أمن / ملفات خاصة 26-11-2025, 17:05 | --
+A -A

سوق موازٍ للقوة


شبكات سرية "تبيع الموت".. كيف تصنع المنصات الرقمية جيشاً "خارج سيطرة الدولة" في العراق؟

بغداد اليوم - بغداد

في عمق المشهد العراقي، تتعايش دولتان فوق الأرض نفسها: دولة القانون التي تحاول فرض حضورها عبر الحملات الأمنية وبرامج نزع السلاح، ودولة غير مرئية تشكّلها العشائر وشبكات السلاح والتهريب وصفحات التداول السوداء التي تتحرك بسرعة تفوق قدرة السلطات على الملاحقة. وبينهما يقف المواطن، محاصراً بين الحاجة إلى الحماية والخوف من الفوضى، وبين وعد الدولة وقدرة العرف، في مشهد يعكس أزمة عميقة لم تعد تبدأ من نزاع عشائري ولا تنتهي بحدود حملة أمنية.

ففي السنوات الأخيرة، تحولت النزاعات العشائرية إلى واحدة من أكثر المظاهر خطورة في البنية الأمنية. معارك تُشعلها شرارة صغيرة، ثم تتسع لتأخذ شكل اشتباكات حقيقية تستخدم فيها أسلحة لا يفترض أن تكون خارج ثكناتها. ومع كل حادثة، يتضح أن السلاح الذي تحاول الدولة جمعه يعود إلى الشارع في دورة جديدة لا تنتهي، وأن الانفلات لم يعد سلوكاً فردياً بل جزءاً من اقتصاد معقّد يربط السلاح بالنفوذ والمال والسياسة.

قال الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية جاسم الغرابي لـ"بغداد اليوم"، إن نزاعات العشائر المسلحة لم تعد مجرد خلافات محلية بل تحدياً وجودياً لقدرة الدولة على فرض الأمن، مؤكداً أن إدراج هذه النزاعات ضمن الأعمال الإرهابية خطوة مهمة، لكنها لا تعالج الجذور التي تغذي العنف. ويرى الغرابي أن المشكلة ليست أمنية بقدر ما هي اجتماعية واقتصادية ونفسية، حيث يقف المجتمع أمام فراغ طويل خلّفته سنوات انهيار التنمية وضعف الثقة بمؤسسات الدولة، ما جعل العشيرة المرجعية الأولى في أوقات النزاعات.

لكن القصة لا تقف عند حدود العشيرة وحدها. في الظل، تتنامى تجارة السلاح بصمتها الهائل، مدفوعة بسيولة الأزمات. فبضغطة زر يمكن الحصول على قطعة سلاح عبر إحدى منصات التواصل، حيث تُعرض البنادق والمسدسات كأنها سلع منزلية، من دون أسماء أو عناوين أو رخص. تتبع الأجهزة الأمنية هذه الصفحات وتغلق بعضها، لكنها سرعان ما تعود بأسماء جديدة، في لعبة لا نهائية بين من يطارد ومن يتخفّى. والأخطر من ذلك أن جزءاً من تجارة السلاح تحركه شبكات تستخدم هويات رسمية أو غطاءً شبه قانوني لتمرير القطع إلى السوق السوداء، ما يجعل المهمة أكثر تعقيداً من مجرد حملة ضبط أو مصادرة.

وعلى الضفة الأخرى، يمتد عالم مظلم لا يظهر على الشاشات: الإنترنت المظلم حيث تُباع قطع السلاح والذخائر ومواد يمكن استخدامها في التصنيع، بعيداً عن أعين الرقابة. ويقول ضباط تحقيق إن بعض النزاعات العشائرية التي انفجرت خلال عامي 2024 و2025 كانت تستخدم ذخائر لا تتوافر إلا عبر شبكات التهريب أو المنصات المشفرة، ما يشير إلى أن الأسلحة التي تصل إلى الساحة لم تعد محصورة بالموارد المحلية، بل مرتبطة بسوق إقليمي يتجاوز الحدود.

ومع كل حملة نزع سلاح، يبرز سؤال لا تهدأ حدته: كيف يمكن لدولة تسعى إلى حصر السلاح أن تنجح في مهمة يبدو أن القوى الاجتماعية نفسها تعمل ضدها؟ فالعشيرة ما تزال تمسك بزمام القوة في كثير من المناطق، وتمتلك نفوذاً يعادل سلطة المؤسسات الرسمية، بينما يعيش المواطن بين شعورين متناقضين: الحاجة إلى الدولة، وعدم الثقة بقدرتها على حمايته. وفي هذا التوتر النفسي يتعمق حضور السلاح باعتباره الحل الأكثر جاهزية، مهما بدا مكلفاً.

هذا المشهد تكوّن عبر سنوات، منذ انهيار مؤسسات الدولة بعد 2003، وصولاً إلى انتشار الفصائل المسلحة، وتوسع شبكات التهريب، وتحوّل السلاح إلى عنوان نفوذ وملاذ اجتماعي. ومع كل سنة جديدة تتراكم طبقة فوق أخرى، حتى أصبح السلاح جزءاً من الحياة اليومية، يستخدم في الخلافات الفردية كما يستخدم في النزاعات الكبيرة، وتستمر الدائرة لأن الدولة لا تقدم بديلاً حقيقياً يخفض الحاجة إلى حمل السلاح.

لكن ما يجعل الأمر أكثر خطورة هو أن النزاعات العشائرية لم تعد مجرد انعكاس لغياب القانون، بل مؤشر على أزمة ثقة أعمق. فالمواطن الذي يشعر أن الدولة قد لا تصل إليه وقت الحاجة، وأن القانون قد لا يكفي لحمايته، لن يفكر في التخلي عن سلاحه مهما كانت العقوبات. وفي هذا الفراغ بالتحديد تتعزز سلطة الأعراف، ويصبح العنف الوسيلة الأكثر حضوراً في ظل تراجع الحوار وموت التنمية.

ليس من السهل أن تُفكك دولة بنية سلاح تكونت خلال عقدين. ولا يمكن لقرارات أمنية أو حملات إعلامية أن تقطع شبكة مصالح تمتد من بيوت الفقراء إلى مكاتب السياسيين، ومن منصات التواصل إلى دهاليز الإنترنت المظلم، ومن ترسانة العشائر إلى مخازن الفصائل. ومع ذلك، فإن أي تأخير في المواجهة المركّبة يعمّق الأزمة أكثر، ويجعل النزاعات العشائرية مرشحة للتحول إلى شكل جديد من العنف الاجتماعي، يصعب احتواؤه لاحقاً.

العراق اليوم أمام خيارين: إما بناء مشروع طويل الأمد يعيد للدولة احتكار القوة عبر القانون والتنمية والتعليم والثقة، وإما الاستمرار في إدارة الأزمات بدل حلها. وفي ظل هذا المشهد، كل نزاع عشائري ليس مجرد حادثة، بل رسالة إلى الدولة بأن معركتها الحقيقية ليست في ضبط السلاح فقط، بل في إعادة ترتيب علاقتها مع المجتمع. فحين تصبح البنادق أداة للتفاهم بين الناس، تصبح سلطة القانون على المحك، وتصبح الدولة مطالبة بإعادة تعريف نفسها قبل أن تطالب الآخرين بالتخلي عن أسلحتهم.

تقرير: محرر الشؤون الأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14