المحرر:

شيرين وجدلية الوطنية!

شيرين وجدلية الوطنية     2017/11/21 18:48 عدد القراءات: 488




احمد الشيخ ماجد

في الحديث عما جرى للفنانة شيرين في مصر، وكيف مُنعت من الغناء، وتم تخوينها، والتشكيك بوطنيتها.. تذكّرت هذا القمع الحاصل في دول الاستبداد عن طريق الوطنية الزائفة، والتي تقتصر على السُلطة، وكيفية بنائها، وإسكات كل صوت معارض، وإلغاء كل تعدُّدية سياسية وفكرية بحُجة "الوطنية".

هذا ما يحدث في دول الاستبداد وحكم العوائل، العراق، مصر، سوريا، وباقي البلدان التي ابتُليت بهذا المرض، مع الاختلاف في البنى الاجتماعية والاتجاه السياسي لكل دولة، ليست هناك عدالة اجتماعية، ولا ديمقراطيّة، ولا ضمان اجتماعي او صحي، ولا معيشة جيّدة، ولا حتى بيوت يسكنها الآدمي، ويقول لك البطران: وطنية! ينفرد حسني مبارك وأولاده بالثروة وأموال البلاد، ويريدون من الآخرين "الجائعين بالضرورة" ان يكونوا وطنيون.

تمتع بتبعيّة مطلقة للسلطة، ولسان لا يتكلّم ولا يعترض، ستكون وطنيا ولا غبار عليك، ثمّ يتمتّع حافظ الأسد وعائلته بالحكم، ويوزع صكوك الغفران حسبما يقرر الجلاد، ويحرم آخرون حتى من الجنسية، ويريد منهم ان يحملوا ولاءً مطلقًا للسلطة، ويكونوا وطنيين، ولا يقولون له : كفى!

مشكلة الإستبداد وتمثلاته في المنطقة العربية، أمراض وتراجع وسلطات مرفوعة وقائمة على رؤوس بني آدم، وكلما نظرنا نحو سماء التحرّر والبناء ضربتنا هذه الأمراض من الخلف، مرّة بالإستعمار، ومرّة بالمذاهب، وأخرى ببناء الديكتاتوريات، والتي تضيف أمراضا على أمراضنا التأريخية الكبيرة.

لم تكن شيرين ومثيلاتها يكرهون بلادهم ويريدون ان يطعنوا بها، إنما هو مزاح طبيعي دخل للإعلام واستلمه الباحثون عن الإثارة وكثرة القراءات والمشاهدات.. تحولت هذه الفنانة إلى خائنة بالوقت الذي تجد فيه من المصريين من لا يجد لقمة يأكلها وبيت يأوي أطفاله

 

الوطنيّة عنوان مطاط وواسع، وبالإمكان استخدامه للخلاص والهلاك، للجنان والنيران، للصعود والنزول.. لكن هذه الكلمة ينبغي ان تكون حاضرة دوماً في قواميس الجدل والنقد، والتنافس السياسي حول البناء والتقدم والتطوّر والتنمية والاستقلال، لا للتخوين وإسكات المختلفين.. إنها مثل السياسة، ينبغي ان تسع الجميع، وإلا، صارت بلاءً وكفرا على بني آدم كما هي تجربتنا في الاستبداد، وبحسب حكم العائلة الصدامية.. كان كل من خرج من العباءة البعثية، ليس وطنيا، ويستحق الإعدام وحبال المشانق، إلى ان أفرز هذا السلوك، هويات فرعية، وخارطة مفتتة، وتدمير كل المشتركات التأريخية والرمزية، وتشويه مُطلق لكلمة "وطنية". صار البعض يفخرون بكونهم شيعة او سنة على حساب بلادهم وهويتها ووجودها كبلاد واحدة ومستقرة.. نتيجة حتمية عن التمييز السياسي، هذا وطني، وذاك خائن، هذا مطيع، وذاك عميل! الوطنيّة ليست دينًا بالنتيجة، انها طريق للعيش والتقدّم والرقي بالأوطان لا لتخوين أبنائها بسبب كلمة.

لا أتفق مع مقارنة العراق بمصر في هذه الحادثة بالطبع، أعتقد ان هناك هوية مصريّة تكاد تكون مكتملة، وهناك ظروف مختلفة في طريقة الحُكم والسياسة ومساحة الحرية والاختلاف.. غير ان العراق ما زال يُعاني من أزمة الهوية، وهناك أضعاف متعمّد لها، فضلاً عن المحاصصة، والطائفية السياسية، والتي ستنتج حتماً انقسام وتشظي، وغياب للإرادات الوطنيّة الواحدة.. إضافة إلى ما ذكرناه من نتائج أوصلها الاستبداد لنا، فإن هناك تعمّد على عدم ذكر "الوطنية" وعرضها للنقاش، خصوصا وان هذا وقتَها، في خضم التوجّهات الطائفية وتضييع هوية البلد التي نعيشها الان، وتوزيعها بين المذاهب والحروب الإقليمية. ليس هناك مصرياً أكثر سعودية من السعودي، وليس هناك مصرياً أكثر إيرانية من الإيراني، ولا يتحوّل التشابه الديني او العقائدي في مصر إلى ولاءً سياسياً.. المصريين مصريون وفقط، لكن في بلادنا هناك استبداد طائفي سياسي وحرمان لمكونات محدّدة، ثمّ احتلال ومحاصصة وانفجار اجتماعي، مع حضور أجهزة للتضليل الطائفي وغسيل الأدمغة، وحملات شعواء على استغلال هذه الظروف وتحويل الشباب إلى أدوات طائفيّة عابرة للحدود، لا تعترف بالخارطة، ولا الحدود، ولا الوطن، ولا مستقبل البلاد ومصالحها. باعتقادي، الآن وفي هذا الوقت، ينبغي حضور مصطلح "الوطنيّة" بشكلٍ ملح في العراق، والآن لابد ان يثبت الإنسان وطنيته من طائفيته، او تبعيته للخارج.. الآن وجب على الدولة بعد كل هذه الانتصارات التي تَمتّعت بها ان تتبنّى الخطاب الوطني، غير الخاضع للتنافس المحاصصاتي والمذهبي.. الآن لابد ان تقول: أنا وطني، لتميز نفسك عن حرَّاس الطوائف وأمراء الحروب وأدوات الخارج. أنا وطني، لأن الوطنية التي أؤمن بها جامعة، تضم الجميع، ولا تحاسبهم على سخرية أو مزاح.. وطنيٌّ لأن الوطنية عكس الطائفية، ومع البناء والتعايش والأستقرار وضمان المستقبل، وطنيٌّ لأن مصلحة البلاد تتطلّب هوية جامعة تشعر أبناء البلاد بوجودهم وأهمية وطنهم، إنها ضرورة سياسيّة، وليست تمنيات حالمة يتلاعب بها التجار ومن يوزّع صكوك الغفران على المتفقون معه فقط!

 

Top