أخلاقيات التضامن الطائفي

أخلاقيات التضامن الطائفي     2017/11/25 11:16 عدد القراءات: 1286




احمد الشيخ ماجد

من وسائل التواصل الاجتماعي، يطل بعض العراقيّين من أوربا وأمريكا وكندا بكتابات وآراء طائفية وعنصرية مُلفتة، أحيانا تكون أشد من العراقي المحترق في الداخل، الذي يعيش وسط أكوام من التضليل، والتجهيل المؤَسّس والمتعمد، وغسيل الدماغ، والصراعات السياسيّة التي تلقي بظلالها على وعيه الديني والاجتماعي والسياسي.

ولهذا جذور وأسباب موضوعية حتما، فليس الأحداث وتدفق الدماء، وحمم نيران المفخخات وحدها من تعمّق الشعور الطائفي، إنها حالة التضامن المذهبي العابر للهويات الوطنية.. ما دمت سنّيا، أنا معك في حقك وباطلك، وما دمت شيعيّا أنا معك في حقك وباطلك، حتى لو كنت أعيش في دول علمانية، لا دينية مثل أوربا وأمريكا!

تصوّر ان ينتخب (العراقي/ الفرنسي) السيد نوري المالكي، او السيد طارق النجيفي، لأنهما محاميان شرسان عن المذهب، وصوتهما عالٍ في ردّ أعدائه.

كانت العصابة البعثية، تُمارس مع الشيعة، أنواعا من القمع والعنصرية والإقصاء، مما جعل الكثير منهم يهرب خارج البلاد، سيّما بعد الانتفاضة الشعبانية، والتي وُجهت نيرانها نحو الشيعة بشكلٍ خاص.. وأفرز هذا عند (بعضهم) شعوراً طائفياً عميقاً، خصوصا وأنهم كانوا مكبوتين في ممارسة طقوسهم داخل العراق، مما جعلهم يلجأون بإصرار نحو تأكيد "هويتهم الشيعية" من خلال إظهار طقوسهم المذهبيّة المعروفة، وهذا أيضا، نابع من مشكلة الهوية التي تتفاقم منذ تأسيس الدولة العراقية في 1920.

بعد السقوط، ما زَال هؤلاء يعيشون بذات العقدة الطائفية، وينظرون للعراق من الثقب الذي خرجوا منه في زمن صدّام، كأنهم لا ينظرون الآن الى أن الحكم شيعي، ومعظم الشيعة موظفيْن في الحكومة، ولديهم سيطرة كاملة على مقدّرات الدولة العراقية، ويمارسون طقوسهم بحرية مُطلقة.. وهذه المشكلة أصابت حتى الشيعة الذين خرجوا بعد السقوط، فهم ذهبوا حاملين كل هذه العُقد، والتجاذبات السياسية الطائفيّة الموجودة بالواقع بعد الإطاحة.

من جانب آخر، وفي دوَّامة الحرب الطائفية، هرب الكثير من البعثيين والسنّة خارج العراق.. وتحولت نظرتهم للحكومة العراقية، على أنها دولة ميليشاوية، تابعة لإيران، وزاد هذا الشعور تأكيداً، حكومة المالكي، وما رافقتها من أزمات، ومشاكل سياسية كبيرة، أفرزت انقسامات بحجم هذه الأرض التي تحترق من حرارة الدماء الموزعة عليها.. فالكثير من سنة الخارج، لم يقبلوا بهذه الحكومة مهما فعلت، لكن حين تقول لهم: قدّموا البديل.. سيلجأون للكلام عن الذكريات في التسعينيات والأمان وكذا.

بالنسبة للنموذجين أعلاه؛ الهوية المذهبيّة السنية والشيعية مهدّدة، لهذا تراهم من أوربا وأمريكا، يكتبون كأي رجل دين يأمر أتباعه بإحراق الآخر، رغم انهم من المُفترض، ان يكوّنوا وعيا مغايراً لعراقيي الداخل في رفض العنصرية والطائفية، ويصنعون رأيا عن نجاح "الدولة الوطنية" باعتبارهم يعيشون في أوطان تُعتبر العنصرية والطائفية من التأريخ المريض والأسود، وكان بديلهم "الوطنية"، لكنك تجد الطرفين غارقين بخطاب الإعلام المذهبي الطائفي، الذي ليس له هدف غير إشعال الفتيل، وتعميق الصراع.. ومن شرفاتهم المليئة بالورود في أوربا، تراهم يفرشون بضائعهم المضللة، ليزيدوننا حريقا، وانقساما، خصوصاً، وان لبعضهم قبولا "فيسبوكيا" واعلاميا لاعتبارات وهمية، ليس هنا محل ذكرها.

منذ ثلاثة عشر عاماً، والعراقيون يتناطحون ببعضهم، آخذين "وسائل وعيهم" من الجزيرة والعربية، وقنوات الشّد الطائفي.. ولم يتشكل عندنا إعلاما وطنيّا، يفتح عيون الناس من الانحطاط الطائفي والسياسي.. معظم المؤسّسات الإعلامية، وحتى الرسميّة منها، مُتعمدة في استقطاب الطائفيين ومضموني الولاء، لهذا ترى العراقي في الخارج، أما يبني رأيه من الإعلام الإيراني، أو الخليجي، وتبقى الهوية العراقيّة اليتيمة، منتهكة من اليسوه والما يسوه!

حاجة الخطاب الوطني، والتأكيد على الهوية الوطنية الآن أصبحا ضرورة لإنهاء هذه المهازل الحاصلة، حروب أهلية، انفجارات، داعش، فشل سياسي، تقاسم في الفساد، وهذه حالات ترافق الطائفية السياسية والمحاصصة أينما حلّت.. ولا بديل عنه، إلا في صعود الهوية الوطنية، وإخفاء الهويات الثانويّة التي تُتخذ طريقاً للمرور في مؤسسات الدولة، والتحكُّم طائفيا بمصير العراق وتنوعه ومستقبله!.

Top