أنت تريد هذا المعمم

أنت تريد هذا المعمم     2017/11/05 13:48 عدد القراءات: 3020




ضحكنا مرةً في طريقنا لزيارة الأربعين مشيًا من محافظةٍ عراقية الى كربلاء كان الطريق بينهن يستغرق أربعة أيام من المشي على الأقدام، وجّه حينها استاذنا في الحوزة العلمية أن نرتدي الزي الحوزي إذا ذهب بعضنا سيراً على الأقدام، وذلك لكي لا يقول الناس أن المعممين ينصحون الناس بالذهاب الى الزيارة والمشي وهم يجلسون في البيوت، ولكي نكون فرصة لمن له مسألة ابتلائية في الفقه أثناء الطريق فيبادر ليسألنا عنها ويستفسر منّا.

ضحكنا حين وقفنا في باحة أحد المواكب الحسينية على الطريق، كان يضع الكراسي في هذه الباحة، مع مكان لشرب الماء والشاي، وقفتُ أنا وبعض الأصدقاء لشرب الماء هناك فسمعنا صوتاً من فتاة صغيرة كانت تجلس على الكراسي قرب الماء وهي تهمس بما لا يشبه الهمس لأختها التي تكبرها كما كان يبدو:باوعي الشيخ يشرب مي!

بادرتها بالإجابة حينها مازحاً: قابل الشيخ عالشحن؟ ابتسمنا ومضينا بعدها نضحك على هذا الموقف، غير أنه يمثل لي محطة للتفكير لا تناسب الضحك إطلاقًا.

كانت تعتقد هذه الصغيرة أن المعمم من طبقة أخرى من الناس، ربما كان يدور في خيالها أننا لا نتصرف كالناس، وحتى لا نعيش كالناس، أو لا نأكل ونشرب بالطريقة التي يأكل ويشرب بها الناس!

وبهذه الطريقة وإن قلت النسبة كان يفكر الكثير من الناس في القرى والأرياف المحيطة بالمدن، فكانوا ينظرون إلينا كالملائكة المنزلة من السماء، وهذا ما أغضب أصدقائي لا على نحو الجد من أن أفضل الطعام والفراش يقدّم إلي دومًا في المواكب دونهم.

الناس في العراق يدفعون المعمم الى أن يعيش بطريقة يتمظهر فيها بالقداسة والأنفة والرفعة، ليقدموا له المزيد من الحب والاحترام، وتقبيل الأيدي، وكلمات الـ"روحي فداك"، ولا يرتضي الكثير من الناس أن يروا المعمم بغير هذه الطريقة، فحسبهم أن يرون المعمم مازحاً أو يلبس كسائر الناس ويتلكم بطريقته الطبيعية دون تكلف أو إكثار ليس في محله من المصطلحات الفقهية حتى يعتقدون أنه يقلل من قيمة العمامة!

ثم يصرخون: المعممون خربوا البلاد.

وهنا لا أحد منا ينكر أن طريقة التفكير هذه قد ساهم فيها الكثير من المعممين أنفسهم، لكن ليست هذه الطريقة التي ينبغي أن يتعامل بها الناس.

الناس يصرخون بوجه المعمم الرافض للطائفية، والذي يحث على الوحدة والإخاء بين أبناء الشعب على اختلاف أديانهم ومشاربهم الفكرية: هذا معمم باع دينه بدنياه!

الناس يصرخون بوجه أي معمم يرفض الكراهية بأنه "كيوت" ثم يرفضونه ويشنّعون عليه بأقسى ما يملكون.

الكثير من الناس لا يعجبهم أن يكون المعمم بينهم كواحد منهم، بل ويعترضون عليه اعتراض قريش في زمانها على النبي بقولهم: وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق!

أنتم أيها الناس، لا أحد بإمكانه أن يخرب هذا البلد دون إرادة منكم، أو مساعده له بأيديكم. أنتم ترفضون المعمم الذي تصطلحون عليه بـ"المنبطح"، وتصنعون المعمم الذي يشتم لكم الشباب والنساء من المنبر لكي تضحكوا، الذي يعدكم بالجنة ويعد غيركم بالنار لكي تطمئنوا، الذي يوهمكم أنكم أفضل الخلق، وأن الجميع أعداؤكم لكي يبرر لكم فشلكم في هذه الحياة فتسكنوا.

أنت تريد هذا المعمم، الذي يخرب البلاد.

Top