بغداد اليوم – خاص
لا تبدو الاحتجاجات التي شهدتها بغداد مؤخرا من قبل عدد من مرشحي التحالفات السياسية مجرد رد فعل غاضب على خسارة مقاعد نيابية، بقدر ما تعيد فتح ملف أقدم وأعمق يتعلق بثقة العراقيين بصناديق الاقتراع نفسها. فمنذ 2005، تكاد لا تمر دورة انتخابية من دون أن تخرج معها روايات عن تلاعب، وأخطاء فنية، وصناديق محترقة، وأعطال في الأجهزة، ما جعل العلاقة بين الناخب ونتائج المفوضية علاقة مثقلة بالارتياب. في هذا السياق، يأتي تقييم الخبير في الشأن السياسي والانتخابي محمد التميمي ليضع ما يجري الآن في بغداد ضمن سياق أوسع من مجرد صراع على الأرقام.
التميمي يعلق، في حديثه لـ"بغداد اليوم"، على تداعيات وتأثيرات الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة مؤخرا، معتبرا أنها "تعبر عن مستوى متصاعد من عدم الرضا عن نتائج انتخابات مجلس النواب". ويضيف أن هذه الاحتجاجات "تكشف عن جملة من الأسباب المحتملة التي تقف خلف تنامي الشكوك لدى المرشحين، أبرزها الفارق بين محاضر محطات الاقتراع التي بحوزتهم والنتائج المعلنة، بحسب ادعاءاتهم، إضافة إلى ضعف ثقة بعض القوى السياسية بآليات العد الإلكتروني، واعتقادهم بأن إعادة العد اليدوي قد يقدم صورة أكثر وضوحا ويعيد الاطمئنان للشارع والمرشحين". بهذا التشخيص، لا يظهر التميمي الاحتجاج كحالة معزولة، بل كعرض لمرض أشمل في بنية النظام الانتخابي وآليات إدارته.
وفي الميدان، تجسدت هذه الشكوك عبر وقفات واعتصامات لمجموعة من المرشحين في بغداد تحدثوا صراحة عن "سرقة الأصوات" و"مصادرة الجمهور" خلال الانتخابات الأخيرة، مطالبين بإعادة العد والفرز اليدوي لضمان "استرجاع حقوقهم". المرشحون المحتجون يؤكدون أن النتائج الأولية التي أعلنتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات "لم تعكس حجم الدعم الشعبي" الذي لمسوه في حملاتهم، وأن ما لديهم من محاضر ونماذج ورقية لا يتطابق مع ما ظهر في الجداول الرسمية. هذا النوع من الخطاب، حين يخرج إلى الشارع، لا يبقى محصورا في دائرة النخب المتنافسة، بل يتسرب سريعا إلى وعي ناخبين كانوا في الأصل مترددين في المشاركة، ما يهدد بتحويل كل عملية اقتراع لاحقة إلى ساحة لتجديد الشكوك بدلا من تجديد الشرعية.
ولم تكن الاعتراضات الحالية التي تقدم بها المرشحون إلى المفوضية حدثا عابرا أو محدودا؛ إذ تجاوز عددها ثمانمئة اعتراض رسمي خلال الأيام الأولى بعد إعلان النتائج، وهو رقم ثقيل يكشف حجم التشكيك البنيوي بسلامة العملية الانتخابية، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل معلقا منذ سنوات: هل تتصرف المفوضية كجهة محايدة تدير الاقتراع، أم كطرف يصبح جزءا من الأزمة كلما ضاقت المنافسة؟ هذا الكم من الاعتراضات لا يمكن قراءته بوصفه خلافا على المقاعد فقط، بل كمؤشر على تراكم فقدان الثقة حتى لدى القوى التي كانت جزءا من المعادلات الحاكمة للانتخابات السابقة.
التميمي يحذر من أن "المشهد الحالي يحمل تداعيات سياسية وإدارية حساسة، إذ يمكن أن تتوسع رقعة المطالب لتشمل محافظات أخرى ما لم تعالج الاعتراضات ضمن الأطر القانونية وبوتيرة سريعة"، مشيرا إلى أن استمرار الضغط الشعبي والسياسي "قد يؤدي إلى إعادة تقييم الإجراءات الفنية للمفوضية، وربما فتح الباب لمراجعات أوسع في آليات إدارة العملية الانتخابية". هذا التحذير يستعيد عمليا تجارب سابقة عاشها العراق، حين تحولت اعتراضات موضعية إلى أزمات وطنية مفتوحة. ففي انتخابات 2018 مثلا، قادت موجة واسعة من الشكاوى إلى قرار برلماني بإعادة العد والفرز اليدوي لكل الأصوات تقريبا، وإطاحة مجلس المفوضين، بعد اتهامات بحدوث خروقات واسعة وتلاعب في النتائج، خصوصا في كركوك والمحافظات الكردية.
