خرقة بيضاء لغشاء البكارة

خرقة بيضاء لغشاء البكارة     2017/08/13 13:02 عدد القراءات: 9335




يلوّح الممثل المصري عمرو عبد الجليل في احدى أفلامه بخرقة بيضاء عليها دم فتاة في ليلة دخلتها وسط احتفالات المجتمع الشعبي بزفافها على الباب وهو يصرخ: أنا كنت متأكد.. أنا كنت متأكد.. مع إني كنت شاكك!

وهو يعني أنه كان متأكداً من شرف الفتاة المعنية هنا، وبهذا يلّوح للناس بدم غشاء البكارة الذي خرج منها.

في بعض المجتمعات في وطننا العربي يشعر الناس بأنهم معنيون بالتأكد من شرف الفتاة التي تزوجها ابن منطقتهم فيتجمعون ويتجمهرون على الباب ينتظرون الفارس المقدام أن يخرج لهم بخرقة بيضاء ملطخة بالدم، ليقرعوا الطبول، ويباركوا له أنه زوجته شريفة كما ينبغي وأنه قد أحسن الاختيار.

في مجتمعات أخرى يصرّ الأهالي وخاصة اُم العريّس على أن ترى هذه الخرقة البيضاء ملطخة بالدماء لتضمن سلامة اختيار ابنها، واحياناً، اختيارها هي فليس للعريّس دور في الاختيار.

تخيل يا صديقي أن يسألك أحد الناس هذا السؤال: هل أنت عديم الشرف؟ ولأن بعض الأسئلة من الإهانة أن تُجابه بالجواب، فأنت هنا تستعد للتشاجر معه، أو على الأقل تقوم بتوبيخه لأنه يحتمل في سرّه أن تكون أنت عديم الشرف وعليه طرح سؤاله أعلاه.. أو ربما تسأل: ولمَ هذا السؤال؟

لا يشفع للسائل أعلاه أن يقول: أنا لم أفعل شيئاً، أنا فقط طرحتُ سؤالاً، لأن بعض الأسئلة تنطوي على مقدمة جارحة، تنطوي على فكرة فيها تعدٍ هي التي تؤسس لهذه الأسئلة، كأن يسألك أحدهم على نحو مثال آخر: هل اختك عديمة الشرف؟ أتظن هنا أن قول السائل: أنا لم أحكم، أنا أسأل وحسب، سيشفع له عن وقاحته هذه؟!

الخرقة البيضاء الملطخة بالدماء هي في الحقيقة البديل عن السؤال الأخير، فانتظار الخرقة على الباب ينطوي على السؤال: هل هذه الفتاة شريفة أم هي عديمة الشرف؟ وعليه يأتي الجواب بعد ساعات: انها شريفة، انظروا الى الدماء.. تأكدوا بأنفسكم.

لا أريد الحديث هنا عن المقولة الدراجة: غشاء البكارة لا يمثل الشرف، لسبب واحد، أن من افتُض غشاء بكارتها بعملية جنسية عليها أن تصارح بهذا زوجها القادم قبل زواجهم سواء كانت العملية عن زواج سابق أو غيره، ولهم حرية القرار حينها والاختيار.. رغم أن المقولة أعلاه صحيحة نسبياً، فقد يفقد الانسان شرفه بأمور أخرى، فالشرف لا ينحصر بالجسد وحسب، هناك شرف الخُلق، وشرف الكلمة، وشرف الأمانة، وشرف الوفاء، وشرف الجسد أيضاً.. فالإنسان الشريف في احدى هذه الأمور، لا يشترط أن يكون شريفاً في غيرها، لكن اختلال الشرف في احداهن، قد يُخلّ بشرفه بشكل عام، ولذا قلتُ إن المقولة أعلاه صحيحة نسبياً.

ما يهمني في هذا الحديث هي الوقاحة الاجتماعية التي تحشر نفسها للحكم على شرف فتاة تقترن أنت بها، ما شأنهم؟ ولماذا ينتظرون الجواب أساساً؟ انتظار تأكيد الشرف، وقاحة واهانة للزوجة، تنطوي على المقدمات الجارحة والمهينة التي ذكرناها في النصف الأول من المقال حين عرضنا بعض الأسئلة الوقحة.

طبعاً، الكثير من هؤلاء الأهالي وهذه المجتمعات بشكل عام لا يعرفون ولا يفهمون شيئاً عن اختلاف هذا الغشاء من فتاة لأخرى، وكيف أن بعض الفتيات يفقدن غشاء البكارة لأسباب طبيعية لا علاقة لها بالممارسة الجنسية، وكيف أن بعض الفتيات لا يخرج الدم منهن بعد الافتضاض بل يكون الناتج عبارة عن سائل لونه اصفر فاتح لا يمكن ملاحظته، أو أن هناك غشاءً مصمتاً يحتاج الى جرّاح لإحداث ثقب يسمح بنزول دم الحيض مما قد يؤدي الى أن تفقد الفتاة هذا الغشاء إثر هذه العملية.. الى آخره مما يمكن أن يحكم به الطب ويؤكده، وأنتبه لي هنا على آخر ما كتبت كي لا تعتقد ان هذا المقال هو دعوة الى الفوضوية في التعاطي مع الأمر.

في هذه المجتمعات، في هذه العوائل، ان حاولت اقناعهم بما تقرره الطبيعة البشرية أعلاه من أنواع الغشاء وما قد يحدث له، فنجوم السماء أقرب لك، وبهذا تحدث الكثير من المشاكل في العوائل، بعضها يؤدي الى الطلاق، طلاق سببه الجهل.. وضحيته عائلة كان مقدراً لها أن تعيش سعيدة.

أنا على ثقة تامة، أن الكثير من قرّاء المقال هذا من الرجال والنساء يقفون موقف الرافض إزاء اخراج الخرقة المدماة للعائلة، لكن الثقافة الاجتماعية المحيطة بهم تضعهم في موقف محرج، يجعل رفضهم أمراً مشكوكاً به.. وعلى عاتقنا نحن الشباب أن نصحح هذا المسار، وأن لا نسمح لأحد أن يحشر نفسه بيننا وبين زوجاتنا للحديث عن الشرف والعفة وانتظار الأجوبة والأدلة على هذا، فمجرد الدخول الى هذه الساحة، هو إهانة، إهانة للفتاة، ولزوجها.

Top