سياسة / ملفات خاصة 10-11-2025, 18:36 | --
+A -A

القادم أكثر قتامة


ماذا سُينتج "كرنفال حرق الأموال والتجييش الطائفي" بعد 11 - 11؟

بغداد اليوم - بغداد

تحت لافتة التنافس الانتخابي، عاش العراق خلال الأسابيع الماضية واحداً من أكثر المشاهد عبثية في تاريخه السياسي الحديث. فقد تحولت الحملات الانتخابية إلى سباق محموم في البذخ المالي والخطاب الطائفي، وسط غياب شبه كامل للرقابة القانونية والضوابط الأخلاقية.

الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي وصف ما يجري بأنه "كرنفال لحرق الأموال والتجييش الطائفي"، معتبراً أن هذه الانتخابات لا تشبه أي سباق ديمقراطي، بل تبدو أقرب إلى استعراض للقوة المالية والنفوذ الاجتماعي في ظل انعدام المحاسبة وضعف مؤسسات الدولة.

ويحذر الهاشمي من أن "هذا النمط من الإنفاق المنفلت والخطاب المتشنج سيترك أثراً خطيراً على مستقبل الاقتصاد والوعي السياسي في العراق"، مؤكداً أن "القادم أكثر قتامة إذا لم تتوقف هذه الممارسات عند حدود القانون والمصلحة الوطنية".

يقول الهاشمي إن "المرشحين لم يتنافسوا على تقديم البرامج الواقعية، بل على حجم ما ينفقونه من أموال، وعلى قدرتهم على استمالة الشارع بخطاب طائفي وشعبوي"، موضحاً أن "الإنفاق السياسي تجاوز كل السقوف القانونية".

ويضيف أن "المفوضية العليا للانتخابات لم تستطع ضبط التمويل أو تحديد مصادره، بينما اختفت الأجهزة الرقابية خلف بيانات شكلية لا تمت للواقع بصلة". تحليل هذا المشهد يكشف أن المال السياسي لم يعد وسيلة دعم انتخابي فحسب، بل أداة لإعادة إنتاج النفوذ القائم. فحين تُستخدم الثروة لشراء الولاءات، يتآكل الإيمان بفكرة المواطنة، وتتحول الانتخابات إلى معادلة تجارية تحكمها المصالح لا المبادئ.

يشير الهاشمي إلى أن "السلطات القضائية والرقابية تابعت هذه الخروقات من بعيد دون اتخاذ إجراءات حقيقية"، مضيفاً أن "الرقابة على الإنفاق والخطاب الانتخابي أصبحت شبه مجمّدة".

ويرى مراقبون أن هذا الصمت يعكس مشكلة بنيوية في مؤسسات الدولة؛ إذ لم يعد القانون يُطبّق على الجميع، بل يخضع لمعادلات النفوذ الحزبي والسياسي.

ويعني ذلك عملياً أن الانتخابات تُدار في فراغ رقابي، حيث لا تُحاسَب القوى التي تملك المال أو السلاح أو النفوذ، بينما يُترك الناخب دون حماية قانونية من التضليل أو الاستغلال.

يؤكد الهاشمي أن "المشكلة لا تقتصر على المرشحين، بل تمتد إلى جمهور الناخبين الذين ما زال جزءٌ منهم يتأثر بالمال السياسي والخطاب الطائفي". ويشير إلى أن "الوعي الانتخابي لم يتطور بما يكفي ليُميز بين المرشح القادر على الإنجاز، والمرشح الذي يشتري الصوت أو يثير العصبية".

ويُظهر تحليل المشهد أن الثقافة السياسية في العراق ما زالت أسيرة الهويات الفرعية؛ الطائفة، العشيرة، والمنطقة. وهذا ما يجعل المجتمع قابلاً لإعادة التجييش في كل دورة انتخابية، وكأن الذاكرة الوطنية تُعاد ضبطها في كل موسم اقتراع.

يقول الهاشمي إن "النتيجة المنطقية لكل هذا هي برلمان كسيح يتشكل من نواب غير مؤهلين سياسياً أو اقتصادياً، أوصلهم المال والخطاب الطائفي إلى قبة المجلس"، مضيفاً أن "هكذا برلمان لا يمكن أن ينتج حكومة قوية أو إصلاحاً حقيقياً".

وتشير التجارب السابقة إلى أن الدورات البرلمانية التي وُلدت من رحم المال السياسي كانت الأقل أداءً تشريعياً، والأكثر خضوعاً للتجاذبات الحزبية. وهو ما يُعيد إنتاج حلقة الفساد وضعف الدولة في كل مرة.

يرى الهاشمي أن "الإنفاق الانتخابي المفرط لا يقتصر أثره على السياسة فحسب، بل يترك ندوباً مباشرة على الاقتصاد العراقي". فالمليارات التي تُنفق على الحملات الدعائية تُستنزف من موارد كان يمكن توجيهها نحو التعليم والصحة والبنى التحتية. كما أن الأموال غير المعلنة التي تدخل السوق بشكل مفاجئ تُحدث تشوهات نقدية مؤقتة، ترفع الأسعار وتزيد التضخم.

ويحذر الهاشمي من أن "مرحلة ما بعد الانتخابات ستشهد بطئاً في الدورة الاقتصادية بسبب سحب السيولة من السوق وعودة الأموال إلى خارج التداول بعد انتهاء موسم الدعاية"، مشيراً إلى أن "ذلك ينعكس على حركة الاستهلاك والاستثمار، ويعمّق الركود في القطاعات الإنتاجية".

المعادلة تُظهر أن المال الانتخابي ليس مجرد فساد سياسي، بل عامل اقتصادي مدمر يُربك التوازن المالي للدولة ويضعف ثقة المواطن بالاقتصاد الرسمي.

يخلص الهاشمي إلى أن "الانتخابات الحالية ليست اختباراً للديمقراطية فحسب، بل امتحان لوعي المواطن"، داعياً الناخبين إلى أن "يُنقّوا أصواتهم من تأثير المال وضوضاء الطائفية، وأن يمنحوا أصواتهم لمن يملك الكفاءة والنزاهة".

ويؤكد أن العراق اليوم أمام مفترق طريقين: إما أن يستمر في إنتاج طبقة سياسية تموّل وجودها بالمال الفاسد، أو يبدأ بوعيٍ جديد يعيد الاعتبار لفكرة الدولة.

المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم

أهم الاخبار