محاكم العشائر.. اعتقال وإعدام!

محاكم العشائر اعتقال وإعدام     2017/10/19 20:33 عدد القراءات: 957




للإنصاف ليس إلا، للعشائر العراقية دور مهم في إطفاء الكثير من نيران الثأر بين الناس، فكم من حادثة قتل بين عوائل لها سلاحها ورجالها كان مقدراً لها أن يستمر القتل والموت بينهم لسنوات ويذهب بعشرات الضحايا من الرجال لولا تدخل عشائرهم لمحاولة حل النزاع بينهم وتحقيق ضرب بسيط من ضروب العدالة الإصلاحية التي تؤكد على تعويض الضحية وعدم الاكتفاء بمعاقبة المذنب.. بأي حال ليس هذا كل ما يمكن أن نكتبه عن العشائر وبعض تصرفاتها التي جرّت علينا الويلات، ليس هذا يكفي لنا لأن نتخذ من العشائر بديلاً عن الدولة، لكننا سنعود لهذا الأمر في نهاية المقال.

يرى علماء النفس ويوافقهم في هذا علماء الاجتماع أن أي ضحية في المجتمع ما لم يتم العمل على استدراك النقص الذي سببه له الأذى أو الظلم الذي وقع عليها وعلاجه ومحاولة تعويضها لاستئصاله ومعاودة دمجه بالمجتمع كأي عنصر طبيعي آخر فإن هذه الضحية لا تلبث إلا أن تتحول (باحتمال كبير) بعد حين نتيجة الإحساس بالظلم وعدم التعويض وعدم الاقتصاص العادل من الجاني الى ماكنة لإنتاج ضحايا آخرين في المجتمع، هنا حيث تتحول الضحية التي أهملها المجتمع وأهملتها الدولة ولم ينصفها القانون ولم يتم تعويضها معنوياً ومادياً الى كائن مجرم، ربما قاتل أو محرض على القتل أو مصفق له، وبلا شك هذا لا يؤكد أن كل ضحية بالضرورة ستتحول الى هذه الماكنة، لكن هذا ما تشير إليه أكثر الاحتمالات وقوعاً، لذا هناك ما يسمى بالعدالة الإصلاحية، التي من مهامها النظر الى مستقبل الضحية وما يمكن أن يؤثر عليه ما وقع فيه بغية علاجه وتعويضه قبل أن يفسد في الأرض.

بعد ذهاب صدام وسقوط نظامه شكلت فصائل مسلحة ما يسمى بمحاكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حينها لم يكن يجد الناس ما يأكلون ويشربون، حينها لم نخرج بعد من حرب ذهبت بالضحايا من الرجال والنساء والأطفال، حينها لم نر بعد النور الذي كنا نحتمل أن نراه بعد يغادرنا شبح صدام الجاثم على صدورنا، لم نفهم بعد من الحياة شيئاً لكننا شكلنا محاكم للأمر بالمعروف.. وأي معروف؟ إنه المحاسبة على الحجاب والغناء، أما من جاء إلينا على ظهر الدبابات الأمريكية ليعبث بوطننا وبحياتنا فلا أمر بالمعروف ولا نهي عند منكر عنده، بل لا زالوا الى الآن، وتحول أحدهم الى صاحب مشروع إسلامي يقاتل به الاستكبار العالمي ويرفع لنا شعار محاربة أمريكا بأموال يتنعم بها من دول الجوار ليعوضهم عنها مشاريع لخدمتهم في العراق.

لست هنا أود محاكمة أحد، بل هنا يدور الحديث من جانب اجتماعي، الكثير من الضحايا التي تركها صدام خلفه تحولت الى قتلة، يمارسون التعذيب والتقطيع والقتل بالدريل في مقراتهم كما كان يفعل صدام.. هكذا أصبح الضحية طاغية، لغياب العدالة الإصلاحية، وضعف الدولة.

انحسرت هذه المظاهر، غير أن بقاياها لم تنعدم تماماً، وعدتكم بالأعلى أن أعود للعشائر، وهنا أعود مع خبر قرأته قبل أيام، عن شيخ عشيرة قام بحسب تعبير الخبر: باعتقال. ثلاثة رجال، أصدر حكمًا بالإعدام على أحدهم، وأخرج الاثنين براءة! أيّ والله، إنها ليست مزحة، بل حادثة في البصرة!

ضعف الدولة، وضعف تطبيق القانون، وغياب العدالة، وعدم إهمال الدولة والمجتمع بالضحايا ومحاولة تعويضهم واشعارهم بالإحساس بالمظلومية التي تعرضوا لها قد تنتج لنا ضحايا قتلة، وأحيانًا: محاكم منظمة للقتلة.

فلا خيار لنا بعد الذي جرى ويجري سوى: الدولة.. أن نكون مع الدولة. 

Top