بغداد اليوم - بغداد
في خضم التحولات الإقليمية التي تعيد رسم النفوذ الدولي في الشرق الأوسط، يرى المحلل السياسي ومدير وكالة "بغداد اليوم الإخبارية" سيف الهاشمي أن العراق أصبح اليوم مركز البوصلة الجيوسياسية الجديدة، ومحوراً تتقاطع عنده مصالح القوى المتصارعة.
ويؤكد بحديثه لـ"بغداد اليوم"، أن السنوات الثلاث الأخيرة مثّلت مرحلة غير مسبوقة من التغيرات العسكرية والسياسية في المنطقة، من فلسطين إلى سوريا ولبنان، فيما بقي العراق هدفاً ثابتاً لمحاولات الاستقطاب والضغط، غير أن حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني – كما يقول – "نجحت في تلافي كثير من الأجندات التي أريد بها زجّ البلاد في صلب الصراع الإقليمي".
ويضيف الهاشمي أن "كل ما أشيع عن تأجيل الانتخابات أو محاولة إدخال العراق في مواجهة عسكرية، كان جزءاً من مشروعٍ يهدف إلى إرباك الداخل العراقي"، مشدداً على أن "الحكومة تمكّنت من تجاوز تلك المرحلة الحرجة، والعبور نحو محطة أكثر استقراراً تمثّلت في تنظيم الانتخابات المحلية والعامة".
يشير الهاشمي إلى أن "المرحلة الراهنة لا تخلو من تحديات مفتعلة وطبيعية، تبدأ من شحّة المياه وتمرّ بتذبذب أسعار النفط، وتنتهي بتأثر الشرق الأوسط بخطط تنموية من جهة وخطط بسط النفوذ من جهة أخرى".
ويرى أن العراق يجد نفسه محاطاً بتأثيرات مزدوجة: تنموية في الشكل، وصراعية في الجوهر، حيث تحاول بعض القوى الإقليمية إعادة رسم خرائط السيطرة الاقتصادية والأمنية بما يخدم مصالحها.
ويقول إن "العراق كان ضمن حسابات هذا التغيير، لكن قدرة الحكومة على المناورة حالت دون انزلاقه إلى مسرح الصدام الإيراني الإسرائيلي أو أي شكل من أشكال الاشتباك المباشر"، في إشارة إلى الاعتداءات الأخيرة التي طالت الأراضي الإيرانية ومحاولات زجّ بغداد في ردود الفعل.
ينتقل الهاشمي في تحليله إلى المشهد الداخلي، قائلاً إن "الناخبين العراقيين يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أنواع": النوع الأول، كما يوضح، هم المقاطعون، ويصفهم بأنهم "جزء من الحالة الديمقراطية الطبيعية"، معتبراً أن خيار المقاطعة يمثل حقاً سياسياً مشروعاً، مشيراً إلى تجربة التيار الصدري الذي "اختار المقاطعة رغم رغبة معظم القوى السياسية في مشاركته لما يملكه من قاعدة جماهيرية كبيرة".
أما النوع الثاني، فيراه الهاشمي الأخطر على العملية السياسية، "وهم من يشاركون في الانتخابات لكنهم يمارسون دوراً موازياً عبر الجيوش الإلكترونية لتضليل الرأي العام وبث الفتنة"، مؤكداً أن "هذا النمط من المشاركة السامة يقوّض الثقة بالانتخابات ويعمّق الانقسام في المجتمع".
أما الفئة الثالثة، فيصفها بأنها "الناخبون السلبيون الذين يقاطعون بلا وعي سياسي، تاركين أوراقهم الانتخابية سلعة بخصة في يد أصحاب المال الفاسد"، مشيراً إلى أن "غياب الفهم السياسي يحوّل الصوت الانتخابي إلى أداة بيد المتنفذين، لا وسيلة لتغيير الواقع".
يحذر الهاشمي من أن "الجيوش الإلكترونية باتت تمثل تهديداً مباشراً للأمن الوطني والوعي المجتمعي في العراق"، موضحاً أن "شخصيات تافهة وبَيجات مأجورة تبثّ سمومها لزرع الفتنة وإثارة النعرات الطائفية". ويؤكد أن "المطالبة بمحاسبة هؤلاء لم تأتِ من جهة سياسية، بل من الشارع العراقي نفسه، الذي ضاق ذرعاً بحملات التشويه والتضليل".
ويشدّد الهاشمي على أن "الحكومة تمتلك الأدوات الكافية لتتبع تلك الصفحات والشخصيات سيئة الصيت"، داعياً إلى "دورٍ أكثر فاعلية من هيئة الاتصالات، ووزارة الاتصالات، وجهاز المخابرات، والأمن الوطني، في الحد من نشاط هذه المنصات ومحاسبة القائمين عليها قانونياً".
يختتم الهاشمي بالقول إن "العراق يقف اليوم بين مرحلتين: مرحلة الخلاص من صراعات الخارج، ومرحلة بناء الداخل". ويرى أن نجاح الحكومة في تجاوز الضغوط الإقليمية يجب أن يتبعه نجاح داخلي في إدارة الوعي وضبط الفضاء الإعلامي، مؤكداً أن "التحدي الحقيقي الآن ليس في صناديق الاقتراع، بل في حماية المجتمع من التزييف المنظم للرأي العام".
ويخلص إلى أن "الانتقال إلى وضعٍ أصحّ لن يتحقق إلا بوجود مؤسسات قادرة على فرض القانون، وإعلامٍ مهني يحاصر الفوضى الرقمية التي تُستخدم لتدمير الثقة بين الدولة والمواطن".
المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم