المحاصصة ومعركة الفساد

المحاصصة ومعركة الفساد     2017/11/29 10:50 عدد القراءات: 519




كنت قد كتبت قبل فترة ان ملف الفساد إحدى خيارات العبادي في الانتخابات، خارجياً وداخليا، مع الفساد والإعمار يكون العبادي إلهاً، وهذا خيار أمريكي واضح ومرتقب، وينبغي استثماره وطنيّا، وفي سبيل مصالحنا!

*

محاربة الفساد حلوة إعلاميا، وتؤتي ثمارها انتخابيا، وهي حتمية، حتّى ان لم يفعلها العبادي، يفعلها غيره. ان لم تكن الآن، فبعد سنوات، طويلة او قصيرة، ألمهم لابد ان تحدث. لكن في الوقت الحالي.. هي الخيار الأنسب في ظلّ التطوّرات العراقية الأخيرة، ملف داعش وكركوك، ولابد ان تكتمل الصورة سياسياً، وقد رأينا بعض التسريبات والأسماء وتوضيح النوايا في محاربة الفساد.

وبغض النظر ان كانت توظيفاً انتخابياً أم إصلاح نظام، فهي بذات الوقت، مكلفة جداً، وفيها مخاطر كثيرة، ولابد ان تكون الحكومة قد أعدت العدّة لكل خطوة بالإمكان ان تقدم عليها في هذا السياق.. إنها ليست نزهة في ظل دولة تكاد تكون مفكّكة سياسياً، وليس فيها إرادة جامعة، والأهم إنها ما زالَت تتحرّك بنظام المحاصصة.

للفساد يا أصحاب، وُجوه طائفية وعرقية، وإقليمية وخارجية. لم تكن ملفّات الكهرباء وتأخرها (كمثال) إلا سياسية مرتبطة بجهات إقليمية، وإلا، ليست الكهرباء مستحيلة على دولة تمتلك موارد طبيعيّة هائلة مثل العراق، لكن لأننا لا نمتلك صحافة استقصائية ملتزمة توضِّح للناس ما يحدث، ترانا نلجأ للصراخ بأسئلة مثل: وين الكهرباء، وين فليساتنه.. الخ!

*

ان لم يتمّ القضاء على (المحاصصة) فإن الفساد بأوجهه "المشروعة" والمبررة سلفاً مستمر، حتى لو سقَطْت رؤوس كثيرة داعمة للفساد، او هم فاسدون بالأصل!

من خلال المحاصصة تتدخّل الدول الإقليمية، وتأخذ ما تشاء، ومن خلالها تضيع "المسؤولية الوطنيّة" بإبرام العقود الكبيرة، وتوقيعها مع شركات وهمية.. كل شيء مباح ومشروع ما دامت حصّة الطائفة وأسيادها خارجياً متوفّرة! 

ان لم يتمّ القضاء على المحاصصة، سيبقى الفاسدون، ومن أضاعوا البلاد تيجان للرؤوس، وحماة للمذاهب، ويتم تفضيلهم على الكفوء والشريف ورجل الدولة، وسيعيدون إنتاج أنفسهم في أي لحظة تتطلّب خطاباً طائفيا يوضحون فيه نواياهم المحمومة في الدفاع عن المذهب!

المحاصصة.. هي بيئة خصبة للفساد، وحضوره كمنهج وسلوك في الأنظمة الإدارية والاستثمارية.. هي توفّر الحماية المُطلقة للفاسد حين يسرق أموال هذه البلاد، وحتى كحل عينيها.

كما إنها ستقف حجر عثرة أمام أي إرادة وطنيّة في البناء والتقدّم والتطوّر، وتنظيف الحكومة العراقيّة من أكوام المشاكل التي علقت بها.. كما إنها ستقف أمام اي مشروع لبناء دولة قوية ومحترمة!

القضاء على المحاصصة، يعني ان هناك تنافساً غير خاضع للمزايدات الإقليمية، هناك مسؤولية وطنيّة في النظر للأموال والتعامل بها.. هناك أكفاء يعملون ولا يفسدون في كل وقت، وليسوا تابعين أذلاء أمام العقود والاستثمار.

ليس بقاء الفساد ببقاء المحاصصة وحسب.. إنما الحروب الطائفية، والتناحر المذهبي مستمر.. فليس هناك رأسمال للمحاصصاتي غير الطائفة والعشيرة، والأولى أهم وأخطر!

في المحاصصة.. أنت تحتاج لعود ثقاب بسيط يشعل الفتيل بين أبناء الشعب، ويحرق كل شيء تم بناؤه، وما أقل البناء في هذه الأرض! ان لم تنتهي المحاصصة.. سنكرر المأساة التي أضاعت بلادنا، وأرضنا، وشبابنا، وربّما ستقضي على ما تبقّى من هذه البلاد التي تحوّلت إلى رُكَاما يتقاسم ثرواتها الفاسدون وبائعي الأوطان ومضموني الولاء!

Top