تمنيتُ من الخميني

حسين تقريبا     2017/12/10 20:36 عدد القراءات: 13726




في ليلة من ليالي النجف الباردة كنا نتجول أنا وأبي بين المكتبات في سوق الحويش، كان هذا بعد سقوط نظام صدام بفترة قليلة جدًا من الزمن كانت هي بداية دخولي الى دراسة العلوم الدينية، اقتنينا حينها أنا وأبي كتاب (التربية الروحية) للسيد كمال الحيدري، هذا كتاب رائع بحق في مجال علم الاخلاق، ودلّني هذا الكتاب حينها على كتاب الأربعون حديثًا، للسيد الخميني، لأن كتاب التربية الروحية هو شرح لفصل واحد فقط من كتاب الأربعون حديثًا. فاقتنيت (الأربعون حديثاً) أيضاً، وحدث معي ما لم كنت أتوقع حينها لصغر سنّي.

أول ما علّمني إياه هذا الكتاب، هو الاحترام، أن تحترم ذاتك وأن تحترم الآخرين مهما اختلفت أديانهم ومعتقداتهم، ربما يقول القارئ لهذا السطر وما المهم جدًا والجديد في هذه الفكرة التي بات الكثير من الناس اليوم يؤمن بها؟ الجديد إنها لم تكن سائدة في ذلك الزمان، وليس هناك مواقع للتواصل الاجتماعي ترى وتسمع من خلالها العالم، وكان الناس لفرط ما ألم بهم من الجور والفقر والاضطهاد يميلون الى التعصب حتى انعكس التعصب في المدارس والمناهج، وصار يُغذى للناس الى يوم الناس هذا.

نقل السيد الخميني في كتابه (الاربعون حديثا) عن استاذه الشاه آبادي قوله: لا تلعنوا الأشخاص من مات منهم حتى الكافر.. ناقش حديثاً قدسياً مضمونه: أن من ينصب نفسه مكان الله للحكم على الناس فليبشر بغضب وعقاب من الله، فليس لنا كبشر أن نحكم.. أربعون حديثًا في تهذيب النفس وشحذ الهمّة واحترام الآخرين وتقديرهم وعدم الحكم عليهم أو الإساءة لهم والابتعاد عن الجلوس مكان الرب للتحكم بمصائر الخلق، أربعون حديثًا ساعدن بشكل كبير على أن يخلقنّ مني إنسانًا آخرًا عمّا كنت سأتوجه له ربما قبل هذا الكتاب، وقبل أن اعرف امورًا أخرى من غير هذا الكتاب.

لي مع هذا الكتاب ذكريات لا أنساها ما حييت، فرحت في بعض مواضعه ودُهشتُ في أخرى وتعلمت تارة وبكيت أخرى، فهو كتاب أخلاقي يندر أن يجد الانسان مثله، واللغة التي كُتب بها كانت من أروع ما يمكن أن يقرأه الانسان.

تمنيتُ لو أن كاتب هذا الكتاب هو رجل لا شأن له بالسياسة، ولم يدخل المعترك السياسي، بغض النظر عن إبداء وجهة نظر بسياسة الخميني أو سيرته التي نختلف معها في كثير من المواضع، فهذا موضوع سياسي آخر تناولنا بعض أطرافه في مقالات أخرى، للخميني كتب أخلاقية لم أجد ندا لها سوى القليل في المكتبة الإسلامية، له كتب عن الصلاة، وعن تهذيب النفس وجنود العقل والجهل كُتبت بطريقة ملهمة ومحترمة وتحترم العقل الإنساني وتحاكيه بطريقة مهذَبة ومهذِبة، لها وقعها في النفس ولها تأثيرها على المستوى العملي، لكن هذه الآثار العلمية والأخلاقية لم يعد لها ذكر الآن بين أوساط الكثير من الشباب والقرّاء بسبب ما جنته السياسية على هذا الجانب.

تراودني الرغبة في أحيان كثيرة أن أكتب وأنشر حول ما كتب هذا الرجل في (الأربعون حديثا) وفي جنود العقل والجهل وغيرهن من الكتب، لكن من سيفهم أن الحديث عن جانب علمي لا يعني النصر السياسي بالضرورة لهذه الشخصية، سوى القليل من الناس، لذلك أعزف عنها باستمرار.. وهذه مأساتي مع كتب هذا الرجل.

Top