ومن بين أبرز محطات هذا التراكم ما جرى عام 2021، حين خرج الإطار التنسيقي ببيانات علنية اتهم فيها المفوضية بـ"التزوير" بعد أن حصد التيار الصدري أغلبية المقاعد. تطورت الأزمة حينها إلى احتجاجات ميدانية واشتباكات مسلحة في محيط المنطقة الخضراء، وتحولت المفوضية نفسها إلى طرف مركزي في النزاع السياسي، لا مجرد وسيط تقني. ومع أن العدّ اليدوي الجزئي أثبت بدرجات كبيرة تطابق النتائج الإلكترونية، إلا أن الجدل لم يتوقف، بل زرع بذور أزمة امتدت حتى انسحاب التيار الصدري من البرلمان وانهيار بنية التمثيل التي قامت عليها تلك الدورة.
ما زاد من حدة الشكوك في تلك الدورة كان الحريق الذي اندلع في أحد مخازن حفظ صناديق الاقتراع في جانب الرصافة من بغداد، حيث كانت تخزن صناديق نحو نصف ناخبي العاصمة. الصور المتدفقة يومها لدخان يتصاعد من مخزن انتخابي، بالتزامن مع الجدل حول إعادة العد، غذت سردية المؤامرة لدى جمهور واسع، فيما تحدث مسؤولون حكوميون بشكل علني عن "فعل متعمد" يستهدف الديمقراطية الناشئة. تلك الواقعة لم تكن مجرد حادث فني، بل شكلت لحظة مفصلية في علاقة العراقيين مع فكرة "أمان الصناديق"، ورسخت صورة أن النتائج قد تكون قابلة للاحتراق حرفيا قبل أن تصبح نهائية.
إدخال أجهزة العد الإلكتروني على نطاق واسع في الدورة ذاتها كان يفترض أن يعزز النزاهة، لكنه تحول إلى جزء آخر من المشكلة. تقارير رقابية لاحقة تحدثت عن هشاشة بعض الأنظمة واحتمال تعرضها لأعطال أو تلاعب، ما جعل جزءا من القوى السياسية يشكك في النتائج منذ اللحظة الأولى. ومع أن عمليات العد اليدوي اللاحقة لم تغير جوهريا من الخريطة النهائية، إلا أنها لم تمح الشكوك، بل رسخت قناعة لدى شرائح واسعة بأن التكنولوجيا قد تكون ستارا لاختلالات أعمق، لا ضمانة بحد ذاتها.
في ضوء هذه السوابق، يبدو واضحا أن ما يجري اليوم في بغداد ليس استثناء، بل حلقة جديدة في سلسلة الارتياب الانتخابي المزمن. كل دورة انتخابية تقريباً تشهد تعديلات في القوانين والإجراءات، لكن النتيجة النهائية تبقى واحدة: جزء من الشارع يخرج أقل ثقة مما دخل، وجزء من النخب يتعامل مع النتائج بوصفها "اقتراحا أوليا" قابلا للتعديل بالضغط والاعتراض، لا بوصفها تعبيرا نهائيا عن إرادة الناخبين.
الشق الأخطر في تكرار هذه الحلقة يتمثل في ما يصفه التميمي بإمكانية تآكل "ثقة الجمهور بالعملية الانتخابية" نفسها، إذا لم تقدم الجهات الرسمية بيانات تفصيلية تشرح آليات احتساب الأصوات ونقاط الاختلاف. فالفجوة بين الناخب والمؤسسات لا تظهر فقط في لحظة إعلان النتائج، بل تمتد لما بعدها: حين تجلس القوى السياسية لتشكيل حكومة، وهي محاطة بشارع يعتقد مسبقا أن الشرعية منقوصة، وأن الأصوات لم تُحتسب بدقة.
أمام هذا السياق المتراكم، تبدو توصية التميمي في ختام حديثه أقرب إلى خارطة طريق اضطرارية: "الاحتكام للإجراءات القانونية والاستجابة المنطقية لمطالب التدقيق هو الطريق الأمثل لحسم الجدل وضمان استقرار البيئة الانتخابية". أما تجاهل الشكاوى أو الاكتفاء بطمأنة عامة، فيعني عمليا دفع جزء إضافي من الناخبين نحو العزوف، وتحويل كل انتخابات مقبلة إلى معركة مسبقة على شرعية النتائج.
في النهاية، ما يجري في بغداد، اليوم، يتجاوز مشهد مرشحين غاضبين أمام بوابة المفوضية، ليطرح سؤالا أعمق حول القدرة على استعادة ثقة الناخب العراقي. هذا السؤال لن يجيب عنه تعديل تقني أو قرار قضائي معزول، بل عملية إعادة بناء بطيئة ومستمرة لثقة مفقودة، تبدأ من شفافية الأرقام ولا تنتهي عند حدود تشكيل الحكومة المقبلة.
المصدر: بغداد اليوم + وكالات
بغداد اليوم - الانبار أفاد مصدر امني، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، بقصف مقر للحشد الشعبي في قاعدة الحبانية بمحافظة الانبار. وقال المصدر لـ"بغداد اليوم"، إن "غارات جوية الصهيوأمريكية أستهدفت بنايات الخوات الخمسة التي أتخذها الحــشد