اخلق حبيبتك.. لا تصدّق صدام

اخلق حبيبتك لا تصدق صدام     2017/08/27 16:14 عدد القراءات: 3951




في فلم ruby sparks الذي عُرض في ٢٠١٢، يكتب بطل الفلم رواية ويتعلّق بفتاة داخل الرواية صنعها بنفسه، يبدأ الراوي برؤية هذه الفتاة في غرفته بعد أن كان يعيش معها بخياله وهو يكتب حياتها وأحداثها في روايته، كان يكتبها فيراها تمتثل لما يكتب، وكلما تمردت عليه أعادها بنصف سطر الى ما يحب، يجعلها تغضب، تضحك، تتحرك بحركات بهلوانية، تقول له اُحبك ولن أستطيع العيش من دونك، يجعلها أحياناً تدور في الغرفة بل وتزحف وتنبح كالكلب ليشعر بالتسلط والسيطرة وينفجر في نوبات من الضحك، كل هذا يصنعه فيها بطابعته ولوحة المفاتيح التي تضرب عليها أصابعه.

من أساليب السيطرة التي عمد الطغاة الى استعمالها لاستعباد الشعوب وكتابة حياتهم كما يحلو هو إخافتهم من خطر يحدق بهم لم يدفعه ولن يدفعه عنهم سوى الطاغي قائد الضرورة هذا، فإن لم يكن هناك أعداء في الواقع يعمد الطاغية الدكتاتور الى تحويل الآخرين الى أعداء لهذا الشعب الذي عليه أن يتمسك بالقائد المدافع المحامي ويترك الشذوذ عن طاعته خدمة لحياة الناس والوطن، فإن لم يكن هناك من الناس من يمكن تحويله الى عدو، يخلق الطاغي للجماهير عدواً افتراضياً عليهم أن يخافوه في ليلهم ونهارهم فهو خطر ماحق ينتظرهم على حدود دولتهم وسيحيط بأبواب بيوتهم وأبواب حماماتهم لو حدث أن ضعف أو اُشغل هذا الحاكم الجبار الذي يتلقى عنا النار والحديد بصدره (زوراً وكذباً طبعاً).. فالطغاة لا يحبون اختلاق الحبيبات، لا يعرفون سوى اختلاق الأعداء للناس لأن هذا ما يغذي وجودهم ويديمه.

كان صدام حسين يختلق في العراق أعداءً افتراضيين من الشيعة ليخيف بهم السنّة، كي لا يفرط أهل السنّة بالجدار الذي اسمه صدام حسين، الذي لو انقضّ لأكل شيعة العراق سنتهم، وقتّلوا أطفالهم واستباحوا نساءهم، حتى مضى الزمان الغابر وجاء غيره لترى بعينك وتسمع باذنك الشيعي ابن الناصرية والبصرة وهو يدافع عن شرف اخواته من الإيزيديات والسنيات في الموصل والانبار.. وبان كذب من كذب، وزيف من زيف وعي الناس ولعب به.

لم يكذب صدام وحده، ولم يستطع خلق وترسيخ هذه الثقافة لولا أن ساعده بذلك بعض رجال الدين، وبعض رجال الاعلام، وبعض أزبال الدنيا من الخلق الذين يعتاشون على موائد السلاطين مقابل أن يرهنوا أقلامهم وألسنتهم وأدمغتهم للحاكم يلعب بها كيف شاء، ولن يعني لهم أن يقتتل الناس أو أن تتيتم الأطفال شيئاً.

مات الراوي صدام حسين غير مأسوف عليه، ليفتح العراق عينه على رواة آخرين، رواة يعلمونك أن السنة كلّهم دواعش وارهابيون وقتلة، ولولاهم (هؤلاء الرواة) ولولا أحزابهم الدينية لكنت الآن في خبر كان، أنت وأهلك.. وعلى الطرف الآخر يصنع رواة آخرون منك أيها الشيعي عدواً للسني، رواة يبحثون عن شيعي يشتم السنّة والصحابة فيعممون فعلته على الجميع ليتوسلوا بذلك عواطف الجماهير السنية بغية اغضابها ودفعها الى التحزب ضد الشيعة، ويتحزب الشيعة ضد السنة على يد رواتهم الذين يقدمون لهم الأخطاء الفردية على أنها سلوك اجتماعي، حتى تصدّق جميع الأطراف ما يقال لها وتنخرط في الحرب فيجلس الرواة سوية على اختلاف أسمائهم فوق التل يشاهدون المعركة، ويقزقزون اللب ويبصقون القشور بوجهي ووجهك، ومتى أنهكنا القتال كان نصيبهم الغنائم.

هناك رواة آخرين، مهمتهم اختلاق الأعداء أمام كل طارئ يهدد فساد الحاكم، أمام كل متظاهر ومطالب بحقه كأي آدمي علي هذه الأرض، فلا ينبغي التظاهر للمطالبة بالكهرباء، كي لا يعود البعث، وكل دعاوى المطالبة بالحقوق من الأمن الى الحصة التموينية في نظر هؤلاء الرواة الذين يختلقون الأعداء للناس هي مطالبة بعودة البعث والدواعش وكفار قريش وقتلة نبي الله يحيى.

كم خلقوا لك ولغيرك أيها السني والشيعي والعربي والكردي من الأعداء ليكتبوا حياتك بلوحات مفاتيحهم، ليجعلوك تضحك وتغضب وتقتتل وتحارب وتصمت وتركض وتنام وتتحرك بشكل بهلواني وتزحف وتبكي وتخسر كل ما تملك فيشعرون فوق رأسك بالنشوة والتسلط وتمتلئ أفواههم بالضحك.. كم؟

Top