بغداد اليوم - بغداد
يدخل العراق واحدة من أدق المراحل المالية منذ سنوات، مع انتهاء العمر الدستوري للحكومة ومجلس النواب بالتزامن مع اقتراب نهاية السنة المالية، ما جعل موازنة عام 2025 تنتقل من كونها ملفاً فنياً إلى معضلة دستورية واقتصادية متشابكة. فالموازنة، التي تُعد الإطار المالي للدولة خلال عام كامل، لا يمكن دستورياً إرسالها أو التصويت عليها في ظل غياب حكومة كاملة الصلاحيات وبرلمان قائم، الأمر الذي يدفع البلاد نحو الاعتماد التلقائي على آلية الإنفاق المؤقت (1/12) طوال الفترة الانتقالية.
يقول المختص بالشأن المالي والاقتصادي أحمد التميمي في حديث لـ"بغداد اليوم" إن “المرحلة الحالية تُدار بإجراءات استثنائية غرضها الحفاظ على انتظام الدولة في دفع الرواتب وتأمين الخدمات الأساسية فقط”، موضحاً أن قاعدة 1/12 "ليست موازنة حقيقية، ولا تسمح بفتح مشاريع جديدة أو إجراء تعديلات جوهرية على الإنفاق، بل تُبقي الدولة عند الحد الأدنى من التشغيل المالي".
ويشير التميمي إلى أن غياب الموازنة يفرض على الاقتصاد العراقي عدداً من القيود الواضحة، أهمها عدم القدرة على إطلاق مشاريع استثمارية أو الدخول في عقود استراتيجية تحتاج إلى غطاء قانوني من الموازنة المصادق عليها. كما أن الوزارات تُحرم عملياً من التخطيط المالي متوسط وطويل الأجل، في وقت تحتاج فيه البنى التحتية والخدمات العامة إلى توسع مستمر، خصوصاً مع الارتفاع السكاني وتضخم الطلب على الخدمات الصحية والتعليمية.
وتأتي هذه المرحلة في وقت حساس يشهد فيه الاقتصاد العالمي تقلبات كبيرة، مع تذبذب أسعار النفط ضمن نطاق واسع يتراوح بين 70 و86 دولاراً للبرميل، وتباطؤ اقتصادي في الصين، وارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً. وهذه المتغيرات تجعل من غياب الموازنة عاملاً إضافياً لزيادة المخاطر، لأن العراق يعتمد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية، وتحتاج مؤسساته إلى رؤية مالية واضحة للتعامل مع موجات التقلب.
ويشير مراقبون اقتصاديون إلى تجربة عام 2014 كنموذج سابق عاش فيه العراق عاماً كاملاً دون موازنة مُقرة، ما خلق حالة من الغموض المالي وتجميد المشاريع وتأخر خطوات التطوير الحكومية. ويخشى خبراء أن تتكرر هذه التجربة إذا طال أمد تشكيل السلطات الجديدة، خصوصاً مع وجود التزامات ضخمة في قطاعات الطاقة، والخدمات، والأمن الغذائي، والبنية التحتية.
ويرى التميمي أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تبدأ الحكومة الجديدة، فور تشكيلها، بإعادة تقييم المؤشرات الاقتصادية وتحديث تقديرات الإيرادات والنفقات، ثم صياغة مشروع موازنة جديدة تُرسل للبرلمان المنتخب لإقرارها وفق الأصول. وقد يستغرق هذا المسار أشهراً، لكنه يبقى الطريق الوحيد للعودة إلى الإطار المالي الطبيعي للدولة.
رغم أن الإنفاق المؤقت يضمن استمرار الدولة دون اضطراب في المدى القصير، إلا أن بقاء العراق بلا موازنة كاملة سيؤخر مسار التنمية، ويُبقي القطاعات الحيوية في حالة انتظار. ويُجمع المختصون على أن استكمال تشكيل الحكومة والبرلمان هو الشرط الأساسي لإطلاق موازنة 2025، واستعادة القدرة على التخطيط الاقتصادي السليم خلال المرحلة المقبلة.
المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم