله.

ومن هنا تتكون نقطة التماس بين خطاب النجباء وتحليل سليمان، لأن كليهما يُحيل، كل بطريقته، إلى احتمال تمدد الاشتباك القادم إلى الداخل العراقي، سواء عبر استهدافات إسرائيلية لفصائل محددة، أو عبر ردود محتملة تنطلق من العراق باتجاه إسرائيل أو القوات الأمريكية، أو عبر نشوء ظروف تجعل العراق جزءاً من مشهد تتوزع فيه الضربات بين عدة ساحات في وقت واحد، خصوصاً مع كلام سليمان عن تسريبات منسوبة لوزير الخارجية المصري تتعلق بالنأي بالنفس وتسليم السلاح، وما تحمله هذه التسريبات من دلالات على حجم القلق الذي بدأ يتسرب إلى العواصم العربية من إمكانية توسع المواجهة إلى نطاق لا يمكن ضبطه بسهولة.

وتزداد الصورة تعقيداً حين يدخل العامل السياسي الداخلي على خط هذا التوتر، حيث يشير الياسر إلى أن الضغوط الأمريكية تصاعدت مع اقتراب الانتخابات، وأن واشنطن تتحرك ضمن تصور قلق من احتمال حصول القوى المرتبطة بالمقاومة على مقاعد مؤثرة داخل البرلمان، وأن للولايات المتحدة تجربة سابقة في محاولة التأثير على النتائج، وأن البيئة الإعلامية والاقتصادية قد تستخدم لتشكيل مشهد انتخابي يخدم اتجاهات معينة، بما يجعل العراق أمام ساحة تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الحسابات الإقليمية بطريقة لا يمكن فصلها زمنياً أو وظيفياً.

وبذلك تصبح الساحة العراقية، بكل عناصرها الأمنية والسياسية والديموغرافية، جزءاً من لوحة أوسع تتحرك فيها الخطابات العسكرية، والضغوط الدبلوماسية، وإعادة التموضع الأمريكية، والاستعدادات الإسرائيلية، وحسابات الفصائل، ومسار الانتخابات، في مسار واحد يصعب تفكيكه إلى ملفات صغيرة، لأن كل عنصر فيه يعيد تشكيل العنصر الآخر، ويخلق دينامية تجعل أي خطأ في التقدير قادراً على إطلاق سلسلة من الأحداث التي تتدحرج بسرعة تتجاوز قدرة المؤسسات على الاستجابة.

وفي هذا المعنى، يتشكل الإحساس بأن العراق يدخل لحظة لا تختبر قدرته على منع المواجهة فحسب، بل تختبر قدرته على ألا يتحول إلى أحد ميادينها الأساسية، رغم أن الخطوط التي تُرسم حوله تجعله في قلب شبكة ممتدة من التهديدات والاستعدادات والرسائل المتبادلة، ما يضعه أمام مرحلة تزداد فيها كثافة الإشارات ويصبح فيها الغموض جزءاً من المشهد، ويصبح الانتظار نفسه شكلاً من أشكال الضغط الذي يعيد توزيع الأدوار بين اللاعبين الإقليميين، في زمن يبدو فيه ما قبل طوفان الأقصى شيئاً وما بعده شيئاً آخر تماماً.

تقرير: محرر الشؤون السياسية والأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار