السماعات أهم من الله!

السماعات أهم من الله     2017/09/28 15:58 عدد القراءات: 3697




قبل سنوات اشتكى أهالي منطقتنا من رجلٍ يفتح مكبرات الصوت لأربعين يوماً متواصلة من الصباح الى المساء دون توقف، وعلى الرغم من أن اختياره للمحاضرات وأبيات النعي والقصائد التي تسمى "حسينية" اختيار سيء، فهو يمنعك لارتفاع صوت مكبراته من أن تستمع الى قصيدة أنت تحبها في بيتك، وهو كحال الكثيرين الذين يرحمك أحدهم باختيار القصائد العذبة وبصوت هادئ تستذكر معه أحداث الطف وتعتبر، ولا هو يتركك ترحم نفسك، ولا يكف شرّه وينتهي عن أذى الناس بهذه الطريقة.

ذهبنا إليه وافتتحت معه الحوار ناقلاً له رأي الدين في أذى الناس عن طريق مكبرات الصوت، فكان جوابه: الزهرة ما تقبل أنزلهن!، قلتُ: وما دخل السيدة الزهراء (عليها السلام) بهذه الفوضى؟ قال: لأنها جاءتني في المنام، وطلبت مني أن أرفع هذه المكبرات. ثم أردف: نگدر نعترض عالزهرة؟ يأسنا من إقناعه، ورجعنا أدراجنا سائلين الله تعالى أن يكف هذا الانسان عن مشاهدة الأحلام، فمن يدري ما الذي يمكن أن يصنعه بنا لو أنه شاهد حلما يأمره بحرق المنطقة بكاملها؟

قبل سنوات انتشر تسجيل صوتي لمكالمة مع رادود يعتلي المنبر بقصائده وألحانه التي لا تناسب حجم الطف بل تنزل بهذه الحادثة العظيمة الى السخف والاستهزاء، كان ذلك الرادود يقول عند سؤاله عما يفعل وهو يعني ما يقول: لا دخل لنا بالله، حتى لو كان الله غير موافق، نحن نقرأ للحسين!

لم يبق أحد من الناس لم يعرف رأي المرجعية الدينية بهذا الصدد، فقد صرحت غير مرة بأنه لا ينبغي رفع مكبرات الصوت بما يتسبب بالأذى للناس، سواء كان الصوت المرتفع لأذان أو قرآن أو تعزية حسينية أو غيرها، لكن الناس لا زالوا يعانون في كل مناسبة من الصوت الذي يدفعهم الى كره هذه المناسبات والشعور بالقرف منها رغم ايمانهم بأبعادها الأخلاقية والتربوية.

تصرح المرجعية مرة أخرى عبر وكيلها في الكاظمية عن ضرورة ابعاد الرايات الدينية عن الدوائر الرسمية للدولة وحتى عدم وضع اللافتات الدينية على المدارس والجامعات، وابعادها عن سيارات الجيش والشرطة، لتبقى المؤسسات الرسمية للدولة تمارس عملها بعيداً عن العناوين الدينية، فالمدرسة والجامعة للعلم، ودوائر الدولة لإنجاز المشاريع الخدمية، والجيش والشرطة لحفظ الأمن، وكان الرايات والقصائد الحسينية هي المساجد والحسينيات والأماكن المخصصة لإقامة العزاء.. ورغم هذا التصريح من المرجعية الدينية الا ان الكثير من الناس يعتبر هذا القول ضرباً من الكفر والفسق!

هذا الأمر يدفعنا لفهم الطريقة التي تسير بها الكثير من الأمور، من الخطابات التي تسمى "دينية" الى التصرفات التي تعنون باسم الدين، وحتى الى التصرفات السياسية، فالناس يمارسون آراءهم الشخصية، ينطلقون من منطلقاتهم ويعبرون عن مشاعرهم وينفسون عن غضبهم بادعاء نصرة الدين، حتى لو خالفوا الدين، ومتبنيات الدين وأحكامه.. فهم إذن ينتصرون لأنفسهم، ويمارسون الذي يشعرهم بالارتياح والبهجة والتسلط، سواء أتفق ذلك مع الدين أو اختلف، سواء كان فعلهم نافعاً أو ضاراً، ليس هذا في الاعتبار، المهم هو الانتصار للنفس، واطاعة الهوى، والتحكم براحة الناس وأذواقهم وحتى حياتهم حين يصل الأمر للسياسة.

يذكرنا هذا الحديث بمقدمة العلامة الطباطبائي لكتابه الميزان، حين كتب يرثي لحال الأمة وتفرقها وخلافاتها وكيف أن هذه الفِرق تسقط آراءها وأفكارها على القرآن لتحرف آيات الله لها، وأوضح الطريقة التي يعتمدها أغلب الأطراف المختلفة بقوله: فتفرقوا في طريق البحث عن معاني الآيات، وكلٌ يتحفظ على متن ما اتخذه من المذهب والطريقة.

Top