بغداد اليوم – بغداد
في خضم ما يصفه أساتذة وباحثون بـ"الحرب الممنهجة على التعليم في العراق"، تتزايد التقارير الدولية التي تُثير جدلاً حول الجامعات العراقية ودورها الأكاديمي. فبعد أن كانت هذه الصروح منارات للعلم خرّجت آلاف الأطباء والمهندسين والعلماء الذين ساهموا في نهضة بلدانهم، باتت اليوم مادة لتقارير استخبارية تحاول تصويرها كمراكز نفوذ سياسي أو أمني.
وتُجمع الأوساط الأكاديمية على أن الجامعات العراقية، التي تأسس أولها عام 1957، شكّلت لعقود طويلة ركيزةً للتقدم العلمي العربي، وموئلاً للطلبة من مختلف الدول، قبل أن تطالها أزمات الحروب والحصار والفساد الإداري، ما جعلها اليوم في قلب صراعٍ إعلامي وسياسي متعدد الوجوه.
في هذا السياق، أثار تقرير مجلة "الإيكونوميست" البريطانية جدلاً واسعاً، بعدما زعم أن "فصائل مسلحة تستغل طلبة الهندسة في الجامعات العراقية للمشاركة في برامج لصناعة الطائرات المسيرة"، وهو ما اعتبره خبراء وأكاديميون محاولة لتشويه صورة التعليم العراقي وإقحامه في مسارات أمنية لا تمتّ إلى واقعه بصلة.
الخبير في الشؤون الأمنية صادق عبد الله ردّ في حديثٍ لـ"بغداد اليوم" قائلاً إن "الحديث عن استغلال طلبة الهندسة في برامج تصنيع المسيرات هو رواية استخبارية بعيدة عن الواقع العلمي"، مشيراً إلى أن "العراق لا يمتلك بعد بنية علمية أو صناعية متطورة تؤهله لتصميم أو إنتاج طائرات مسيرة محلياً".
وأوضح عبد الله أن "التقنيات التي تمتلكها بعض الفصائل المسلحة وصلت جاهزة من الخارج، وتحديداً من إيران وتركيا، وهما دولتان استثمرتا لعقود طويلة في تطوير صناعات الطيران المسير، بعكس العراق الذي ما يزال يفتقر إلى مراكز بحثية متقدمة أو برامج تطويرية في هذا المجال".
وأضاف أن "القول باستقطاب الطلبة وتحويلهم إلى عناصر تصنيع أمر مبالغ فيه جداً، لأن هذا النوع من التكنولوجيا يحتاج إلى سنوات من الخبرة والتدريب المتخصص، وليس مجرد تفوق أكاديمي"، لافتاً إلى أن "الجامعات العراقية اليوم مشغولة بمشاكل التمويل والبحث العلمي أكثر من أي مشاريع تقنية ذات طبيعة عسكرية".
وتابع عبد الله أن "ما نشرته المجلة يذكّر بالحملات التي سبقت غزو العراق عام 2003، عندما جرى تضخيم مزاعم امتلاك بغداد لأسلحة دمار شامل، ثم تبيّن لاحقاً أنها كانت مجرد ذرائع سياسية"، معتبراً أن "تقرير الإيكونوميست يسير في الاتجاه ذاته، أي صناعة صورة أمنية مضخّمة لخدمة أجندات سياسية دولية".
كما أشار إلى أن "العالم اليوم يشهد انفتاحاً كبيراً في سوق الطائرات المسيرة، حيث تُباع وتُشترى علناً عبر الإنترنت من شركات عالمية، ولم تعد حكراً على دول أو مؤسسات بعينها"، مؤكداً أن "حتى الولايات المتحدة باتت تتابع التجارب الإيرانية عن كثب بعدما أثبتت فعاليتها وانخفاض تكلفتها".
وختم الخبير الأمني حديثه بالقول إن "تطوير الصناعات الدفاعية في العراق – إن حدث مستقبلاً – يجب أن يتم حصراً عبر مؤسسات الدولة وبإشراف حكومي منظم، يخدم الأغراض المدنية والعسكرية المشروعة، لا عبر مبالغات إعلامية أو تسريبات استخبارية تسيء إلى الجامعة العراقية وتاريخها العلمي".
يرى أكاديميون أن ما يجري من حملات إعلامية متكررة ضد التعليم العراقي يندرج ضمن محاولات منظمة لتقويض ما تبقى من ثقة بالمؤسسة الأكاديمية، وتحويل الجامعة من منبر علمي إلى موضوع أمني. ويؤكدون أن الجامعات العراقية، رغم ما تواجهه من أزمات، ما تزال تحتضن آلاف الطلبة والباحثين الذين يمثلون خط الدفاع الأول عن هوية الدولة المدنية والمعرفية.
ويحذر مراقبون من أن الاستمرار في توظيف التعليم ضمن الصراعات السياسية والإعلامية سيفقد البلاد آخر أدواتها الناعمة في بناء المستقبل، مؤكدين أن حماية الجامعة من التسييس والتضليل الإعلامي ليست مسؤولية وزارة التعليم فحسب، بل مسؤولية وطنية تمسّ بقاء العراق كدولة قادرة على إنتاج المعرفة وصون كفاءاتها.
المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم
بغداد اليوم - بابل أعلنت محافظة بابل، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، الحداد ثلاثة أيام على أرواح شهداء العراق وأبناء المحافظة. وقالت المحافظة في بيان مقتضب تلقته "بغداد اليوم"، إن "محافظ بابل علي تركي الچمالي أعلن الحداد العام في