حسين تقريباً

من كربلاء الى أحزاب الدين

من كربلاء الى أحزاب الدين     2017/10/01 17:48 عدد القراءات: 2196




كربلاء، اسم لم يعد يقتصر على محافظة كربلاء في العراق، فإرتباط هذا الاسم بحوادث تاريخية ملهمة أحاله الى أن يكون ذا معنى تاريخي وعقائدي وأخلاقي، وأصبح منصة سنوية لانطلاق التأسي بالحسين وأهل بيته عليهم السلام، لذا تجد مفردة كربلاء في الشعر الرثائي حاضرة بقوة، والمعني منها هي الملحمة التاريخية الخالدة التي وقعت في هذه المحافظة..

كربلاء، في كل عام يعيد هذا الاسم انتاج قيم نبيلة في نفوس الناس وأقوالهم وأفعالهم، بعد أن تنطمس هذه القيم بالاعراف والتقاليد والعصبية والجهل طوال العام، فكأن كربلاء مؤقت لرسائل تنبيه تطرق أسماعنا مرة في السنة، للفت نظرنا وتنطق في أسماعنا بعد أن نغرق في بحر من الكراهية والطائفية: لماذا كل هذا؟

لكربلاء رسائل، الى الشيعة والسنة، الى العرب والكُرد، الى المسلمين وغيرهم.. أول هذه الرسائل يقرأها على أسماعنا أهل المواكب الحسينية، بعد أن تدب كربلاء في صدورهم في شهر محرم وصفر، المواكب الحسينية التي أصبحت رمزاً للتكافل الاجتماعي، وشرارة الانطلاق المليونية التي تحفز على قبول الآخر، ومساعدة الآخر، بغض النظر عن دينه وعرقه، فهل رأيت يوماً صاحب موكب حسيني يسأل أحد الداخلين الى موكبه: أسني أنت أم شيعي؟! أعربي أنت أم كردي؟!.. كلا، الجميع يعتقدون أن الطعام هنا هو "زاد أبو علي" وليس يحق لنا أن نحرم أحداً من "زاد أبو علي" أو أن نتحكم به..

هذه رسالة إنسانية يعيد الامام الحسين عليه السلام انتاجها في نفوس الناس، نعم أتفق معكم أن الكثير من هؤلاء الناس سيعودون بعد انتهاء هذه المواكب الى ممارسة كراهيتهم ضد الآخرين، وطائفيتهم وعنصريتهم.. لكن أليس في مواقفهم أيام محرم من خدمة مختلف الناس بذرة خير يمكن استثمارها من خلال كربلاء؟!

من رسائل كربلاء الأخرى، هي الوقوف مع المواطن، بوجه الحاكم، جيش الامام الحسين لم يكن من الشيعة وحسب، بل لم يكن من المسلمين وحسب، وانما من المسلمين وغيرهم، وهنا وقف الامام الى جنب المسلم وغير المسلم، في محاربة الطاغي المسلم، لأن غاية الدين هو العدل، وليس مجرد الأسماء، فما نفع الأسماء والعدل في هذه الأرض مُضيع.

على مر التاريخ يحاول أهل السياسة استثمار الحسين عليه السلام، ويؤسفني هنا أن أخبركم أن امتداح الساسة ورفع أحزاب سياسية وتسقيط أخرى من خلال الامام الحسين والمرثيات التي تُقرأ على الامام ليست بأمر جديد، بل تم هذا الاستغلال حتى على يد "رواديد" قدماء مدحوا احمد حسن البكر وصدام حسين! مع كل احترامنا وتقديرنا لهؤلاء الرواديد رحمهم الله، لكننا نتحدث هنا موقف لا عن أشخاصهم، لذلك لم أذكر أسمائهم

الامام كانت رسالته هي الناس، وحقوق الناس، ودين الله الذي يريد العدل في حكم الناس، لم نقرأ منه رسالة تشجيع للحكام، ولم نقرأ له رسالة لرفع جهات سياسية، فالحاكم حتى لو كان عادلاً فهو يقوم بواجبه المفترض الذي ينال عليه المستحقات والحمايات والمناصب والأموال، فلا علاقة للحسين بامتداح الحكام ورفعهم، سيما إن كانوا من العابثين بالمال العام..

للحسين رسائل كثيرة لا تسعها هذه المساحة، وضعت بين يديكم رسالتين، أعتقد أنها أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة، مساعدة الناس بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم.. وكربلاء هي ثورة للناس، عزاء للمظلومين والمستضعفين، وليست سيفاً يتقلده الحاكم للتسلط على عواطف الناس ثم رقابهم..

Top