اقتصاد / ملفات خاصة 15-11-2025, 19:00 | --
+A -A

قبل نقطة اللاعودة


الخطر الأكبر الذي لا يدركه السياسيون: الاقتصاد العراقي يقترب من لحظة الانهيار قبل تشكيل الحكومة

بغداد اليوم – بغداد

بينما تنشغل القوى السياسية في مفاوضات معقدة لتشكيل الحكومة الجديدة، يتجه الاقتصاد العراقي نحو منطقة خطرة وفق تحليلات خبراء الاقتصاد والتنمية، وسط مؤشرات متراكمة على عجز مالي متصاعد، وتضخم في الإنفاق التشغيل، وتراجع في الاحتياطات، إضافة إلى اتساع نطاق الفقر متعدد الأبعاد. وبحسب القراءات الفنية، فإن البلاد تقترب من أزمة مالية قد تسبق تشكيل الحكومة الجديدة المتوقع أن يمتد لأكثر من ستة أشهر، مع استمرار غياب موازنة 2025 واقتراب نهاية السنة المالية.

عجز متفاقم ونزيف في احتياطات البنك المركزي

تشير بيانات الخبير الاقتصادي منار العبيدي إلى أن إجمالي إيرادات العراق حتى نهاية آب 2025 بلغت 82 تريليون دينار، منها 73 تريليون من النفط، فيما لم تتجاوز الإيرادات غير النفطية 9 تريليونات دينار. وفي المقابل، بلغ الإنفاق العام 87.5 تريليون دينار، إضافة إلى 5 تريليونات دينار تمثل سلفاً حكومية تدرج نهاية العام ضمن المصروفات الفعلية.

هذه الأرقام تُظهر عجزاً فعلياً يقترب من 15 تريليون دينار بنهاية العام، وهو عجز يمول حالياً من خلال الاحتياطات النقدية. فبحسب العبيدي، اشترى البنك المركزي من وزارة المالية خلال الشهور التسعة الأولى من العام 49 مليار دولار فقط، بينما باع عبر نافذة العملة أكثر من 60 مليار دولار، ما يعني استخدام 11 مليار دولار من الاحتياطي الأجنبي لتلبية الطلب على الدولار.

في ظل أسعار نفط مستقرة بين 60 و65 دولاراً للبرميل، يؤكد العبيدي أن "جزءاً كبيراً من النفقات التشغيلية لن تتمكن الحكومة من تغطيته ما لم تتخذ إجراءات سريعة لتعزيز الإيرادات وترشيد الإنفاق".

غياب الموازنة وتعطل المشاريع

الخبير الاقتصادي أحمد التميمي حذّر من تداعيات انتهاء العام 2025 دون إقرار موازنة جديدة، مؤكداً أن استمرار البلاد بالعمل بقاعدة 1/12 سيصيب المشاريع الاستثمارية والخدمية بـ"الشلل التام"، ويضع الوزارات أمام صلاحيات ضيقة تمنعها من إطلاق مشاريع جديدة أو استكمال المتوقفة منها.

ويرى التميمي أن المحافظات ستكون "الخاسر الأكبر" نتيجة تجميد إطلاق التخصيصات، ما يعني تراجع الخدمات وتضرر فرص العمل وتراجع ثقة المستثمرين. وأضاف أن استمرار الوضع الحالي سيخلق تحديات جدية أمام التزامات الدولة، خاصة الرواتب وشبكات الحماية الاجتماعية، محذّراً من تفاقم العجز وضغط إضافي على الاحتياطي النقدي.

وتزامنت هذه التحذيرات مع انتشار "شائعات" – وصفها خبراء بأنها جس نبض حكومي – حول احتمالية توزيع الرواتب كل 45 يوماً بدلاً من 30، وهو ما أثار جدلاً واسعاً بين المواطنين.

تقييم قاسٍ لأربع سنوات من الإدارة الاقتصادية

في تقييم شامل يمتد لأربع سنوات من عمر الحكومة، قدّم الخبير زياد الهاشمي قراءة سلبية للأداء المالي والإداري بين 2022 و2025، واصفاً المرحلة بأنها "زمن الفرص الضائعة". إذ يرى أن الوفرة النفطية لم تستثمر لبناء اقتصاد متنوع، وأن الحكومة أعادت تدوير الأزمات بدل تفكيكها.

يقول الهاشمي إن الحكومة بقيت "أسيرة لسعر برميل النفط"، بينما بلغ اعتماد العراق على العائدات النفطية أكثر من 92% وفق البنك الدولي، وتراجعت مساهمة الزراعة والصناعة إلى أقل من 7%.

كما يشير إلى "زيادة غير مسبوقة في الهدر وعدم الانضباط المالي"، رافقها توسع كبير في التعيينات الحكومية رغم ضعف الإيرادات، ما أدى إلى تضخم العجز والدين الداخلي والخارجي. فالدين الداخلي تجاوز 97 تريليون دينار، والدين الخارجي بلغ 41 مليار دولار، بينما ارتفع عدد الموظفين الحكوميين إلى 4.7 ملايين.

فقر متعدد الأبعاد يتسع رغم تحسن المؤشرات النقدية

الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي كشف أن 36.8% من العراقيين – أي نحو 17 مليون شخص – يعانون من فقر متعدد الأبعاد يشمل التعليم والصحة ومستوى المعيشة والعمل والصدمات، بينما يعيش 17.5% على فقر الدخل المباشر.

