يوم مع سائق الكوستر

يوم مع سائق الكوستر     2017/09/21 13:52 عدد القراءات: 2146




في زحام الطريق وسط بغداد فإن الصعود في الكوستر من الباب الشرقي الى الكرادة كفيل بأن يُدخلك في عوالم ويخرجك من أخرى سيما إذا قررت الجلوس قرب السائق الذي يحرك المقود بأعصابه المنفلتة وينفخ بدخان سيجارته ثم يطلق اللعنات والشتائم في ظهر هذا الصيف تحت شمس الله التي تشوي الوجوه.

يُقدّر لي في كل مرة أصعد بها الكوستر أن أجلس قرب السائق، يتعامل السواق مع ثلاثة أصناف من الناس في الطريق، السيارات في الشارع، الركّاب، والمرور الذي يجعل يدعو بأن يجعل بين يديه سداً ومن خلفه سداً عسى أن تناله رحمة الله فلا يراه رجل المرور وهو يقف في المكان الخطأ.

جاء صوت من آخر الباص: نازل. تأفّف السائق ولعن لا أعلم مَن في سره، لأنه كان يقف على بُعد أمتار قليلة قبل هذه النازل، وهذه من مشاكل السائق مع الركاب، أنه من الطبيعي أن يوقفوه ثلاثة مرات في عشرة امتار من الطريق، نظر إليّ وقال بغضب: جاي تشوف؟ قبل أن أبتسم إزاء سؤاله نظر الى صاحبة النازل، كانت فتاةً جميلة جداً، سرح معها بخياله من ممر الباص الى بابه، ابتسم وزالت من وجهه ملامح التعب والغضب، وكرر السؤال الذي قصد به هنا معنى آخر مع نفسه بصوت منخفض: جاي تشوف. ومد الواو كثيراً. بعد نزولها قال لي: طلعت تستاهل أوگفلها، خوما هالخلقة المگابلتني! وأشار بيده الى (السكن) الذي يعمل معه، نظر المشار إليه إليّ وضحك، ضحك بطريقة تدل على الرضى بهذه القسمة، وتشير الى موافقته لرأي السائق.

في وسط الطريق وفي السعدون تحديداً مررنا بحريق لمحلات هناك، توقف السائق وهرع ليسأل عن ما حدث ويعرب عن استعداده للمساعدة، كان السبب هو تماس كهربائي مسيطر عليه رغم الخسائر التي احدثها، رجع السائق الى القيادة، وأكملنا الطريق وسط الزحام، كان يحدثنا عن ضيق الشوارع، وكثرة السيارات، وكيف أنه لم يستفتح رزقه من الصباح الى المساء، ويبتسم لكل راكب جديد، ويشتمه اذا نزل ولم يغلق باب الباص لأن تبريد السيارة سيذهب هباءً الى الخارج، ويعود بانتباهه الى السيارات المسرعة في الخارج، ليحسد بعضهم من أصحاب السيارات الفارهة بعبارته (شكو عليك) وينال من شرف البعض الآخر بكلماته إذا زاحمه على الطريق ثم يلتفت ليطلق النكات والضحك مع (السكن).

في الحقيقة يعيش الكثير من الناس حالة السائق هذا، الذي يكون مستعداً لأن يطفئ الحريق، ثم يشتم بعد دقائق رجلاً لم يغلق باب السيارة عند نزوله، هذا الرجل الطيب المستعد لتقديم العون في المصائب تدفعه الظروف والضغوط لأن يتعامل بقبح أحياناً، ويُغلظ من القول، ويبدي ردود فعل عنيفة.

الحرارة في العراق مع عدم توفر الأمن وخشية الانسان من الموت في انفجار أو عمل إرهابي في أي لحظة ممكنة، البطالة مع استهتار بعض رجال القانون في الشارع واستهتار رجال الدولة في أموال الناس لا تبقينا على ما نحن عليه، وقد لا تسمح لنا أحياناً بأن نظهر الجانب الطيب من أنفسنا، نحن نعيش في مجتمع مأزوم، كلما أراد أن يكون مجتمعاً أخلاقياً أعادته الظروف التي تصنعها الحكومات الى أن يظهر أقبح ما عنده.

نحن نعيش في مجتمع مأزوم، وهذا الفهم ساعدني شخصياً بشكل كبير لأن أتفهم الناس، أتفهم غضبهم وعدم منطقيتهم واسائتهم أحيانا، من الشارع وصولاً الى الفيسبوك

Top