تشير بيانات التخطيط والبنك الدولي إلى تحسن محدود في فقر الدخل، لكنه لم ينعكس على نوعية الحياة. إذ يعاني نصف أطفال العراق من حرمان متعدد الأبعاد، وتبلغ مشاركة النساء في سوق العمل 11% فقط.

وتحذر تقارير أممية من أن الفقر أصبح "هيكلياً" مرتبطاً بتراجع الخدمات الأساسية، خاصة في المحافظات الجنوبية التي تشهد نسب فقر مضاعفة مقارنة ببغداد وإقليم كردستان.

ترتيب عالمي منخفض ونمو غير انعكاسي على معيشة الناس

وفق تقرير مجلة CEOWORLD، جاء العراق في المرتبة 116 عالمياً بنصيب فرد يبلغ 5873 دولاراً سنوياً عام 2026، وهو رقم لا يعكس تحسناً فعلياً في مستويات المعيشة.

الخبير ناصر الكناني قال لـ"بغداد اليوم" إن "هذا التحسن رقمي فقط، لأن الاقتصاد ما زال يعتمد بنسبة تفوق 90% على النفط"، مضيفاً أن ثلثي الموازنة تذهب للإنفاق التشغيلي، فيما يعمل القطاع العام بأكثر من 6 ملايين موظف، ما يعمق الاختلالات الهيكلية ويبطئ النمو الحقيقي.

تضخم الجهاز الحكومي وتفاقم الدين العام

يقدم الهاشمي قراءة أكثر حدة في ملف التوظيف، قائلاً إن "العراق يضم واحدة من أعلى نسب التوظيف الحكومي عربياً"، إذ يتجاوز عدد الموظفين 11% من السكان، مقارنة بـ5% في مصر و3% في السعودية.

هذا التضخم، وفق الهاشمي، حوّل الوظيفة العامة إلى "وسيلة لشراء الولاء الاجتماعي"، وخلق بطالة مقنعة واسعة داخل جهاز إداري متضخم. فالرواتب تستهلك أكثر من 60% من الإنفاق العام، وتلتهم القدرة الاستثمارية للموازنة، بينما يقف الاقتصاد عند حافة عجز مزمن ودين داخلي متصاعد.

مظهر محمد صالح: الوضع مسيطر عليه.. الديون ضمن الحدود الآمنة

في المقابل، يؤكد مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية مظهر محمد صالح أن ملف الدين العام "يُدار بكفاءة عالية"، موضحاً أن الديون الخارجية الواجبة السداد لا تتجاوز 13 مليار دولار، نصفها فقط مستحق حتى 2028، وأن العراق "لم يتخلف عن سداد أي استحقاق".

أما الدين القديم البالغ نحو 40 مليار دولار فهو مجمد ومتعلق بمرحلة النظام السابق ولا قيمة تنفيذية له. ويشير صالح إلى أن الدين الداخلي – 91 تريليون دينار – تتولى المصارف الحكومية إدارته ضمن برنامج تحويلي يهدف إلى ربطه بمشاريع إنتاجية تسهم في الاقتصاد الحقيقي.

ووفقاً له، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي لا تتجاوز 30%، وهي أقل من السقف العالمي البالغ 60%.

مقارنة مع السعودية: إرادة سياسية مقابل شبكة مصالح

يرى خبراء أن الفارق بين العراق والسعودية في إدارة المال العام لا يتعلق بحجم الثروة، بل بآليات المحاسبة. ففي السعودية، أطلق ولي العهد محمد بن سلمان حملة غير مسبوقة عام 2017 أسفرت عن استرداد 100 مليار دولار خلال أشهر، وأعادت بناء الثقة بالدولة.

أما في العراق، فيؤكد اقتصاديون أن أكثر من 30% من الديون ذهبت لمشاريع وهمية في قطاع الكهرباء، بينما تُدار ملفات الفساد عبر لجان بلا نتائج.

الخبير الاستراتيجي حسين الأسعد يرى أن "العراق بحاجة إلى نموذج قيادي شجاع يعيد ضبط العلاقة بين الدولة والمال"، بينما يؤكد الباحث منار العبيدي أن "الاقتصاد العراقي تحكمه اليوم تحالفات مصالح تمنع أي محاسبة فعالة".

اقتصاد يقترب من منطقة الخطر قبل ولادة الحكومة الجديدة

المعطيات التي قدمها الخبراء – من العجز الفعلي، ونزيف الاحتياطيات، وتعطل الموازنة، وارتفاع مستويات الفقر، وتراجع الخدمات، وتضخم الجهاز الإداري، وتباطؤ القطاعات الإنتاجية – تشير إلى أن الاقتصاد العراقي يدخل مرحلة حساسة قد تتطور إلى أزمة مالية قبل اكتمال تشكيل الحكومة المقبلة، التي يتوقع سياسيون أن يستغرق تشكيلها أكثر من ستة أشهر على الأقل.

ومع غياب رؤية مالية واضحة، واستمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط، وتزايد الالتزامات التشغيلية، يصبح السؤال المطروح اليوم: هل يمتلك العراق الوقت الكافي لتصحيح المسار… أم أن الأزمة ستسبقه؟

المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم

أهم الاخبار

بريطانيا ترد على ترامب: لن ننجر إلى الحرب على إيران ونعمل لإعادة فتح مضيق هرمز

بغداد اليوم - متابعة أكد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، اليوم الأربعاء ( 1 نيسان 2026 )، أن "حلف شمال الأطلسي (الناتو) أبقانا آمنين لعقود طويلة، ويجب أن تكون لدينا علاقات أوثق مع أوروبا"، في رد غير مباشر على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد

اليوم, 12:47